المسيحيون العرب والمواطنة

12/01/2015 - 9:34:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - الدكتور القس أندريه زكى

يثير الحديث عن المسيحيين العرب والمواطنة الكثير من الأفكار والمشاعر المتداخلة والمتشابكة، ويطرح العديد من الأسئلة المربكة. وفى ظل أجواء الاحتقان الدينى والطائفى المتصاعد فى منطقتنا العربية نتيجة التغيرات الجوهرية فى أنظمة الحكم وما صاحبها من حدوث بعض التغيرات الإنسانية بين أبناء الوطن الواحد. فقد كان من الطبيعى أن يطفو على السطح ذلك الهاجس الذى لطالما أرقنا والذى أدى إلى مزيد من التقهقر فى أوضاع المسيحيين العرب، حتى بات ثمة من يتكلم عن العودة إلى الذمية، وعن تطبيق نظم ثيوقراطية للحكم أقرب ما تكون إلى نظم القرون الوسطى منها إلى القرن الحادى والعشرين.
من هم المسيحيون العرب؟
فى البداية ينبغى علينا أن نطرح تصورنا لمفهوم المسيحيين العرب. هذا المصطلح رأى فيه الكثيرون فى الشرق الأوسط وفى الغرب ما يتضمن نوعًا من التعارض الظاهر. البعض يزعم بأن تكون عربيًا يماثل بالضبط كونك مسلمًا لأن العروبة تعادل الإسلام.
غير أن الواقع يؤكد وجود المسيحيين العرب منذ فجر المسيحية. وثمة روايات عديدة عن المسيحية فى شبه الجزيرة العربية -حيث تكمن جذور الإسلام -تظهر أن المسيحيين العرب عاشوا وتواجدوا قبل ظهور الإسلام؛ لذا لا يوجد أى تناقض حقيقى بين كونهم عربًا ومسيحيين. وثمة عنصر آخر شديد الأهمية، وهو أن معظم سكان المنطقة لديهم نفس الأصول العرقية. فمن المعتقد أن سكان هذه المنطقة هم خليط من الساميين والحاميين والقوقازيين. ومن ثم، فيما يتعلق بالسلالة والعرق، فسواء كانوا عربًا أم سلالة الفراعنة والفينيقيين.
القومية العربية وأزمة الهوية المسيحية
بزغت القومية العربية كأساس فكرى وأيديولوجى للمشاركة السياسية. فقد أسهم المسيحيون العرب فى دعم الوحدة العربية. حيث استمدوا رؤيتهم السياسية من أن اللغة والتراث الثقافى المشترك هما أساس الوحدة.
وعندما اتجه المسيحيون العرب إلى القومية العربية كان ذلك سعًيا إلى طرح مفهوم سياسى حديث يختلف عن الدين. وبدا أن المسيحيين العرب قد وجدوا أساسًا جديدًا للهوية، الذى -مبدئيًا على الأقل -سيجعل منهم شركاء كاملين ومتساوين فى الحكم والحياة والسياسة. وهم ما لم يكن باستطاعتهم تحقيقه فى مجتمع يحكمه الدين. وكتب كراج «لتعميم فكرة أن هذه الأيديولوجية الجديدة هى أساس للمشاركة السياسية. حيث ظن المسيحيون أنهم عثروا على أيديولوجية جديدة يمكنهم المشاركة».
فيها مع إخوانهم المسلمين دون اعتناق الإسلام. ولقد كان للمسيحيين فى المشرق العربى الدور الأكبر فى الدعوة للعروبة، وبتلك الوسيلة شددوا على أن العروبة لا الدين هى أساس الهوية. وتقدموا الصفوف للمناداة بهذه الدعوة. وبذلك أمكنهم مواجهة الأتراك الذين كانوا يملكون زمام الحكم وقتها.
غير أن هذا التيار الفكرى أصابه الوهن بسبب تنامى مفهوم الدولة القومية وظهور تيار الإسلام السياسي، ليؤكد مجددًا على مبدأ الأمة الإسلامية أو الجامعة الإسلامية كأيديولوجية سياسية بديلة للوحدة العربية. ولقد استندت تلك الأيديولوجية الإسلامية على فكرة أن القومية والعقيدة هما وجهان لعملة واحدة، وأن المجتمع الإسلامى أساسه العقيدة وليس القومية. كما انتقص تيار الإسلام السياسى من أوضاع غير المسلمين وأضعف من قدرتهم فى الوصول إلى السلطة العليا. وهكذا انهار التيار القومى بل اندمج فى بعض حالاته داخل المشروع الوحدوى الإسلاموي، مما يفسر التحول العجيب الذى انتاب الأحزاب القومية إلى التوجه الإسلاموى حاليًا فى العديد من الأقطار العربية.
ونتيجة لتأثيرات الإسلام السياسى، ظهرت بعض المشكلات الناجمة عن طبيعة التوجه القومى فى الوطن العربى فمن المفترض أن القومية تقوم على أساس اللغة والثقافة. ولكن فى الوطن العربى ثمة صلة وثيقة ما بين الدين واللغة. فاللغة العربية هى لغة القرآن، كما أن إحدى القوى الروحية للقرآن تكمن فى لغته العربية. ومن ثم توجد علاقة مباشرة بين اللغة والدين. حيث إن اللغة العربية هى إحدى معجزات القرآن ومحور أساسى من المحاور لأفكاره. هنا اللغة لا تعنى ببساطة مجرد كلمات، لكنها تتضمن مفاهيم وتحتوى على الأطر الفكرية.
وأما الثقافة فهى المكوِّن الثانى من مكونات القومية، وهنا تتضح العلاقة بين الإسلام والعروبة. ولقد فشلت كل الجهود الرامية إلى علمنة العروبة لأن الإسلام محور مركزى فى مفهوم العروبة. لكن فى الغرب، الوضع يختلف. فرغم أن المسيحية كان لها إسهاماتها البارزة فى الثقافة الأوربية، لكن هناك لا توجد نفس العلاقة المباشرة بين اللغة والدين. كما أن المسيحية ليست أساسًا للثقافة البريطانية أو الألمانية بنفس الطريقة التى أسهم بها الإسلام فى العروبة.
ولذا فهناك اختلاف كبير بينهما فيما يتعلق بالصلة بين الدين والثقافة. ومن ثم يمكننا أن نبرهن على أن القومية فى الغرب هى نتاج لظروف اقتصادية واجتماعية. بينما القومية فى العالم العربى تقوم على اللغة والثقافة المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالدين.
المواطنة بين الاندماج الوطنى والتذويب الديني
كما أسلفنا الذكر فإن المسيحيين تجاوبوا بانفتاح وريادة تجاه مشاريع الاندماج الوطنى والقومي. وقد ظهر ذلك بشكل جلى فى نموذج أقباط مصر ومسيحى الشام. ولهذا يقول سعد زغلول فى مذكراته: إن الأقباط هم الذين بادروا بالذهاب إليه من أجل التحالف والكفاح الوطنى المشترك من أجل أن تكون مصر وطناً حراً للجميع.
غير أن المسيحيين ظلوا يؤكدون دائمًا على رفض مبدأ التذويب الديني. ذلك المبدأ الذى يقوم على تجاهل وجود الآخر والتعامل معه كما لو أنه غير موجود، وغير شريك فى الوطن. كما أن من حق المسيحيين أن يرفضوا كل مشروع له توجه دينى حصرى واستبعادي، ينظر إلى المسيحيين من منظور الأقلية غير المرحب بها وغير الجديرة بالشراكة، بل والمُخَوَّنة أحيانا. إذ إنه ليس من قبيل الوطنية وحب الوطن أن يتم التساهل مع أى تهديد لمبدأ المواطنة والعدالة الاجتماعية، هذا التهديد يمكن أن يزعزع الأساسات الهشة التى بنيت عليها بعض أوطاننا العربية، ويعصف بها تحت أقدام تيار استقصائى طائفى، يجيد امتصاص الهامش الضيق من الحريات.
المواطنة هى سبيل للخروج من المأزق
أمام هذا الواقع المتأزم لابد من إعادة التأكيد على مفهوم المواطنة، إذ إنه هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الذى نعيشه فى منطقتنا العربية. غير أن المواطنة السياسية الجامدة قد تبين ضعفها وقصورها ومن ثم بات من الضرورى البحث عن رؤية جديدة لمفهوم المواطنة، تتميز بالديناميكية والشمولية لكل جوانب الحياة المجتمعية.
هنا نجد أن هذه الرؤية الجديدة للمواطنة تقوم أساساتها على المساواة، وهى نتاج لكفاح مشترك. إنها مفهوم سياسى يتنامى من خلال التعايش ويُشيد مجتمع المساواة الذى فيه يمكن لأى شخص أن يكون حاكمًا. بيد أن المساواة لن تتحقق على المستوى السياسى بمفرده - فالمواطنة السياسية البسيطة سوف ينال منها الفشل تمامًا كما فشلت العلمانية فى لبنان ما قبل الحرب الأهلية -لأنها طُبقت فقط على المستوى السياسي. ومن هذا المنطلق فإننى أتصدى الآن لدراسة أسس المفهوم الشامل للمواطنة الذى يربط بين بنية الهوية، وبين السياق الاقتصادى والاجتماعى والسياسي. حيث شكل الدين العنصر الأساسى فى بنية الهوية فى الوطن العربي. ومع تأثير الإسلام السياسي، أصبح ذلك الأساس الدينى للهوية هو المحدد الرئيسى للانتماء لعضوية الدولة وكذا الاشتغال بالسياسة. وفى هذا السياق، تحتاج المواطنة إلى آية جديدة غير محصورة فى نطاق النظام السياسى ولكنها قادرة على التأثير فيه. هنا يتجلى دور المجتمع المدنى بما يتميز به من استقلالية عن الدولة وفعاليته فى تنمية النظام السياسى ليمدنا بالأرضية التى تعزز المواطنة. ومن ثم فإن تجديد وتطوير المجتمع المدنى هما الأساس للمواطنة.
المجتمع المدنى يحقق المواطنة:
يمكننا أن نعرف المواطنة بأنها «عملية شاملة تتجاوز المساواة لتصل إلى العدالة من خلال ربط الحقوق السياسية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية». والمواطنة تعزز التعددية عن طريق الانتماءات المتعددة و«مأسسة الهوية» أى تحويل الهوية إلى المؤسساتية). ولكونها ديمقراطية بطبيعتها فهى تتجاوز الولاءات الدينية والعرقية والنوعية. وهى تتصل بالدولة القومية ولكنها أيضًا تتجاوز الحدود القومية.
عندما تنحصر المواطنة فى المفهوم السياسى وحده، فهى بذلك لا تنجح فى خلق مجتمع المساواة والتعددية. لكن المواطنة هى المفهوم الأشمل الذى يتجاوز عضوية الدولة والمشاركة السياسية لكى يضم أيضًا الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وهذه الحقوق - بالاستناد إلى الديمقراطية – هى التلا تبنى المجتمع المدنى  إن المواطنة تتجاوز المساواة ، لكنها ترتبط بالأحرى بالعدالة .
و لتحقيق مواطنة فعالة يستلزم الامر توافر قوانين مكتوبة و منظمات تقوم على تطبيق هذه القوانين و كذا جماعات ضغط و تحميها . و تمتلك منظمات المجتمع المدنى القدرة على فعل ذلك . و فى العالم العربى يرتبط تشريع القوانين بصلة وثيقة بالدين و كذلك بالمجتمع العلمانى . و تستلزم القوانين ان يتم تطبيقها بفاعلية و كذلك تستلزم وجود الضغط لكى تحمى التطبيق من خلال نفوذها مع النخب الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية . و تسهم منظمات المجتمع المدنى مثل المنظمات غير الحكومية فى كل هذه المسنويات من خلال المنظمات الدينية التى تيسر تشريع القوانين كذك المنظمات الشعبية و القاعدية التى تطبق البرامج فى ارض الواقع ، علاوة على منظمات حقوق الانسان التى تحمى العملية بجملتها .