أنا لست شارلي إبدو

19/01/2015 - 9:56:39

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - طارق سعدالدين

أنا أدين مجزرة مجلة «شارلي إبدو» الفرنسية التي راح ضحيتها 12 شخصاً عندما اقتحم مسلحون مقرها أثناء اجتماع مجلس تحريرها ليقتلوا رئيس التحرير والمحررين ورسامي الكاريكاتير عقاباً لهم علي نشر الصحيفة رسوماً كاريكاتيرية اعتبرها المهاجمون مساساً برسولهم وديانتهم الإسلامية. فيما اعتبرها الضحايا نوعاً من حرية التعبير التي يكفلها الدستور والقانون الفرنسيان وسائر الدساتير والقوانين في دول أوربا والغرب عموماً.


كان الحادث هو الأعنف والأكثر دموية ولكنه لم يكن هو الأول الذي ينجم علي خلفية الإساءة لرموز ومقدسات إسلامية في الغرب. فقد سبق وقتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ في 2 نوفمبر 2004 علي يد الهولندي من أصل المغربي محمد بويري علي خلفية فيلم قصير أنتجه وأخرجه ويظهر فيه آيات من القرآن الكريم مكتوبة علي أجساد النساء العاريات دلالة علي استعباد النساء في الإسلام.


انتفض العالم الإسلامي كله عام 2005وهوجمت سفارات غربية وذلك بسبب نشر صحيفة يولاندس بوست الدنماركية 12 صورة مسيئة للرسول الكريم وهي تصوره في شكل إرهابي. وقد راح ضحية المظاهرات المنددة بهذه الرسوم أكثر من 500 شخص في عدة دول. وقد قامت 22 صحيفة غربية بإعادة نشر هذه الرسوم تضامناً مع الصحيفة الدنماركية. انتصاراً لحرية التعبير- من وجهة النظر الغربية- وكانت من بينها صحفية «شارلي إبدو» والتي أعادت هذا النشر مرات كثيرة علي مدي السنوات السابقة.


الغرب لم يتعلم من تجاربه في الإساءات المتكررة للإسلام ومقدساته. الغرب يري أن المساس بالدين الإسلامي ونبيه ورموزه شيء عادي وطبيعي في ظل حرية التعبير كقيمة كبري مهمة وأساسية تتيح مناقشة ونقد كل شيء في المجتمع بغية تطوره وتقدمه. ونحن في العالم الإسلامي نري في ذلك تطاولاً علي ديننا. وتصدير صورة نمطية عن المسلمين كإرهابيين مما يعد تحريضاً وبثاً للكراهية والعنصرية ضدنا.


كما يشعر المسلمون بالمعايير المزدوجة التي يعاملون بها ويرون أن حرية التعبير ليست بالقداسة التي يتشدق بها الغرب عندما يكون الإسلام والمسلمون هم هدف التجاوزات. فالمستشارة الألمانية ميركل تكرم رسام الكاريكاتير صاحب الرسوم المسيئة للرسول. ويمنح سلمان رشدي صاحب رواية «آيات شيطانية» الحماية والرعاية البريطانية. وبينما تريدنا فرنسا أن نعلق جميعاً كمسلمين شعار «أنا شارلي» تضامناً مع ما تعرض له رسامو ومحررو المجلة التي تعمدت الإساءة لنبي الإسلام وكأن كل المسلمين متهمون وليس الإرهابيون المهاجمون فقط.


أما أن نفس المجلة «شارلي إبدو» فقد سبق وفصلت أحد رساميها في 2009 بحجة معاداته للسامية. كما أن كل ناشري ألمانيا وفرنسا رفضوا نشر مجموعة قصصية بعنوان «منطقة الأوهام» للكاتب البريطاني مارتن أميس وهي قصص خيالية حول المحرقة من وجهة نظر ثلاثة قادة في معسكر لإبادة النازية. رغم أن المؤلف كان أستاذًا في الكتابات الإبداعية في جامعة مانشستر. ورغم أن جريدة « ذي تايمز» صنفته كواحد من أعظم خمسين كاتبًا بريطانيا إلا أنهم وصفوا روايته بالتافهة ولم يجرؤ أحد علي نشرها.


أما رجل الدين البريطاني المطران ويليامسون فقد منعته أستراليا من دخول أراضيها لأنه وصف اليهود بأعداء المسيح. وقال إن ضحايا اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية 3 ملايين و200 ألف فقط وليسوا 6 ملايين كما يزعم اليهود فعلق بابا الفاتيكان السابق بندكتوس السادس عشر كل مهامه الأسقفية. كما طرد الرجل من الجمعيات الدينية التي ينتمي إليها.


أما الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه جارودي فتعرض للمحاكمة والإدانة وقاطعته كل الأوساط الأكاديمية والإعلامية بسبب كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» والذي يشكك فيه في المحرقة.


فحرية التعبير إذن في الغرب ليست مطلقة كما يقولون لنا عندما يتعلق الأمر بديننا ونبينا ومقدساتنا. فقد حوكم مغنّي الـ"راب" الفرنسي موسيو إر لأنه وصف فرنسا بالمومسة ولأنه قال إنه يريد أن يتبول علي نابليون. ومن أشد المفارقات طرافة في المعايير المزدوجة في قضية مجلة «شارلي إبدو» هي أن هذه الصحيفة نفسها ورثت صحيفة ساخرة أخري كان اسمها «هارا كيري» وقد أوقفت عن الصدور بسبب سخريتها من الزعيم الفرنسي شارل ديجول بعد وفاته.


الإساءة للأديان استغلها بعض الفنانين والكتاب ومخرجي السينما وحتي السياسيين اليمينيين المتطرفين في هولندا وفرنسا وألمانيا للشهرة وكسب المؤيدين ولتحقيق المكاسب المادية من زيادة توزيع المطبوعات والقائمة طويلة بطول أوربا وعرضها.


بعض الدول كأيرلندا وكندا أدركت خطورة الإساءة للأديان علي مجتمعاتها وعلي العالم كله فاعتبرته في قوانينها نوعاً من الاستفزاز العلني البعيد عن حرية التعبير ويوجب المحاكمة. لكن للأسف مازالت أغلب دول الغرب تري في الإسلام تهديداً. وتخشي من الأسلمة بسبب المهاجرين علي أراضيها مع تناقص أعداد سكانها بشكل طبيعي فزادت فيها عمليات الاعتداء علي المساجد والتمييز ضد المسلمين ونشطت فيها جماعات وأحزاب اليمين المتطرفة التي تقاوم المهاجرين عموماً والمسلمين خصوصاً. وقد ذهبت المصرية مروة الشربيني زوجة أحد طلبة الدكتوراة في ألمانيا ضحية لأحد هؤلاء المتطرفين.


كانت منظمة التعاون الإسلامي قد بدأت ومنذ عام 1989م في جهود دبلوماسية تتكرر كل عام من أجل إصدار قرار ملزم من الأمم المتحده بمنع ازدراء الدين الإسلامي نظراً لما يتسبب به من سقوط ضحايا بعد كل رسوم مسيئة للمقدسات الإسلامية أو إنتاج أفلام لنفس الغرض كالفيلم الأمريكي «براءة المسلمين» ولكن كل هذه الجهود كانت تصدم بالرفض الغربي.. وانتهي الأمر بإصدار قرار غير ملزم من الأمم المتحدة بمنع ازدراء كل الأديان عام 2011.


ساعتها طالب رئيس منظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو باحترام الثقافة الإسلامية بنفس قدر احترام الثقافة اليهودية ولكن أحداً لم يستمع له حتي أعلن الرجل توقف جهود منظمته عن حملتها بداية من عام 2012م.


تري كم سيسقط من ضحايا قبل أن يستمع الغرب لصوت العقل ويحترم المسلمين وإسلامهم المعتدل والعقلاني وحتي يقطع الطريق علي المتشددين والمتطرفين من الجانبين؟ نعم أنا أدين مجزرة مجلة «تشارلي إبدو» لكنني لست شارلي.