الذئاب المنفردة .. إرهاب يتربص بأوربا

19/01/2015 - 9:54:56

الاخوان كواشى الاخوان كواشى

كتب - د. گمال حبيب

 تواجه أوربا منذ صعود تنظيم " داعش " وسطوته وسيطرته علي مساحات كبيرة في سوريا والعراق مشكلة الشباب الأوربي المجذوب للذهاب إلي التنظيم، وفرنسا التي شهدت عمليتين إرهابيتين متوازيتين في قلب عاصمتها باريس، الأولي استهدفت صحيفة "شارلي إبدو "، والثانية استهدفت شرطية، ثم طوّر القاتل عمليته بعد ذلك باحتجاز رهائن في متجر يهودي، صورة الفيديو التي تم التقاطها للأخوين شريف وسعيد كواشي منفذي الهجوم علي الصحيفة الفرنسية أظهرتا بوضوح الثقة والتمكن والمهارة في تنفيذ العملية، وهو ما يعني أنهما تلقيا تدريبا عسكريا منظما علي مثل تلك العمليات .الصورة الأخري التي تم نشرها لمنفذ العملية الثانية " أمادي كوليبالي " وزوجته " حياة بومدين " تشير إلي أن الإرهاب القادم في أوربا أسبابه متصلة بمشاعر وعقائد ومعان يشعر بها المسلمون الشباب في فرنسا، فهم يشعرون بالظلم والتهميش والاضطهاد والتمييز،كما أنهم لا يتفهمون أن تقود حرية الرأي والتعبير العزيزة علي المجتمعات الأوربية إلي الإساءة لمعتقداتهم ومقدساتهم وعلي رأسها بالطبع نبي الإسلام " محمد " صلي الله عليه وسلم.
العملية استثمرها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب فأشاد بمنفذي الهجوم دون أن يتبناه، كما استثمرها تنظيم " داعش "، واعتبر أن المنفذين مدافعون عن المقدسات الإسلامية، بيد أن المؤكد أن من قاموا بالعملية نفذوها من تلقاء أنفسهم دون ارتباط واضح ومحدد بتنظيم معين، وإن كانت بالطبع لديهم أفكار عامة ومشاعر حقيقية حول الرغبة في الانتقام من مجتمع فقدوا الشعور بالكرامة داخله .
لدينا أخوان أعمارهما جاوزت الثلاثين، وهو ما يعني أنهما قد بلغوا مرحلة النضج وجاوزا مرحلة المراهقة والحساسية المتوترة التي يشعر بها المراهقون، والتي تجعلهم فريسة سهلة للعب علي عواطفهم وجذبهم نحو المشاركة في تلك التنظيمات، وكوليبالي هو الآخر جاوز الثلاثين، بينما زوجته حياة بومدين تخطت عتبة الخمسة وعشرين عاما، إذن نحن أمام شباب ولد في فرنسا وتأثر بما يجري في الشرق الأوسط خاصة مع صعود التنظيمات السلفية الجهادية، وسافر إلي تلك البلدان والتقي قيادات تلك التنظيمات وعاد لبلاده وهو معبأ بتلك الأفكار، وقرر توجيه عنفه وإرهابه لذلك المجتمع الذي اعتبر أنه يكيل بمكيالين وأنه لا يحترم عقائد المسلمين ومقدساتهم.
الصداقة والجيرة والأخوة والاشتراك في نفس العمر والمشاعر هي من جمعت هؤلاء الذئاب المنفردة علي قرار بمواجهة ذلك المجتمع وإحداث صدمة له لإعلان القول بأن هناك مشكلة لابد من الالتفات إليها وهي ضرورة احترام مشاعر وعقائد أكثر من 6 ملايين مسلم يعيشون في الجمهورية الفرنسية، وأن علي تقاليد الجمهورية أن تأخذ تلك المشاعر والعقائد في حسبانها وإلا فإنها ستواجه خطر تلك الذئاب المنفردة التي ستقرر وحدها بدون أن تكون مرتبطة بتنظيمات كبيرة أو حتي لديها أيديولوجيات واضحة مركبة - أن تقوم منفردة بعمليات مفاجئة وغير متوقعة ضد مجتمعاتها التي ولدت فيها وتربت ولكنها تشعر بالانفصال عنها والعزلة داخلها بسبب أن تلك المجتمعات لم تشعرها بالمواطنة الكاملة التي تعني احترام عقائدهم.
التقديرات تشير إلي أن فرنسا وحدها لديها أكثر من ألف شاب سافروا إلي تنظيم داعش في سوريا والعراق، وأن هؤلاء الشباب سوف يعودون إلي بلدانهم، وحال عودتهم فإنهم يمثلون خطرا علي تلك المجتمعات، خاصة أن التقديرات تشير إلي أن الذين مروا بتجربة العنف وتخلوا عنها فإنه من المحتمل عودة بعضهم علي الأقل ثلاثة من كل عشرة إلي ممارسة ذلك العنف.
ومن ثم فإن أوربا مواجهة باحتمالات إرهاب تمارسه الذئاب المنفردة بقرار مباشر من ذاتها بعيدا عن التنظيمات الكبيرة، خاصة أن تنظيم داعش " خاطب تلك الذئاب برسائل خاصة ليقوموا بتلك العمليات وحدهم وفق إمكاناتهم المحلية وبدون شبكات واسعة أو تنظيمات كبيرة لأن ذلك سيكون أنكي وأجدي في مواجهة الأمن والمراقبة والمخابرات وطرق التتبع والكشف، كما أن كل الدول الأوربية تقريبا تواجه ظاهرة الانجذاب لتنظيم داعش، فلا تخلو دولة من شباب يهاجرون من تلك الدول إلي ذلك التنظيم، ومن ثم فمخاطر العائدين إلي البلاد أو الذئاب المنفردة والخلايا النائمة قائمة وبقوة، وليس المشهد الذي عبّر عنه الإخوان " كواشي " سوي علامة أولية أو افتتاح لمشاهد قادمة لن تكون العمليتان اللتان جعلتا " باريس " تحت الحصار والخطر والصدمة لثلاثة أيام متتالية هما الأخيرتين.
القيم الأوربية المنحازة للإنسان تفرض احترام حقوق المسلمين في أوربا والذين يبلغون أكثر من خمسين مليوناً ولا تخلو دولة أوربية منهم، كما أن المسلمين المقيمين في تلك البلدان مطالبون باحترام نظمها وقوانينها، إرهاب الذئاب المنفردة الصادم والمروع لا يجب أن يفرض ما يريد علي الأوربيين بتبني نزعات اليمين المغالية، ولا علي المسلمين بالشعور بالارتياح تجاه تلك العمليات، إنه الإرهاب المدان الذي لا دين له ولا وطن، ويجب أن يقف الجميع كله في مواجهته لأنه ضد الحضارة والإنسان والعصر والعالم حتي لو رفع شعار دين عظيم هو الإسلام.