قداسة البابا شنودة وأنا

12/01/2015 - 9:28:50

البابا شنودة البابا شنودة

كتبت – سناء السعيد

يستدعي لي عيد الميلاد المجيد الذي يحل اليوم الأربعاء 7 يناير قداسة البابا شنودة الثالث هذا الصرح العظيم أيقونة العصر الجميل الذي جمع فأوعي، فلقد جسد الإنسانية الرحبة المخملية وعكس بشخصه الدور القومي الوطني المسكون بالنقاء والعطاء الفكري.
عرفت قداسته عام 1975 عندما قدمت من لندن لأجري معه أول لقاء لهيئة الإذاعة البريطانية. وخرجت بعد لقائه من الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لأجد الشارع المصري مفعما بالنور والهدوء، فنبع قداسته الصافي هو الذي أشاع هذه النورانية بالإضافة إلي أفكاره الوضاءة وحكمته البليغة وعباراته وشعره ومشاعره العبقة الزاخرة بحب مصر والعروبة. يومها تحدث بروحانية خلابة، فهو العاشق المتيم بالوطن المسكون بالولاء له. رأيت قداسته بعد ذلك في لقاءات شتي أجريت خلالها أحاديث بلغ مجموعها 84 حديثا نشرت في الصحف المصرية والعربية.
معلم آخر أستدعيه هنا مع عيد الميلاد المجيد وهو لقائي معه بوادي النطرون في أواخر ديسمبر 1984 خلال فرض الإقامة الجبرية عليه. يومها تحدث عن كل شيء ولكنه لم يقترب من السياسة. خرجت من اللقاء يغمرني شعور بالراحة، فلقد التقيت بعالم الدين ينبوع الحكمة والعطاء الفكري المتدفق.
وكم كانت فرحتي عظيمة عندما رفعت عن قداسته الإقامة الجبرية في الخامس من يناير 1985 .
ومنذ ذلك الحين اعتدت أن أجري مع قداسته أكثر من حديث في العام الواحد. واليوم أتذكر كل هذه الحوارات التي أجريتها مع قداسته علي مدي سنوات وغمرني خلالها بثقافة موسوعية عالية القيمة رائقة في المعني والمبني، فلقد كان يحلل كل حدث بموضوعية ودقة. عكست حواراته فيضا زاخرا من المعلومات ساعده عليها ذاكرة حية يقظة متجددة تنبض بالكثير من المشاعر وتبعث الحياة في الآخرين.
كان قداسته بالنسبة لي الرمز والقدوة والنموذج الرائع. كان يحدثني عن الدين الإسلامي والصوم في الإسلام، وكان يورد في أحاديثه الكثير من الآيات القرآنية فهو موسوعة وعملة نادرة في مجالات العلوم والسياسات والأديان.
حدثني عن إسرائيل الدولة التي لايستطيع أحد أن يحكمها لدعم أمريكا لها. حدثني عن رؤيته بالنسبة للفلسطينيين وضرورة أن يتحلقوا حول الوحدة كي يتسني لهم التفاوض من مركز قوة، فالانقسام يضعفهم وبالتالي لايستطيعون نيل حقوقهم المغتصبة. حدثني عن الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 وحدثني عن سوريا العروبة ومصر الوطن الذي يعيش فينا.
كان قداسته صمام الأمن والأمان للمصريين أقباطا ومسلمين. وضع الوحدة الوطنية في مصر في مركز الصدارة فكانت شغله الشاغل. أما حب الوطن فهو غريزة تجري في دم هذا القديس الذي ملك المعرفة وعبق الروحانية والشفافية والتواضع.
لن ينسي له أحد إسهاماته القيمة في شرح أبعاد العطاء الروحي والفكري الذي قدمته الكنيسة القبطية للعالم عبر مراحل التاريخ الإنساني والديني.
حباه الله موهبة نادرة ملك بواسطتها صياغة أجمل العبارات ومنها:
- رجل الدين يجب ألا يتم توظيفه حسب الأهواء فالمفروض أنه قائد لا مقود.
- ينبغي معالجة الأسباب قبل النتائج.
- تظل إسرائيل واجهة للقهر والتسلط وسلب الحقوق واغتصابها.
- منطق القوة يحتاج الي رادع ولا يرجعه إلا قوة مضادة.
- فليصمت العاقل في ذلك الزمان لأنه زمن رديء.
ولا أخفي سرا عندما أقول إن فجيعتي كانت كبيرة لفقد هذا النبع الصافي من العطاء. القديس الذي جسد بفكره ذاكرة عصر كامل، والتاريخ الحافل الذي تحول إلي أسطورة تستوجب الاحتفاء. ولهذا وإلي الآن- - مازلت أقول أن قداسته لم يرحل عن دنيانا إذ تبقي للعظيم بصماته ووميض نفحاته الروحية وأفكاره التي تضيء الطريق للجميع.