النانوبيولوجيا .. علم جديد لمستقبل البشرية

21/01/2015 - 12:56:44

معالم الذرات و الجزيئات معالم الذرات و الجزيئات

كتب - د. محمد فتحى فرج - كاتب مصري

يجيء النانوبيولوجيا بعد النانوتكنولوجيا، ليجدد شباب علوم البيولوجيا، ويفتح لها آفاقا جديدة من المعالجات التقنية، وليُسطر بعض المُعطيات العلمية الجديدة التى تواكب العصر، بتقنياته الدقيقة، وحقائقه الراسخة العميقة. فماذا يعنى العلماء بالنانوبيولوجى؟


البيولوجيا النانوية (النانوبيولوجى): مجال علمى انبثق حديثا من التكنولوجيا النانوية أو النانوتكنولوجى، وإذا أردنا أن نُعَرِّف النانوبيولوجى فلا بد أولا أن نقف على معنى النانوتكنولوجى أو تكنولوجيا النانو.


فمن الناحية اللغوية، حينما يولد لنا طفل، فقبل أن نضع له اسما محددا نتطوع نحن لنناديه، كما يناديه أيضا، آخرون من المحيطين به تلقائيا "بالنونو". وهذا الاسم "العام"، فى هذه الحالة، يعنى لنا ولهؤلاء الناس "الكائن الصغير"! فإذا انتقلنا إلى اللغات الأجنبية، فإن كلمة "النونو" العربية تصبح "النانو" فى هذه اللغات. ومن العجيب أن كلمة النانو تعنى فى اللغة اليونانية أيضا الشيء الدقيق أو القِزم أو الصغير جدا. أما من الناحية الرياضية الكمية فإن النانو هى وحدة قياس للطول «1nm = 10-9 m»، أىْ يُعادِل طولها جزء واحد من مليار جزء من المتر، أو ما يُعبر عنه رياضيا بالرقم: 9-10 من المتر أى واحد على عشرة أمامها ثمانية أرقام.


فإذا أضفنا لها كلمة تكنولوجيا، التى تعنى التقنية أو "فن تطبيق العلوم النظرية"، فإننا نكون بذلك قد وضعنا النقاط فوق الحروف كما يقولون؛ ذلك أن هذا يعنى لغويا "التقنية الدقيقة"، التى تُعْنَى أو تضطلعُ بتطبيق المفاهيم النظرية للعلوم الطبيعية، على المستويات المتناهية الصغر، والتى نسميها اصطلاحا بالدقيقة.


أما من الناحية العلمية، فإن التقنية الدقيقة أو ما يشاع الآن على ألسنة الناس ـ العامة والمتخصصين على السواء ـ بالنانو تكنولوجي، فإنه يعنى: إنشاء تراكيب وأجهزة أو أنظمة تتسم بخصائص ووظائف فريدة أو التحكم فيها على المستوى الذرى، أى مستوى الذرات. وما أدراك ما الذرات؟ إنها أصغر جزء من المادة لا يوجد منفردا ؛ ذلك أن خصائص المادة النانوية الميكانيكية والحرارية والكهربائية والمغناطيسية والبصرية والحيوية، وغيرها، تعتمد على حجم البنية النانوية Nanostructure، ويمكن أن تختلف اختلافا جذريَّا عن خصائص المادة الأصلية.


وترجع فكرة التقنية النانوية إلى عالم الفيزياء الأمريكى ريتشارد فينمان الفائز بجائزة نوبل عام 1965، حينما ورد مفهومها على لسانه فى محاضرته الشهيرة حول آفاق التصميم بحجوم صغيرة، خلال المؤتمر السنوى لجمعية الفيزياء الأمريكية.


أما علم النانو: فهو العلم الذى يُعْنى بدراسة العالم متناهى الصغر، وهو عالم الذرات والجزيئات. فإذا قلّ أحد أبعاد الجسيمات عن 100 نانومتر، فهو يندرج تحت جُسَيْمات النانو.


وتعد الأبحاث والتقنيات التى تُجرى على المستوى الذرى أو الجزيئى أو الجزيئات الكبيرة التى يتراوح طولها ما بين 1 إلى 100 نانومتر، من أهم الاتجاهات البحثية لتكنولوجيا النانو. فقد اكتشف العلماء أنه عند مستوى النانو، تؤثر قوانين الميكانيكا الكمية بشكل كبير على الخصائص الميكانيكية والبصرية والكيميائية والإليكترونية للمادة، وتفيد هذه الخصائص الإنسان من حيث تطبيقها، على المستوى الدقيق أو النانو، ولهذا فإنها تُسهِم فى حماية البيئة من التلوث. ومن أمثلة هذه التكنولوجيا اختراع محسات أو مجسات لتحسين القدرة على الملاحظة والرصد، وابتكار وسائل جديدة للعلاج بتكلفة أقل، وتقليص نسبة التلوث، واللجوء إلى الصناعات الصديقة للبيئة، والتى تحد من المخلفات الصناعية أو تقضى عليها نهائيا. كما يدخل فى دائرتها أيضا الاستعانة بتكنولوجيا الطاقة الخضراء، وإنتاج مصادر طاقة نظيفة وتجارية فى الوقت ذاته.


وعلى هذا فإن النانوبيولوجى هو واحد من أهم مجالات التكنولوجيا النانوية وهو الفرع الأكثر تعبيرا عن هذا المجال العلمى الجديد لأسباب:


أولا: ارتباط هذا الفرع من فروع النانوتكنولوجى بشكل مباشر بالإنسان وبيئته.


ثانيا: اعتماد هذا الفرع على معظم فروع العلم النانوية.


ثالثا: ارتباط كثير من مجالات النانوتكنولوجيا التطبيقية بالنانوبيولوجيا.


وأخيرا: فإن الكثيرا من المنتجات التى بدأ أو اقترب طرحها للتسويق التجارى هى منتجات تمس الحياة اليومية لكافة البشر، ولا تحتاج إلى مستوى علمى متميز لإدراكها والتعامل معها. وحينما نقوم بتدريس الميكروبيولوجى أو بإجراء البحوث العلمية الخاصة بهذا المجال فإننا فى الواقع نستخدم مواد وأدوات معينة تمكننا من أداء هذه المهمات، فالمواد التى نستخدمها تنحصر فى الحبيبات الفيروسية، والخلايا الميكروبية، سواء كانت بكتيريا أو فطريات، أما الأدوات فتنحصر فى المجاهر، وآنيات التخمر، والوسائل الميكانيكية المتنوعة لإتمام عملية التخمر وغيرها مما يمكن تخيله من أدوات المساعدة؛ فى حين أنه عند دراسة النانوبيولوجى فمن الطبيعى أن تكون له مواده وأدواته، التى تختلف اختلافا جذريا عما يستخدم فى الدراسات الميكروبيولوجية، هذه المواد التى يطلق عليها المواد النانوية. وعلى هذا، يمكن للمدارس البحثية المصرية ـ كل فى مجاله ـ أن يسهم فى مثل هذه البحوث.


تكنولوجيا النانو فى البيولوجيا والطب


أمكن مؤخرا استخدام تكنولوجيا النانو فى الاكتشاف المبكر جدا للأمراض الخبيثة كالأورام السرطانية، وقد أسهم طب النانو فى تطبيب وعلاج مثل هذه الأمراض قبل فوات الأوان مقارنة بالماضى القريب. فطب النانو هو أحد المجالات الطبية التى تهدف إلى اكتشاف الأمراض وعلاج الأنسجة التالفة، كالعظام أو العضلات أو الأعصاب على مستوى الجزيئات.


ومن التطبيقات النانوية فى مجال البيولوجيا والطب، ما قام به الباحثون من استثمار المزايا الكثيرة لتكنولوجيا النانو، التى ترتبط بمعطيات الكثير من العلوم، معتمدةً فى ذلك على مجموعة من المواد والأجهزة المستخدمة، فى علوم البيولوجيا والكيمياء والفيزياء والهندسة، فى علاج بعض الظواهر البيولوجية المَرَضيَّة، كعلاج الأورام السرطانية. وتستعين هذه التقنيات بناقلات متناهية الصغر فى حقن الخلايا السرطانية بالدواء وعوامل تباين الصورة (كالفلورة أو العتامة تحت المجهر "الميكروسكوب").


وعلى سبيل المثال، فحينما تُسَلِّط شعاعا من الضوء على إصبعك، ستجدُ أن شعاع الضوء يخترق الأنسجة، فيبدو الإصبع ملونا باللون الأحمر، وهذا لا يرجع إلى لون الدم فقط، وإنما يرجع أيضا إلى اختراق الشعاع للجلد. إذ يستطيع الضوء اختراق الجلد دون أن يتشتت بشكل كبير. وقد استُخدِمَت هذه الطريقة للتداوى بالطاقة الضوئية الديناميكية، لعلاج الأمراض التى تصيب الجسم. فمن الاتجاهات الحديثة فى علاج الأورام السرطانية، التسخين المَوْضِعِى للبُؤر السرطانية، التى تعمل على قتل الخلايا والأنسجة السرطانية دون أنسجة وخلايا الجسم السليمة، والتى انتهجها كاتب هذه السطور فى محاولة لبيان آثارها الجانبية، حتى يمكن استخدامها استخداما آمنا عند علاج الأورام الخبيثة عن طريق هذه التقنية.


وعلاوة على ما سبق، تتعدد استخدامات الطاقة الضوئية، وعلى سبيل المثال إذا اصطدم الضوء بأحد المعادن فى الجسم، ترتفع درجة حرارة المعدن، وهذا من شأنه أن يؤدى إلى القضاء على الأنسجة المحيطة به (كالأورام).


وإذا اصطدم الضوء بأحد الجسيمات النانوية أدى إلى انطلاق جزيئات الأكسجين لتتفاعل مع الأنسجة المحيطة وتدمرها؛ وبذلك تقضى على الأورام. وقد اعتمد العلماء على جُسَيْمات متناهية الصغر من البللورات الزجاجية المغطاة بطبقة من الذهب، أُطلِقَ عليها اسم الطبقات البللورية النانوية، وذلك فى تطوير عملية اكتشاف الأنسجة التالفة وعلاجها.


ومن ناحية أخرى، فثمة نوع جديد من عقاقير علاج الأورام السرطانية، قد ظهر نتيجة استخدام الطبقات البللورية النانوية المتناهية الصغر، والتى تتحرك داخل الأوعية المسامية للورم ثم تستقر هناك. وتتميز الأوعية الدموية التى تمد الورم بالمواد الغذائية بوجود فتحات صغيرة تتيح للطبقات البلورية اختراقها والاقتراب من الورم. وتسمى هذه العملية بطريقة النفاذية والاحتباس المعززين. وتلتحم الطبقات البللورية النانوية بالأجسام المضادة، ويتم توجيهها لمحاربة البروتينات السرطانية مثلا أو العلامات البيولوجية للمرض، وهذا من شأنه زيادة الدقة العلاجية على المستوى الخلوي، حيث تستطيع الطبقات البللورية الوصول إلى الورم بإحدى طريقتين:


1ـ باستخدام الأجسام المضادة، وتتعذر هذه الطريقة نتيجة لعدم تميز جميع الأورام السرطانية بعلامات بيولوجية مُحددة، تُمَكِن العلماء من تكوين أجسام مناعية مضادة للقضاء عليها.


2ـ بطريقة النفاذية والاحتباس المعززين؛ حيث إن هذا الاتجاه العلاجى عن طريق الطبقات البللورية النانوية لا يقتصر على الأورام السرطانية التى تتصف بعلامات بيولوجية معينة.


مجالات وتطبيقات نانوحيوية


للنانوبيولوجى مجالات بحثية أكاديمية وتطبيقات عملية وتجارية، شأن العلوم الأخرى، مثلما يضم الميكروبيولوجى مثلا تخصصات فرعية أخرى، وقد تصبح هى الأخرى مجالات مستقلة، كعلوم البكتريولوجى (دراسة البكتيريا وتطبيقاتها) والفيرولوجى (دراسة الفيروسات وتطبيقاتها) وعلم الفطريات، وغيرها، فإنه بالمثل يضم النانوبيولوجى: التركيبات والأجهزة النانوية، والمحاكاة الحيوية، والبكتيريا النانوية، والمنتجات البيولوجية النانوية.


أما المجالات التطبيقية للنانوبيولوجى فتشمل: الأدوية الذكية، والمحاكاة الحيوية، والتنظيف الذاتي، وعلاج الأورام الخبيثة، والمنسوجات النانوية، والخلايا الشمسية، وغيرها. وهذا المجال البحثى الحيوى يمكن أن يمثل لمصر منطلقا نحو آفاق جديدة للبحث العلمى المتقدم المواكب للعصر.