زيارة السيسي للكاتدرائية تقويض لدعاوي الذمية

19/01/2015 - 9:42:13

السيسى مهنئا الأقباط بعيد الميلاد من الكتدرائية و بجوارة البابا تواضرس السيسى مهنئا الأقباط بعيد الميلاد من الكتدرائية و بجوارة البابا تواضرس

كتب - د. ســــامـــح فــــوزي

أثارت الزيارة الخاطفة للرئيس عبدالفتاح السيسي للكاتدرائية في قداس عيد الميلاد المجيد شجونا كثيرة، بعضها كان مفرحا، سارا، مبهجا لدي قطاع عريض من المصريين مسلمين وأقباطا، وبعضها كان حزينا، مقبضا، مؤلما لدي التيار الإسلامي علي اختلاف أطيافه. هناك بالتأكيد خصومة بين الإخوان المسلمين وحلفائهم وبين النظام الحالي، وبالتحديد رئيس الجمهورية، وهو ما يجعلهم دوما في حالة هجوم عليه، ومحاولة تصيد أخطاء له، والتشهير الدائم به، ولكن في زيارة الكاتدرائية حدث تحالف بين هؤلاء الذين هم الآن "خارج الشرعية"، مع فريق آخر "داخل الشرعية"، أي السلفيين. ووجد هؤلاء وأولئك في زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية إما "مغازلة طائفية" أو "إثم ديني"، ولكن الفكرة الأساسية التي تهيمن عليهم جميعا، ولا يريدون النطق بها، هي "الذمية"- أي أن المسيحيين هم "أهل ذمة"، تنطبق عليهم القواعد التي تحكم علاقة المسلم بالذمي، ومن بينها عدم مشاركة المسلم الذمي في أعياده، أو ما وصفه عبدالمنعم الشحات- القيادة السلفية- من تحريم دخول المسلم علي المشرك في عيده، وهو أمر واضح في معناه ومبناه أن المسلمين هم فقط المواطنين، لهم حق علي رئيس الدولة المسلم، أما غير المسلمين فهم أهل ذمة. من هنا هال الإسلاميين، وأزعجهم، أن تكون هذه الزيارة تقويضا صريحا للذمية التي لا يريدون لها انقضاء.
الذمية والذمي
قدم العديد من الباحثين الإسلاميين في التسعينيات وما تلاها اجتهادات لفك الاشتباك بين المواطنة والذمية، ومن بينهم طارق البشري، ومحمد سليم العوا، وآخرون. وفي رأيهم أن الذمية نظام انقضي بنشوء الدولة الحديثة، التي ساهم في تحرير أراضيها من المحتل الأجنبي كل أبنائها مسلمين وغير مسلمين، وعليه يكون من حقهم جميعا المشاركة في الحكم علي قدم المساواة، ولم يعد للمسلم رخصة حماية "الذمي" مقابل المال، لأن المسلم وغير المسلم حمل السلاح، وناضل من أجل وطنه الذي صار لكل أبنائه. هذا الاجتهاد جاء في التسيعينيات من القرن العشرين التي شهدت الحديث الصحفي الشهير الذي أدلي به مصطفي مشهور مرشد الإخوان المسلمين الأسبق، والذي قال فيه إن الأقباط هم أهل ذمة، ويجب عدم اشراكهم في الخدمة العسكرية. ورغم أن مشهور نفي هذا الحديث، والصحفي الذي أجراه أصر علي امتلاكه تسجيلا له، إلا أن باب الحديث عن الذمية لم ينقطع، ولاسيما أن من وقت لآخر يستيقظ طرف إسلامي للحديث عنه، ويخرج آخر لنفيه، وهكذا.
الذمية المعدلة
هذا التعبير هو من انتاج الراحل الدكتور وليم سليمان قلادة، الذي رأي أن هناك من يريد ذمية معدلة، وليس إلغاء الذمية، والركون إلي مبدأ المواطنة. هذا ما كان يريده الإسلاميون: أقباط أهل ذمة. بالطبع ليس كلهم، ولكن فريقا رئيسا منهم سار في هذا المسار، وكان لهم تأثير واضح في إدراكات رئيس الجمهورية الأسبق محمد مرسي خلال العام الذي أمضاه في الحكم.
التيار الإسلامي علي عمومه يقول بمواطنة الأقباط، ولكنه ينظر إليهم نظرة مستبطنة علي أنهم "رهائن" له، أو هم فئة مستضعفة تحت حمايته. من هنا كان يقلقهم بشدة أن يخرج الأقباط في تظاهرات أو يعلنوا معارضة صريحة لحكم الإخوان المسلمين، لأن الإدراك المستبطن لهم "أهل ذمة". ألم يصرح قادة الإخوان المسليمن أن الأقباط كانوا غالبية في أحداث الاتحادية والمقطم، ماذا يعني ذلك؟ المراد منه أن المعادلة اختلت، وشق القبطي عصا الطاعة، في حين أنهم لم يشيروا إلي المسلمين المشاركين في هذه الأحداث بأوصاف دينية فهم في رأيهم "معارضة" أو "بلطجية" أو "مأجورين" الخ.
في الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2011 لم يرشح السلفيون قبطيا واحدا، وقالوا إن المسألة "عقيدية"، ولم يرشح الإخوان المسلمون وحلفاؤهم سوي عددا محدودا من الأقباط، من منطلق أنهم يريدون الولاء المطلق من جانب الأقباط لهم، شرطا لدخولهم الحياة السياسية.
وعندما وصل محمد مرسي إلي سدة الحكم، كان واضحا أن لديه مشكلة مع الأقباط. لم ينتخبه الأقباط، وهو ما أزعج التيار الإسلامي، لكنهم لم يسألوا أنفسهم ماذا عن المسلمين الذين لم ينتخبوه؟ فكر مرسي في تعيين نائب قبطي له، فخرج عليه قطاع من السلفيين، علي رأسهم محمد عبد المقصود يقول له لا تفعل ذلك، انطلاقا من كون ذلك ولاية من الذمي علي المسلم، فاكتفي بتعيين مساعد قبطي له ضمن أربعة آخرين، ما لبث أن استقال بعد أشهر علي خلفية الإعلان الدستوري الشهير في نوفمبر 2012م. هناك من قدم النصائح للرئيس الجديد وقتئذ محمد مرسي بالانفتاح علي الأقباط: ومنها علي سبيل المثال المشاركة في تنصيب البطريرك الجديد في نوفمبر 2012م، أو الذهاب إلي الكاتدرائية في أي مناسبة أو زيارة مؤسسة أو دير أو مكان له لافتة مسيحية فقط لإشعار المسيحيين بأنهم شركاء في الوطن، ولهم حقوق المواطنة كاملة، لكنه لم يفعل. في عهده لم تكن هناك سوي "وزيرة" قبطية في وزارة هامشية في حكومة "هشام قنديل". النصائح التي أسديت للرئيس محمد مرسي ذهبت سدي لأن هناك من نصحه أو بالأحري منعه أن يتخذ أي تحرك غير مسبوق تجاه الأقباط انطلاقا من منطلقات وصفت بانها "عقيدية"- وفي مقدمتها مبدأ الذمية المستبطن في ثنايا هذا التيار، والذي يجعل نظرته للمسيحيين غير صافية، وبالطبع يبادله المسيحيون نفس النظرة، وكان ينتظر من رئيس الجمهورية "الإسلامي" كسر هذه الحواجز باجراءات تتناسب مع كونه رئيسا "إسلاميا" منتخبا بعد ثورة، لكنه لم يفعل. والأكثر من هذا تعرضت الكاتدرائية في عهده إلي اعتداء لساعات بالمولوتوف والحجارة. لم يذهب الرئيس إلي الكاتدرائية، وسمح بأن تكون تحت مرمي الاعتداء.
كسر الذمية
رؤساء الجمهورية السابقين لم يكونوا محسوبين علي التيار الإسلامي، لكنهم كانت لهم حسابات معقدة في العلاقة معه. وصفها كاتب إسلامي بأنهم كانوا يريدون إرضاء الأقباط بمشاركة محدودة في احتفالاتهم الدينية، دون أن يتسبب ذلك في استفزاز مشاعر الأغلبية المسلمة، وهي المشاعر التي أسهم التيار الإسلامي في تغيير مراميها علي مدار سنوات تجاه المسيحيين.
حاول مبارك، بما امتلك من رتابة بيروقراطية في التعامل مع الأمور، أن يكسر حاجز العلاقة مع الأقباط، سواء بالسماح بنقل قداس العيد علي الهواء مباشرة، بعد أن كان يعرض لمدة نصف ساعة مسجلا في اليوم التالي، ثم خطا خطوة أخري بجعل عيد الميلاد عطلة رسمية، ثم تطورت العلاقة باجراء مكالمة تليفونية مع البابا شنودة عشية العيد لتهنئته، وهو ما يتمشي مع تصوراته العامة في اختزال الأقباط في شخص رأس الكنيسة، وبالتالي العلاقة بين دولة اختزلت في شخص رئيس، وكنيسة اختزلت في البطريرك هي العلاقة.
يحسب للمستشار عدلي منصور الرئيس السابق كسر حاجز الذمية بالذهاب إلي الكاتدرائية في عيد الميلاد عام 2013م لتهنئة البابا تواضروس، خاصة بعد أعقاب الاعتداء المذهل علي الأقباط كنائس وأفرادا ومنشآت في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013م.
في هذا العام، قداس عيد الميلاد 2015م، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاطفة إلي الكاتدرائية وقت صلاة العيد، والحديث لدقائق معدودات عن "المصريين" دون إيلاء التمايز الديني بينهم اعتبار هو "كسر عملي" و"تقويض صريح" للذمية، وتأكيد علي أن الأقباط والمسلمين معا مصريون، دون تفرقة بينهم.
هذا هو الدرس المستفاد، والعبرة المستخلصة من هذه الزيارة - من وجهة نظري- هو إنهاء مباشر لفكرة الذمية، وتأكيد علي مبدأ المساواة الكاملة، التي لم يستطع الرؤساء الذين سبقوه القيام بها، وانصاعوا لأوهام صنعها مروجو "الذمية"، ومن شايعهم في أجهزة الدولة.