معارك زكى مبارك الأدبية .. وعصر من الحيوية الأدبية والفكرية

21/01/2015 - 1:06:47

الاديب زكى مبارك الاديب زكى مبارك

كتب - محمد رضوان

يعد د. زكى مبارك (1891 - 1952) أبرز أدباء النهضة فى العصر الحديث ، وكان لهذا الأديب العصامى دور كبير فى إثراء حياتنا الأدبية والفكرية على مدى ربع قرن بعد عودته من باريس عام 1931 وحصوله على درجة الدكتوراة فى الآداب من جامعة السربون عن رسالته «النثر الفنى فى القرن الرابع الهجرى».


وقد ارتبط الدكتور زكى مبارك بالصحافة السياسية والأدبية منذ مطلع شبابه أثناء دراسته بالجامعة المصرية وأثناء دراسته العليا فى السربون ظل يراسل صحيفة «البلاغ» حتى يستطع أن يكمل تعليمه الجامعى فى السربون بالمكافأة المالية منها حيث سافر على نفقته الخاصة وظل بباريس لمدة أربع سنوات (1927-1931) ينفق على نفسه وعاد يحمل درجة الدكتوراة فى الآداب بدرجة جيد جدا، وأثبت بذلك أنه الأديب العصامى الذى اعتمد على ذاته ، فقد ولد فقيرا وعاش فقيرا ومات فقيرا لم يمد يده لأحد وأصبح مثالا رفيعاً للشموخ وعزة النفس والكرامة الإنسانية .


وتمر الذكرى الثانية والستين على رحيل د. زكى مبارك فى 23 يناير الجارى وهذا المقال يعد تكريما له فى ذكراه العطرة الباقية.


شهدت الفترة بين سنتى 1931 و1952 أى منذ عودة د. زكى مبارك من باريس حتى وفاته فى 23 يناير1952 معارك ومساجلات أدبية تراوحت بين العنف والهدوء النسبى ولكنها اتسمت جميعها بسمات واضحة ترجع لشخصية زكى مبارك أكثر من أى شىء آخر حيث كانت تلك المعارك الأدبية مطبوعة بالطابع العاطفى الوجدانى وقد تمثلت فيها شخصية مبارك وروحه العاطفية مع الموضوعية وغزارة ثقافته الأدبية.


وقد خاض د.زكى مبارك معارك أدبية مع عدد كبير من أدباء عصره منهم د. طه حسين والعقاد وأحمد أمين ومصطفى صادق الرافعى وعبدالعزيز البشرى والمازنى ومحمد لطفى جمعة وأحمد زكى شيخ العروبة وسلامة موسى وأحمد شوقى وأحمد زكى أبو شادى وأحمد حسن الزيات وعبدالمتعال الصعيدى والسباعى بيومى وغيرهم كثيرون.


وإذا أردنا تحديد أهم ملامح تلك المعارك الأدبية للدكتور زكى مبارك فيمكن حصرها فى التالى:


- غلبة الطابع العاطفى الذاتى للدكتور زكى مبارك من حدة وعرامة وصراحة قد تبدو قاسية.


- الاعتراف بالخطأ إذا ما ثبت له خطأ رأيه وهو ما وصفه بعض مؤرخيه بصفاء نفسه.


- كانت أكبر معاركه الممتدة على مدى سنوات طويلة تترواح بين معارضة د. طه حسين فى بعض آرائه، ومساندته فى بعض المواقف الأخرى، تخللتها بعض الخلافات الشخصية والعداوات التى صارح بها زكى مبارك قراءه لكن كان كثيراً ما يعترف بمكانة د. طه الأدبية وحبه له رغم حدة المعارك الأدبية معه. والظاهرة اللافتة أن د. طه حسين لم يكن يعنى كثيراً بالرد على الكثير من آراء زكى مبارك ولم يناقشه فيها طويلاً إيثاراً للسلامة من حدة مبارك وعرامته.


- كانت معركة زكى مبارك مع أحمد أمين من أطول المعارك الأدبية لكنها كانت معركة موضوعية للدفاع عن التراث العربى من جانب زكى مبارك حين اتهم أحمد أمين هذا الأدب بأنه أدب معدة لا أدب روح ولم يرد خلالها أحمد أمين على حجج وآراء زكى مبارك رغم أنه كان يملك منبر مجلة الثقافة التى كان يرأس تحريرها.


- لم تكن هناك معارك أدبية حادة مع العقاد من جانب زكى مبارك، ولكن حين غمز العقاد شخصية زكى مبارك وأدبه فى بعض مقالاته الصحفية رد عليه رداً قوياً عنفياً.


- كانت ثوابت زكى مبارك العربية والإسلامية والأدبية موضع خلاف مع بعض أدباء عصره، فثارت بسببها معارك عديدة.


- كان زكى مبارك يختار أحياناً بعض الموضوعات الأدبية الشائكة للدفاع عنها بحجج موضوعية قوية.


- استغل البعض جرأة زكى مبارك فى تناول بعض القضايا المسكوت عنها دينياً وأخلاقياً فهاجموه بعنف وشراسة خاصة فى سنواته الأخيرة.


- كان هناك شبه مؤامرة لإبعاد د. زكى مبارك عن مجلة الرسالة بتحريض من بعض المسئولين خاصة من وزارة المعارف يومئذ لهجومه اللاذع على وزيرها، فأفسح رئيس تحريرها أحمد حسن الزيات لبعض الكتاب والمجال ومنهم محمد أحمد الغمراوى وعبد المتعال الصعيدى للهجوم على زكى مبارك وتسفيه آرائه خاصة بعض الآراء والأفكار فى كتابيه «النثر الفنى» والتصوف الإسلامى وبالفعل أنسحب زكى مبارك من الكتابة فى مجلة الرسالة عام 1944 بعد تلك الحملة الشرسة الظالمة التى اتهمته فى عقيدته الدينية.


- دفع زكى مبارك ثمناً غالياً لصراحته فى الإدلاء بآرائه وأفكاره، فتعرض رزقه ومعاشه لضروب من الزعزعة والاضطهاد، كما تعرض مسلكه فى الحياة إلى سفاهة القيل والقال. وقد وصف محمود تيمور معارك مبارك بقوله:


«وأما مشاجراته القلمية فقد كان فيها مطواعاً لفطرته ، منساقاً مع الشيمة البدوية أو الريفية فى إيثار الصراحة العرية».


«وما كان زكى مبارك يؤمن بتلك الطراوة العصرية فى محاسنة الناس بعضهم لبعض، ولكنه كان عارم الرغبة فى البوح بمكنون وجدانه ، دون محاباة أو مواربة، ومن ثم يكتسب حديثه طابع الخشونة والجفوة والاقتحام».


«وقد أفاد الرجل من ذلك أنه أراح ضميره، بيد أنه أحاط نفسه بضروب من العداوات والمناوآت ، وإن لم يأبه بها إذ سطر كل ما يحوك فى صدره، ونفض عنه ما يثقله ، فصفا قلبه، وسلمت طويته، وسهل عليه أن يصافح فى يومه من هاجمه فى أمسه ، صادقاً فى مودته، كما كان صادقاً فى خصومته ، فتصادف تعليقاته تحية لرجل كانت بينهما علاقة فى درس أو فى مجلس، وذكرى لراحل كان له أستاذه، أو كانت بينهما مشاركة فى عمل، وما يشبه الترضى والإعتاب لرجل هاجمه من قبل أعنف هجوم، معترفاً بجميل له عليه، أو معجباً برأى أبداه».


هذه شهادة كاتب كبير منصف لمعارك زكى مبارك الأدبية.


وقد اتهم زكى مبارك ببداوة الطبع فكتب يقول:


«إن بداوة الطبع التى كثر الكلام فى ذمها وتجريحها لم تكن من المثالب إلا فى كلام الشعوبية وهم قوم أرادوا الغض من الشمائل العربية، فكيف ينكر على رجل مثلى ظل بدوى الطبع فى زمن توارت فيه الصراحة وكثر فيه تنميق الأحاديث».


وكان زكى مبارك يعتز ويزهو بمعاركه ومساجلاته لهدف محدد:


«أنا لا أرى الحياة إلا فى حومة القتال، وليس الأدب عندى مزاحاً أتلهى به فى الأسمار والأحاديث ، وإنما هو عراك فى ميادين الفكر والخيال».


ووصف أحد الأدباء الدكتور زكى مبارك كفارس فى ميادين المعارك الأدبية ، فقال:


«لو جاز وصف المساجلة فى الأدب بالمعارك الحربية، وتشبيه الأدباء بالجيش الذى يخوض غمارها ، لتمثلنا الدكتور زكى مبارك ضابطاً من الضباط قد ازدان صدره بالشارات العسكرية وحمل سيفه، وراح يقارع به ويصاول ، ثم لا يغمده فى جفنه إلا بعد طول الطعان ومجاهدة الأقران».


وقد سماه صاحب مجلة «الرسالة» الأديب الكبير أحمد حسن الزيات باسم «الملاكم الأدبى فى ثقافتنا الحديثة» لما شاع عنه من قوة العارضة وصراحته العارية وعنفه وشماسه فى معاركه ومساجلاته مع أدباء عصره ومفكريه.


وبعد، فإذا جردنا معارك زكى مبارك من بعض المساجلات والمعارك الشخصية، ومن طابعها العاطفى، وبعض شظاياها فإننا نجد أنها أحدثت حيوية فكرية وأدبية فى ذلك العصر وكانت سجلا حافلاً لذلك الزمن الجميل!