تحالف الفساد والجهل يعنى هروب الديمقراطية

19/06/2014 - 2:30:32

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : أمل مبروك

تجبرنا الحياة أن نقبل بالصراع ونتعامل معه، لأن الانسحاب والعزلة رغم أنهما الأكثر راحة إلا أنهما لا يصنعان حياة، فالخراب كما الموت لهما رائحة تميزها الأنوف وتدركها الأبصار وتسمع صفيرها الآذان.. مثلما للعمار والحياة رائحتهما أيضا، ولا يدرك الرائحتين إلا من عرف أبعاد المكان وأعماق الزمان وتدربت حواسه على التقاط الإشارات الدقيقة الصادرة من كل الكائنات الحية والجماد.. ويكفينى هنا أن أستشهد برائحة التراب إذا هطل عليه المطر، وبتمايل أعواد البرسيم الخضراء إذا هبت عليها نسائم الهواء، وفى المقابل رائحة الأرض العطشى بشقوقها التى تبتلع الأقدام أو تطلق الأفاعى والفئران!!


وأكبر صراع نواجهه الآن هو الفساد الذى استوطن في بلادنا وانتشر كالسرطان، ممتداً من القمة إلى أن أخذ يفتك خلايا المجتمع برمته.. عندما تحول إلى ثقافة، وانطلق من التعريف البسيط للفساد الذى هو تسخير المنصب العام من أجل الحصول على مصلحة أو منفعة خاصة، يحميه الاستبداد والقمع، ويحميه الجهل والتخلف، وإعادة إنتاجهما ليحافظ على استمراره، وامتد ليشمل المحرمات من القضاء إلي الحرم الدينى، حتى وصل الحرم الجامعى والحرم العائلى، وأصبح شكلا خاصا مميزا لوجودنا الاجتماعى!!



توجيه التهمة للمعارضين


لقد أثبتت التجارب إن مفعول محاربة الفساد يبقى قاصرا ومحدود النتائج، إذا لم يتم القضاء على الأسباب التى تؤدى إليه الفساد، وأهمها محاسبة الفاسدين وفضح ملفاتهم.. فهذه المسألة على درجة كبيرة من الأهمية، لأنها تعبر عن نضج الوضع السياسى للدولة وضعف تسلطها وسعيها لاستقلال القضاء، أما عندما تكون السلطة مستبدة فإنها تستخدم محاربة الفساد كسلاح لتوطيد سلطتها ومحاربة أعدائها، حيث تقوم بتوجيه تهمة الفساد لبعض المعارضين لها فى السلطة، وكأنها ترد شبهة اتهامها هى به، محاولة منها للظهور بمظهر الساعى لتلبية رغبات الجماهير، أو فى سعيها المزعوم للتطوير والتحديث، يتم ذلك بشكل انتقائى وجزئى، وغالبا ما تعانى هذه الدول من عدم إحالة قضايا الفساد للقضاء، والسبب في ذلك هو أولا : اتساع هذه الظاهرة، وثانيا: أنها تمس الكثيرين من أصحاب القرار والمناصب الهامة فى الدولة، لذلك دائما تطوى هذه الملفات، أو تكتفى بمعاقبة صغار الفاسدين!!

إن مفهوم الفساد يكمن أولا وقبل كل شىء فى سلوك الحكام والمسئولين المسيطرين على القرار الاقتصادى والسياسى، الذين انحرفوا كليا عن الأخلاق والمعايير الوطنية، فى سبيل خدمة مصالحهم الشخصية البحتة، عبر نهب ثروات بلادهم أثناء وجودهم في السلطة.
إذن الفساد يرتبط ارتباطا وثيقا بالصراع من أجل إعادة إنتاج السلطة، والسيطرة بالتالى على الثروة، بالإضافة إلى غياب المؤسسات الفاعلة التى تمارس دور الرقابة والمحاسبة.


شروط وإشارات


إن المعادلة بسيطة وواضحة فحيثما وجدت الفساد يصول ويجول ويجلب بخيله ورجله على الناس دون أن يستطيع أحد ردعه ، فاعلم أنه لا ديمقراطية فى هذا المجتمع، وافتقاد الديمقراطية يعنى بالضرورة وجود استبداد، ولا يغرنكم أحد بشعارات مزيفة من قبيل التحول الديموقراطى والانتقال الديموقراطى، فلكل منهما شروط و إشارات، والذين يخوضون معارك حامية ضد الفساد بكل أنواعه دون أن يعمدوا إلى أصله وجذوره فيقطعونها أو يحاولون ذلك على الأقل، إنما يضيعون جهودهم فى معارك خاسرة مسبقا، ولن تلبث حروبهم الدونكيشوتية ضد طواحين الهواء الجبارة أن تعود عليهم بالخسران، والأسوأ من ذلك كله أنهم يقدمون خدمة جليلة للفساد وهم يمدون في عمره، والضربة التى لا تقتل العدو تقويه.. فمتى نستوعب الدرس؟


إن صراعنا من أجل القضاء على الفساد يحتاج إدارة تجعله دافعا للأمام، وكلما انتصرنا للحق والعدل والإبداع والبناء ضمر الفساد وتوارى، بينما هو فى المقابل يبقى كامنا ينتظر قعودنا عن تلك القيم، ويتحين لحظة تحولنا للباطل والظلم وفقر الخيال والهدم، لينقض أكثر شراسة وأشد تحصينا وأقوى قدرة على التخريب والدمار.. لهذا ونحن فى بداية مرحلة جديدة، أتمنى من رئيس الجمهورية وكل المسئولين معه.. بل ومن كل الشرفاء فى هذا الوطن ألا نصمت على فساد أو ظلم أو انتهازية أو جريمة مهما بدت عابرة بسيطة، لأن مستعظم النار يأتى من مستصغر الشر