نــادر جــلال

12/01/2015 - 12:49:54

نادر جلال نادر جلال

كتب - عاطف بشاي

اتصل بي المخرج (ي.ش) الذي يميل ميلاً غريزياً إلى سينما (الأكشن) .. ولديه مكتبة ضخمة من أفلام "الكاوبوي" الأمريكية .. ويتشبه بأبطالها فيرتدي قبعة كبيرة و«صديري» وبوتاً ويدخن الغليون وينفثه في وجه من يجالسه في تعال وعنجهية .. وطلب مني سرعة الالتقاء به لأمر هام جداً .. وما أن التقيت به حتى بادرني بأنه كتب قصة فيلم (أكشن) رائعة أعجبت منتجاً وأنه قد وقع اختياره على كتابة السيناريو والحوار لها .. فلما طلبت منه أن يطلعني عليها .. قال ليس هناك وقت .. ووضع أمامي رزمة من الأوراق وقلماً وأخذ يملي عليّ تصوراته السينمائية لمجموعة من المشاهد التي سيبدأ بها الفيلم .. قال إن المشهد الأول عبارة عن مطاردة في الشوارع بين البطل والعصابة يستخدمون فيها سيارات السباق السريعة والمسدسات في ملاحقته حتى يضطر إلى اقتحام (سوبر ماركت) بسيارته فيحطم واجهته و .... قاطعته في دهشة واستنكار .. كيف يتم ذلك في شوارع القاهرة وفي وضح النهار ؟! .. قال في تأفف وضيق .. هل تشكك في قدراتي التكتيكية .. إني أستطيع أن أنفذ ذلك بمهارة بالغة دون استخدام حيل (الجرافيك) .. قلت له أنا لا أقصد كيفية التنفيذ .. ولكن أتحدث عن المصداقية .. عن منطق الأحداث .. عن.. قاطعني بنفاد صبر مكملاً : المشهد الثاني عبارة عن مطاردة بين البطل الذي خرج سليماً معافى من تحت أنقاض (السوبر ماركت) وبين كلاب العصابة المتوحشة التي تحاصره في جراج متعدد الطوابق .. المشهد الثالث مطاردة بين شبيه البطل و ..
قاطعته مستأذناً أن أذهب إلى دورة المياه .. وتسللت هارباً نادماً على استجابتي لدعوته .. فالرجل يتصور أنك طالما تصديت لفيلم (أكشن) فعليك أن تخاصم المنطق .. وتعادي الحقيقة .. وتبتعد عن الواقع .. وتنفصل عن البيئة الاجتماعية للأحداث .. وتولي ظهرك لمعقولية سلوك الشخصيات الدرامية .. وتحركها في الزمان والمكان .. وأن يتم ذلك كله طبعاً في إطار خال من المضمون والمعنى والقيمة .. الشطارة في الإثارة .. أي إثارة .. والمهارة في التشويق .. أي تشويق ..
تذكرت ذلك حينما باغتني الخبر الحزين بوفاة المخرج الكبير نادر جلال .. الذي سعى منذ فيلمه الأول إلى مزج الموضوع الاجتماعي ذى الأبعاد الدرامية المختلفة ببراعة التكتيك والاستخدامات الفنية (للأكشن) من حيث تكوين اللقطات الجيدة.. وزوايا التصوير .. والظل والنور .. وحركة الكاميرا .. والأداء التمثيلي المقنع .. وحقق في مشواره الفني الطويل من خلال أكثر من خمسين فيلماً أغلبها من أفلام الحركة .. التوافق بين المستوى الفكري والفني وبين النجاح الجماهيري.. لقد كان يصنع أفلاماً ممتعة يقبل عليها المتفرج دون أن يفقدها حبكة تستمد من الواقع الاجتماعي مغزاه وعبره ودلاله ..
حتى إذا ما تحرر من صراعات0 العصابات .. ومطاردات الملاهي وأوكار تعاطي المخدرات .. قدم أفلاماً لها قيمة سياسية وإنسانية راقية .. "الإرهابي" ، "مهمة في تل أبيب" .. "بخيت وعديلة" ،"الجردل والكنكة" ، "حسن اللول"، و"أرزاق يا دنيا" .
بصمات "نادر جلال" كمبدع لا تنسى.