شكل البرلمان القادم

19/01/2015 - 9:31:15

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

عشرة أشهر ويصبح لدينا برلمان جديد.. فقد أعلنت اللجنة القضائية المشرفة علي الانتخابات البرلمانية مواعيد إجراء هذه الانتخابات وباق فقط أن تعلن عن موعد فتح باب الترشح لها.. وقد تعددت وتنوعت الاجتهادات التي اختلف أصحابها في توقعاتهم بخصوص شكل البرلمان الجديد الذي ننتظره.. فمنهم من توقع اختراقاً لمن يسمونهم الفلول أي أعضاء الحزب الوطني المنحل لهذا البرلمان.. ومنهم من توقع تمثيلاً ليس محدوداً لتيار الإسلام السياسي والأحزاب الدينية الموجودة في بلادنا، خاصة السلفييين سواء المنضوين تحت لواء حزب النور أو الذين يغردون خارجه.. بل منهم أيضاً من توقع مشاركة الإخوان في هذه الانتخابات البرلمانية القادمة بأسماء مرشحين غير معروف انتماؤهم لجماعتهم حتي يحافظوا علي تواجد لهم في البرلمان الجديد يتيح لهم المطالبة بالعودة مجدداً مستقبلاً إلي ساحة العمل السياسي في البلاد.
لكن رغم هذا الاختلاف والتباين والتعدد والتنوع في التوقعات فإن كل أصحابها اتفقوا في أمر واحد فقط وهو أن البرلمان القادم لن يكون في مستوي طموحاتنا بعد 30 يونيه، نظراً لصعوبة أن تحظي قوة سياسية أو حزب سياسي أو حتي ائتلاف من مجموعة أحزاب وحركات سياسية بالأغلبية في البرلمان الجديد، ونظراً أيضاً لأن ثمة توقعاً موحداً بينهم بأن هذا البرلمان الجديد سوف يكون هو برلمان المستقلين، أي أن نسبة الأغلبية سوف تكون لمستقلين وليس لحزب أو ائتلاف سياسي، مما سيجعل علاقة البرلمان بالسلطة التنفيذية وعلي رأسها رئيس الجمهورية صعبة، بل إن ذلك سيضفي الصعوبة ذاتها علي عمل البرلمان ذاته، خاصة وأنه سوف يبدأ نشاطه باختيار رئيسه والوكيلين فضلاً عن رؤساء ووكلاء اللجان البرلمانية المختلفة، وهو أمر يحتاج لحد أدني من التوافق وليس التشتت والتفرق والتشرذم الذي سيكون طابع البرلمان الجديد كما تذهب توقعات كل المحللين، رغم التباين في تحليلاتهم لشكل هذا البرلمان.
وعموماً ورغم أن اللجنة القضائية المشرفة علي الانتخابات أعلنت مواعيد الانتخابات البرلمانية ، ولم يتبق سوي عشرة أسابيع فقط ويتشكل بالانتخابات هذا البرلمان الجديد، إلا أنه من المبكر حتي الآن تحديد توقعات وتنبؤات علي قدر مناسب من الدقة حول شكل وطبيعة وتكوين هذا البرلمان الجديد.. فإن خريطة المرشحين سواء في القوائم الانتخابية أو بالنظام الفردي لم تتبين بعد ليس فقط لأن اللجنة القضائية لم تحدد حتي الآن موعد فتح باب الترشح، وإنما لأن الأحزاب والائتلافات السياسية لم تفرغ هي الأخري من تحديد مرشحيها الذين سوف تتقدم بهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة.. بل إن هناك شخصيات عديدة لم تحسم أمر ترشحها حتي كمستقلين في هذه الانتخابات، ومازالت حتي الآن الساحة الانتخابية غير واضحة ، وهناك أيضاً من ينتظر ما سوف تسفر عنه محاولات الأحزاب والائتلافات في تشكيل قوائمها الانتخابية حتي يتخذ قراره بالترشح إذا ما وجد فرصة للالتحاق متأخراً بأحزاب وائتلافات أخري أو ربما الترشح مستقلاً.
وهكذا كل التحليلات والاجتهادات والتوقعات التي يتم تداولها منذ أشهر وليس أسابيع فقط حول شكل وتكوين البرلمان الجديد لاتستند إلي معلومات كافية، لذلك هي لا تتجاوز الانطباعات الشخصية وليست التحليلات العلمية لأن أصحابها أشبه بمن يتحسس طريقه وهو ممسك بشمعة صغيرة في غرفة يسودها الظلام، رغم أن بعض الأحزاب بدأت المعركة الانتخابية مبكراً بالدعاية والترويج لنفسها، وذات الشيء فعلته شخصيات ستخوض الانتخابات بالنظام الفردي.
ولذلك.. فإننا في هذا الوقت وقبل أن تتضح معالم خريطة المرشحين يمكننا فقط أن نرصد مجموعة من العوامل التي سوف يكون لها تأثيرها في المعركة الانتخابية البرلمانية المقبلة والتي تحدد لنا موعدها، وبالتالي سيكون لها تأثيرها بالتبعية في شكل وتكوين البرلمان الجديد.
وعلي رأس هذه العوامل يأتي عامل المال.. وللعلم عامل المال هو في كل المعارك الانتخابية خارج مصر - سواء برلمانية أو رئاسية - له دوره دائماً.. أما عندنا في مصر فإن هذا العامل له تأثيره أيضاً طوال التاريخ سواء قبل 1952 أو ما بعدها حتي في ظل الحزب الواحد.. بل حتي حزب السلطة في السنوات التي سبقت 25 يناير، وهو الحزب الوطني المنحل، كان في بعض الأحيان يختار ضمن قوائم مرشحيه من يقدم للحزب تبرعات مالية مقابل ضمه لهذه القوائم.. وما حدث في 25 يناير و30 يونيه لا يلغي تأثير عامل المال.. فمازال المال يلعب دوراً أساسياً في الانتخابات البرلمانية حتي الآن، رغم أن القانون يلزم اللجنة القضائية بتحديد الحد الأقصي للإنفاق علي الدعاية الانتخابية ويلزم المرشح بعدم تجاوزه.
وربما يكون الذي تغير فقط بعد 30 يونيه الطريقة التي سوف ينفق بها المال في الانتخابات البرلمانية المقبلة.. فنحن لن نشاهد توزيع السلع الغذائية من زيت وسكر وبطاطس كما كان يفعل الإخوان دوماً من قبل، أو كما حاول الحزب الوطني المنحل محاكاتهم في الانتخابات البرلمانية عام 2010، وإنما سوف نشاهد صوراً أخري لإنفاق المال في المعركة الانتخابية ومن أجل جذب أصوات الناخبين، مثل الإنفاق علي تمويل خدمات يحتاجها الناخبون في الدوائر الانتخابية، مثل التبرع لبناء مدارس أو مساجد أو شق طرق أو عيادات ومستشفيات خاصة في تلك الدوائر الانتخابية التي يوجد في إطارها قري فقيرة أو أحياء شعبية ومناطق عشوائية في المدن.. كما سوف ينفق المال أيضاً علي تسهيل وصول الناخبين إلي مقار اللجان الانتخابية للإدلاء بأصواتهم ثم العودة إلي قراهم أو مناطقهم السكنية مرة أخري.
وهنا يمكننا استنتاج أن المرشحين الأكثر قدرة علي إنفاق مزيد من المال ستكون حظوظهم في هذه الانتخابات أوفر وأفضل.. أي أن البرلمان القادم سوف يدخله الأغني أو من يجد حزباً وائتلافاً قادراً علي دعمه بما لديه من أموال.. إذن فإن فرصة المرشحين والأحزاب الأقوي مالياً والتي يتوفر لديها ما يكفي من أموال لإنفاقه علي مرشحيها ستكون أفضل في الانتخابات المقبلة.
وهكذا دور المال في الانتخابات المقبلة هو دور مهم ومؤثر.. ومثله سوف يكون دور العائلات والقبائل في هذه الانتخابات.. ولا نقول ذلك مثلما يردد البعض بشكل تلقائي لأن 80% من تشكيل البرلمان الجديد يتم من خلال الانتخابات بالنظام الفردي.. وإنما نقول ذلك لأن العائلات كان لها دورها وتأثيرها أيضاً في الانتخابات التي تجري بنظام القوائم.. ولو راجع السادة المحللون الذين يلقبون أنفسهم بالخبراء فسوف يكتشفون أن الإخوان ومن بعدهم السلفيون اكتسحوا الانتخابات بالقائمة مثلما فعلوا ذلك في الانتخابات التي جرت عام 2012 بالنظام الفردي، بل لعل نتائجهم في انتخابات القائمة كانت أفضل من الفردي.. وحدث ذلك لأن الإخوان وأيضاً السلفيين اهتموا بوضع واحد أو أكثر أحياناً من أبناء العائلات الكبيرة ذات النفوذ الانتخابي ومن قبل الاجتماعي علي قوائمهم الانتخابية واستكملوا هذه القوائم من أتباعهم وأعضائهم أي أنهم تستروا وراء العائلات لحصد العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية.
ولأن العائلات والقبائل والعواقل مازال لها دور ونفوذ وتأثير اجتماعي في أنحاء عديدة من البلاد، خاصة الصعيد وريف وجه بحري وسيناء ومطروح، فإننا لن نستطيع إغفال تأثيرها المباشر في الانتخابات البرلمانية المقبلة.. فهذه العائلات تحرص علي أن يكون لها من يمثلها بين أبنائها في البرلمان حفاظاً علي مصالحها.. وسوف يظل دور العائلات والقبائل مؤثراً في كل انتخابات خاصة البرلمانية والمحليات في بلادنا مادامت الحياة الحزبية لدينا ضعيفة، أو مادامت أحزابنا لم تتجاوز قوتها قوة العائلات.. والقبائل، وأيضاً مادامت التغيرات الاجتماعية لاترقي إلي درجة تهميش دور العائلات والقبائل في ظل تشكيل فئات اجتماعية وطبقات واضحة المعالم لها تنظيماتها وأحزابها التي تحافظ علي مصالحها.
وتأسيساً علي ذلك يجب أن تتوقع وجود ممثلين للعائلات والقبائل الكبيرة، خاصة في الصعيد وريف وجه بحري وسيناء ومطروح - داخل البرلمان الجديد.. ربما لا يكونون ذات الممثلين السابقين الذين كانوا موجودين في برلمان 2010، أو برلمان 2012، وربما يكونون هم ذات الشخصيات البرلمانية السابقة، لكن المؤكد أن هذه العائلات والقبائل سوف تكون ممثلة في برلماننا الجديد.. ولعل هذا ما يفسر صراع عدد من الأحزاب والقوي السياسية والائتلافات، خاصة الوفد وحزب الأحرار المصريين والجبهة، للفوز بضم ممثلي هذه العائلات والقبائل إلي لوائح مرشحيها، سواء بالنظام الفردي أو القوائم.
يبقي بعد ذلك تأثير عامل مهم ظهر بوضوح في انتخابات 2012، وهو التصويت العقابي، أي توجيه الناخبين أصواتهم إلي مرشحين وأحزاب وائتلافات ليس حباً فيها وإنما كره في مرشحين آخرين وأحزاب وائتلافات أخري أو لعقابها.. فالذين صوتوا للإخوان كان بعضهم يعاقب القوي التقليدية التي كانت تحظي بمقاعد البرلمان في عهد مبارك، مثلما كان أيضاً يجرب تياراً جديداً أملاً في أن يراعي الله فيهم وذلك علي اعتبار أن الإخوان كما كانوا يقدمون أنفسهم للناخبين هم «بتوع ربنا».
والآن وبعد 30 يونيه وافتضاح حقيقة الإخوان وانكشاف ما يضمرونه من شر لبلادهم وأهلها لم يعد لعامل التصويت العقابي دور أو تأثير اللهم إلا إذا كان له تأثير معاكس في اتجاه الإخوان، ولذلك فإن الإخوان الذين قد يشاركون في هذه الانتخابات البرلمانية المقبلة ترشحاً ، لن يجاهروا بانتمائهم للجماعة وسوف يحرصون علي إخفاء حقيقتهم.. ويضاف إلي ذلك أن جميع المتنافسين لا يرتبطون بالسلطة حتي يتم التصويت ضد أحد منهم، بمن فيهم الذين سوف تشملهم تلك القائمة التي يعكف منذ وقت طويل علي إعدادها وتكوينها د. كمال الجنزوري، لأن مؤسسة الرئاسة سبق وأن أعلنت انتفاء أية علاقة لها بهذه القائمة وبمن تضمهم، كما أن الجنزوري سبق وأن أعلن أنها اجتهاد شخصي له لا علاقة له بموقعه كمستشار لرئيس الجمهورية، وإن كان هذا الموقع تحديداً كان سبب مؤاخذة له لقيامه بذلك.. وحتي ولو افترضنا جدلاً أن هناك قائمة «120 نائباً» يشير إليها البعض أنها سوف تكون ظهيراً سياسياً لرئيس الجمهورية داخل البرلمان الجديد، فإن الناخبين الذين مازالوا يمنحون ثقتهم للرئيس لايوجد لديهم واعز بالتالي للتصويت الانتقامي ضد هذه القائمة.
وهكذا التأثير فقط في الانتخابات البرلمانية القادمة سوف يكون أكبر لعاملي المال ودور العائلات والقبائل، ولا يلغي ذلك بالطبع تأثير عوامل أخري مثل أسماء المرشحين وشخصياتهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية وسمعتهم ومدي قربهم أو بعدهم لناخبي دوائرهم وأيضاً الطريقة التي ستدار بها الدعاية الانتخابية للمرشحين.. لكن سيبقي التأثير الأكبر للمال وللعائلات والقبائل في هذه الانتخابات التي ستبدأ مع أول أيام الربيع القادم.
وهنا من سوف يستثمر عنصري المال والعائلات والقبائل أفضل من غيره سوف يحرز نتيجة أفضل في هذا الشأن.. والقوي أو الأحزاب والائتلافات الأكثر قدرة علي استثمار المال والعائلات في الانتخابات هي ثلاثة: حزب المصريين الأحرار وحزب الوفد وائتلاف الجبهة وبدون ترتيب، لذلك هي التكوينات الثلاثة التي سوف تتنافس للحصول علي الأكثرية - ولا نقول الأغلبية - في البرلمان القادم.. وهذا التنافس هو الذي سيفرض نفسه علي شكل وتكوين البرلمان القادم، خاصة أن التكوينات الثلاثة يجمعها سياسياً الطابع المدني، ولا يفرق بينها اقتصادياً بشكل واضح تبني حزب المصريين الأحرار سياسة اقتصاد السوق وفي تبني الجبهة مبدأ العدالة الاجتماعية.