تشايكوفسكى يطل علينا كل عام .. كسارة البندق فى احتفالات عيد الميلاد

12/01/2015 - 1:25:34

بالية كسارة البندق بالية كسارة البندق

كتبت - د.رانيا يحيى

يعتبر باليه كسارة البندق من أجمل وأشهر الباليهات التى كتبت على الإطلاق لما فيه من لغة موسيقية بديعة للعملاق الروسى المؤلف الموسيقى بيتر اليتش تشايكوفسكى ،وذلك لأن الباليهات والأوبرات تنسب لمؤلفها الموسيقى وليس لمؤلف النص أو القصة .. وترتبط أحداث هذا الباليه باحتفالات أعياد الميلاد المجيد كل عام ،ويستهل الباليه بافتتاحية موسيقية تعقبها مباشرة أحداث الفصل الأول الذى يدور فى منزل والد الطفلة كلارا بمناسبة أعياد الكريسماس ويقدم دوسلماير صديق العائلة عرضاً للألعاب السحرية يجتذب الموجودين من الصغار والكبار ،كما يهدى كلارا دمية صغيرة على شكل كسارة البندق ،لكن فريتز شقيق كلارا كسر لها دميتها حينما حاول خطفها من يدها عنوة أثناء لعبها ببراءة ،فتحزن كلارا وتتألم لفقدان دميتها لكن يقوم دوسلماير بتصليح الدمية وينتهى الحفل ويذهب الجميع للنوم ،لكن تعود كلارا للاطمئنان على دميتها كسارة البندق فترى دوسلماير وفجأة تشعر باتساع المكان لتتضاعف أحجام مكونات الغرفة وترى شجرة عيد الميلاد والهدايا بأحجام كبيرة ،ويعقب ذلك مباشرة دخول جيش من الفئران لمهاجمة كلارا ،فتنشب معركة بين الدمى وعلى رأسها كسارة البندق والفئران لكن تنتصر الدمى ،ومرة أخرى يتحول المكان لغابة جليدية وتتحول الدمية إلى أمير وتصبح كلارا فتاة جميلة فيأخذها هذا الأمير للرقص فى دنيا الأحلام ،وينتهى الفصل الأول فى حالة من البهجة والسعادة ..ثم يبدأ الفصل الثانى بظهور دوسلماير متابعاً لحالة الحب التى تجمع كلارا والأمير وهما يركبان قارباً فى اتجاههما لمدينة الحلوى الممتلئة بكثير من الحلويات التى يعشقها الأطفال ،ويعبر تشايكوفسكى هنا عن كل نوع برقصة معينة من الباليه فنجد الشوكولاتة تمثلها الرقصة الإسبانية ،والشاى للرقصة الصينية والبن للرقصة الشرقية ،أما مجموعة العرائس الروسية الماتريوشكا فتظهر فيها الرقصة الروسية الترباك ،وبعدها نسمع فالس الزهور الذى يتجلى فى بدايته بأداء آلة الهارب بصوتها الرقيق البديع ثم مع دخول الأوركسترا ترقص كلارا والأمير بمرافقة المجموعة ،ومع دقات الساعة معلنة إشراقة الصباح يختفى الأمير وتحاول كلارا البحث عنه لكنه لم يظهر حيث تحول مرة أخرى إلى دمية كسارة البندق ،وتنظر كلارا حولها فترى فى مواجهتها دوسلماير فتدرك أنها عادت لأرض الواقع وأن ما عاشته مجرد حلم جميل وينتهى الباليه.
وهذه القصة اقتبسها الكاتب الفرنسى الكسندر دوماس عن قصة "كسارة البندق وملك الفئران" لإرنست هوفمان ،كما وضع الكيوجرافى أو تصميم الرقصات واحد من أشهر المصممين آنذاك وهو ماريوس بتيبا وتلميذه ليف إيفانوف وقدمت لأول مرة على مسرح مارينسكى فى سانت بطرسبرج قبل وفاة تشايكوفسكى بفترة قصيرة ،ولم يحظ الباليه فى البداية على النجاح المتوقع لكن بعد عدة عقود بدأ يستأثر على عقول المشاهدين وأصبح من أهم عروض الباليه لأى فرقة فى العالم ..وقد عُرِض باليه «كسارة البندق» فى دار الأوبرا خلال الأيام القليلة الماضية وأخرجه الدكتور الراحل عبد المنعم كامل!! ..ولا أدرى كيف ؟ وعليه فنحن نتساءل بعد أن ترك كامل عالمنا منذ ما يقارب العامين هل سيظل هو المخرج الأوحد فى دار الأوبرا ويكتب اسمه على أشهر الأوبرات والباليهات التى تقدمها الأوبرا خلال موسمها الفنى كأوبرا عايدة التى عرضت فى بداية الموسم !! وها نحن الآن أمام عرض آخر باليه ..فهل لا تملك الأوبرا وجوهاً شابة تقدم لنا رؤى إخراجية إبداعية ذات تناول جديد للأوبرات والباليهات أم سنظل محصورين فى رؤية الراحل عبد المنعم كامل !! وإلى متى ؟
أما عن الجانب الإبداعى لموسيقى تشايكوفسكى الأكثر من رائعة فهى تأخذنا من واقعنا وتذهب بنا إلى عالم الخيالات والأحلام لكل ما فيها من سحر وإبداع جمالى ،فتشايكوفسكى من أهم المؤلفين فى المرحلة الرومانتيكية حيث ولد فى سانت بطرسبرج عام 1840 ورحل عام 1893 ،وأبدع خلال مسيرته الفنية العديد والعديد من الأعمال الموسيقية والسيمفونية بجانب أوبراته وباليهاته الشهيرة المحببة للجماهير ولذا يعد تشايكوفسكى من أوائل الموسيقيين الروس الذين اشتهروا عالمياً، لتمكنه من الكتابة الأوركسترالية وقدرته الفذة على مزج أصوات الآلات الموسيقية في تكوينات ومجموعات آلية مختلفة ،كما تتضح موهبته الخاصة في كتابة المقطوعات الغنائية والتعبيرية حيث تعتمد مؤلفاته على قوة التعبير الدرامى وجمال الألحان المميزة والمعبرة الممتلئة بالشحنات العاطفية والتي تنهمر منه كالفيض الغزير. أيضاً استخدامه للإيقاعات غير التقليدية أحياناً وإيقاعات الموسيقى الفلكلورية الروسية والتي تضفى طابعاً خاصاً على أعماله، كما تعكس مؤلفاته تأثره بالمدرسة الغربية بالمقارنة إلى معاصريه الذين تزعموا المدرسة الروسية في التأليف الموسيقي ؛حيث تتميز موسيقاه بقوة مؤثرة جداً على المستمع وتصل إلى الأحاسيس مباشرة. وأعتقد أن مهما اختلفت درجة اهتمام الأشخاص أو ثقافتهم إلا أن موسيقى تشايكوفسكى تستطيع أن تتخلل إلى وجدان السامع بمنتهى البساطة واليسر ،عكس كثير من المؤلفين الذين يحتاجون إلى ثقافة معينة لإدراك موسيقاهم.. وموسيقى هذا الباليه تحديداً استطاع أن يجمع فيها المؤلف بين الموسيقى الروسية النابعة من طبيعته ونشأته وبين تأثره ببعض الألحان التقليدية الغربية التى تعرف عليها ،كما استوحى إيقاعات تعبر عن كل رقصة لها مدلول معين أو دولة بعينها باستخدام الآلات التى تعمل على انتقال هذه الحالة الانطباعية لموسيقاه ،وبالتالى نلحظ اهتمامه الشديد بعنصر الإيقاع بجانب التوزيع الأوركسترالى المميز فى الانتقال بين مجموعات الآلات المختلفة سواء الوتريات أو آلات النفخ بشقيها الخشبية والنحاسية وأيضاً مجموعة آلات الإيقاع ..هذا بالإضافة للاعتماد على بعض الآلات التى لا تستخدم بكثرة مثل الكورانجليه بصوتها الدرامى القاتم والكنتر فاجوت بصوتها الباص الغليظ وآلة الشلستا بصوتها المميز الرقيق واللامع فى ذات الوقت ..أما عن ألحان تشايكوفسكى فتتميز بالرقة والعذوبة والجمال القابع فى الجمل اللحنية الرشيقة الخفيفة سواء طويلة أم قصيرة لكنها تتمازج جميعها فى حالة من التدفق داخل نسيج لحنى بوليفونى متعدد التصويت فيما بين الآلات الموسيقية مع الهارمونيات التى تضفى إحساساً جذاباً ومحبباً لكل من يستمع إلى هذه الأعمال ذات الغنائية الرومانسية التى تحقق للجمهور متعة سمعية وسيكولوجية لا مثيل لها.
ونظراً لمكانة تشايكوفسكى الخاصة في تاريخ الفن الموسيقى الروسى، ما دفع بلاده لإطلاق اسمه على كونسرفتوار موسكو، وكذلك على مدينة في منطقة الأورال ، وشوارع فى العديد من المدن الروسية. كما دأبت روسيا على تنظيم مسابقة دولية تحمل اسمه منذ عام 1958 وإلى الآن. فها هى كسارة البندق رائعة تشايكوفسكى التى نحتفل بها فى مثل هذه الأيام من كل عام ويحتفى بها الأطفال نظراً لبساطة موضوعها وارتباط أحداثه بطفلة ودميتها مما يستثير إعجاب الأطفال بجانب الألوان الزاهية المبهجة من خلال الإضاءة والملابس ..ومع مشاهدة هذا الباليه المميز نتذكر عظمة هذا المؤلف الموسيقى وأعماله التى تهذب النفوس وترقى بالمشاعر والأحاسيس الداخلية إلى أعلى درجات من السمو العقلى والوجدانى.