ضرورة المجابهة العالمية لظواهر النازية -العنصرية- الإرهاب

19/01/2015 - 10:00:02

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان رسلان

في أواخر عام 1994 كنت في زيارة عمل إلي هولندا وفي ترتيبات الزيارة كانت هناك دعوة علي العشاء في منزل أحد الأساتذة بالجامعات هناك، وعندما ذهبت بمفردي لتلبية الدعوة طبقاً للبرنامج المحدد سلفاً، أخبرني الضيف بخبر محاولة اغتيال العظيم نجيب محفوظ قبل قليل، حاولت أن أخفي دموعي ولكن نظرات الاتهام التي ما لبثت أن تحولت إلي سخرية هادئة من المضيف حول الحادثة جعلتني أتمني إنهاء العشاء فوراً، حتي لا ينفجر الموقف وهو ما تم بعد ذلك لأن كل الملابسات أمامه كانت تقول إنني -رغم كوني مصرية- وأفتخر بذلك وأنني مسلمة كما أجبته إلا أنني كما يري علي العكس لست إرهابية أو متطرفة والدليل قبولي دعوته بمنزله ومغادرة زوجته بعد أن رحبت بي بعد وقبل العشاء بحجة أن لديها موعداً سابقاً.
تذكرت هذه الواقعة وأنا أنظر بألم ودهشة إلي المذبحة التي تمت لزملاء في المهنة داخل صحيفة شارلي ابدو الفرنسية الساخرة.
لأن أكثر ما يؤلم في هذه المذبحة أنها أنهت حياة 12مواطناً بريئاً وأن أغلبهم صحفيون ينتمون إلي المهنة التي أعتز بها ومنهم عدد من ذوي الأصول العربية ومسلمون كذلك وبالتالي يمكن لهذه الحادثة كما رويت في المقدمة أن تؤثر علي أحوال ما يقرب من 15مليون شخص من أصول عربية الأغلبية منهم من المسلمين يعيشون في مختلف الدول الأوربية وعلي رأسها فرنسا التي تضم وحدها ما يقرب من 5 ملايين شخص.
ولكن من ناحية أخري هذه المذبحة البشعة ربما تساهم في رفع النقاب وتوضح للرأي العام الغربي تحديداً عن الدور السيئ الذي لعبته بعض الدول الكبري وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في دعم وميلاد وخروج هذه التنظيمات الإرهابية إلي الوجود بدءاً من تنظيم القاعدة والذي بدأ بمواجهة الخطر الشيوعي- السوفيتي ثم ما لبث أن تحول إلي أكبر فجيعة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بقتل الآلاف في 11 سبتمبر 2001 .
والآن يطل الابن الشرعي للقاعدة تحت مسمي داعش ونري ما يحدث منها في سوريا والعراق ثم ليبيا، وأخيراً بدأ ينتقل إلي أوربا نفسها ليضرب أكثر الدول في محاربة للفكر المتطرف داخل أوربا ولا تنس أن فرنسا ووزير دفاعها هم أكثر من يطالبون الآن وقبل المذبحة البشعة بضرورة مواجهة داعش ومحاربتها في ليبيا التي أصبحت وكراً لعديد من القوي الإرهابية.
ولا ننسي أن فرنسا أيضا كانت من أوائل الدول الأوربية التي حافظت علي قيم العلمانية بها وأصدرت القوانين التي تجرم التمييز وتحرم ارتداء الزي الديني كمختلف أصحاب الديانات كما أن الحرية السياسية والإعلامية التي تشهدها فرنسا هي الأكبر في كل دول أوربا.
وبالتالي فإن اختيار القاعدة ثم داعش لفرنسا تحديداً أصبح مفهوماً لدورها في نشر فكر العلمانية سواء لأصحاب الوطن الأصليين أو المهاجرين من أصول مختلفة.
وكذلك للدور الذي تحاول أن تلعبه فرنسا الآن في مجابهة الإرهاب في ليبيا.
لن نعيد أو نفصل في الكتابة عن دور اليمين المتطرف خاصة في الولايات المتحدة أو بعض الدول الأوربية في دعم هذه الكيانات المتطرفة التي أصبحت إرهابية بعد ذلك ووصلت إلي عقر دارهم ولكن نطالبهم الآن كما كنا نطالب مبكرا بأن تقف كل الدول وعلي رأسها الاتحاد الاوربي في مواجهة الإرهاب واعتباره خطراً عالمياً يهدد الآن مختلف الدول وليس خطراً فقط يهدد مجموعة من الدول التي تدين بالإسلام ولديها مشاكل الفقر والجهل والمرض وغياب الحرية.
لأن الإرهاب عندما ضرب فرنسا، وهي ليس بها جهل أو أمية أو ليس بها ديمقراطية بل علي العكس تماماً فمستوي التعليم في فرنسا في المرتبة الثانية أوربياً بعد ألمانيا وكذلك الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان إذن مواجهة الإرهاب وعصابته وتنظيماته وتمويله أصبح قضية عالمية يحب العمل علي مواجهتها بحملة عالمية تماماً مثلما حدث لمواجهة النازية والعنصرية قبل ذلك.
ولكن هنا يجب أن نتوقف جميعاً لندعم فكرة أن ما يحدث هو إرهاب عالمي وليس له علاقة بالدين الإسلامي أو بجنسيات محددة هم العرب.. لأن أكثر المتضررين من الإرهاب منذ تم دعم مؤسساته وتنظيماته منذ أواخر السبعينيات كان المسلمون أولاً ثم العرب ثانياً، وبالتالي فليس هناك محل من الاعراب لوضع جميع المسلمين والعرب في سلة واحدة باعتبارهم منبع الإرهاب وإلا لأعتبرنا كل ألماني، نازياً بالضرورة في إشارة لما حدث من هتلر .
لأن في ذلك سيكون الخطأ الثاني القاتل للغرب والذي كان بدايته بدعمهم لهذه التنظيمات الإرهابية من أجل مصالحهم كما حدث في أفغانستان قبل ذلك والآن يتكرر في سوريا والعراق.. وها هو الإرهاب يذهب إليهم.
أحسب أن مذبحة باريس بالتأكيد مقصودة ومخطط لها المعلومات تشير إلي أن هناك ما يقرب من 15 الف جهادي من أصول عربية ينتظمون داخل صفوف داعش والقاعدة وهؤلاء بالضرورة يمكن أن يمثلوا خطراً داهماً علي الجميع في أوربا والدول المتقدمة تماماً مثلما يمثلون لدينا خطراً شديداً في سيناء وليبيا وسوريا والعراق.
وأن التخطيط لاختيار فرنسا مقصود تماماً سواء لموقفها في مواجهة المتطرفين في ليبيا أو لعدد المسلمين بها أو للقيم العلمانية التي تميز فرنسا عن كل الدول الأوربية الأخري.
وبالتالي فإن المذبحة يجب أن توقظ الجميع من غفوته لمحاربة خطر عالمي جديد اسمه الإرهاب وليس الإسلام أو العرب تماماً مثلما وقفت أوربا ضد النازية والعنصرية.
ولكن الخطر ألا يتم استيعاب ذلك المخطط، بل وإن يضع العرب والمسلمين في هذه الدول الأوربية كإرهابيين محتملين إلي أن يقضي الله امراً كان مفعولاً.
لأن تأجيج مشاعر العداء والكراهية والانتقام لن يحل معركة الإرهاب أو يقضي علي الإرهابيين بل الخوف أن ينتج المزيد منها داخل هذه الدول التي تعاني من مشاكل داخلية أيضاً وفي النهاية لن يستفيد من ذلك إلا الإرهابيون والعنصريون علي مستوي العالم كله.
تبقي كلمة أخيرة أن مصر كانت من أوائل من حاربت الإرهاب الذي طال الصحفيين والمفكرين مثلما حدث في محاولات اغتيال مكرم محمد أحمد ونجيب محفوظ ونجحت مع فرج فودة.
وإن جيشنا العظيم يواجه الآن حرباً حقيقية ضد قوي الإرهاب وضد الإخوان المسلمين في سيناء، وإن هؤلاء تحديداً يضربون يومياً أفراداً من الشعب المصري بكل طوائفه المسيحي والمسلم، بالتالي نحن ذقنا من هذا الإرهاب ونعايشه ونعرف حجم مخاطره علي القيم الإنسانية فهل آن الأوان لندرك أن الإرهاب لا دين له تماماً مثل النازية والعنصرية لا تسجل باسم شعب بأكمله أو دين محدد.