حلاوة المولد وكحك العيد

12/01/2015 - 9:25:23

اللورد كرومر اللورد كرومر

كتبت - إيمــان رســلان

فى الصف الثالث الابتدائى أو الرابع لا أذكر تحديداً ما إن دخلت المنزل بعد المدرسة إلا وانفجرت فى وصلة بكاء شديدوكان السبب أن مدرسة الدين الإسلامى ضربتنى لأنى لم أحفظ السور القرآنية المقررة فى حين أن زملائى الآخرين كانوا يلعبون فى "الحوش" ولم يضربوا مثلى وعرفت أن إسحاق الذى يجاورنى فى "التختة المدرسية" مسيحى لذلك لم يتم ضربه وأنه ذهب ليلعب فى الحوش وتلقيت أنا علقة ساخنة .
ترسخت هذه الحادثة فى أعماقى لسنوات مع ذكريات أخرى عن حصص الدين والمنهج وكيف أننى دخلت فى وصلة "هجوم" مع مدرستى بسبب مايقال لنا فى حصص الدين وأنها رغم المعاملة اللطيفة منها لى اشتكتنى لأبى بسبب لسانى المنفلت أمام الجميع، وأنها لم ترد نظرا لصغر سنى.
عندما عدنا للمنزل بعد الاستدعاء لولى أمرى لم ينهرنى أبى بالعكس تماما أخذ يشرح لى بهدوء ماغاب عن ذهنى حتى اقتنعت تماما بإمكانية قبول هذا التفسير المنطقى على عكس مايقال لنا فى حصص الدين وكان يمكن أن تؤدى بى إلى التطرف وكره الآخر بل وتكفيره أيضا، وانتهت الواقعة بسلام وأصبحت صديقة بعد ذلك للمدرسة وكانت تتصل بى إلى وقت قريب للغاية تناقشنى فى قضايا كثيرة تعليمية وانتهى بهذا الموقف والتفسير المنطقى والعقلانى قصة الآخر حتى دخلت الجامعة فى الثمانينيات عقب اغتيال الرئيس السادات وكانت التيارات الإسلامية نشطة للغاية قبل ذلك فى الجامعة وكانت الدعوة الرئيسية لهم تتركز على المرأة المسلمة أولا ونشر الحجاب الذى لم يكن منتشراً أو زياً رسمياً كما هو الآن بل كانت قلة فقط من الطالبات هن من يرتدينه ولايوجد أستاذة واحدة فى كلية الآداب على ما أتذكر محجبة.
وهكذا بدأ وعيى يتكون أن المرأة والزى تحديداً هو مجال الاستعراض وملعب هذه التيارات التى عرف بعد ذلك الشعب المصرى أنها لم تكن إلا تياراً سياسىاً أخذ شعار الدين الإسلامى عنواناً له وكانت المرأة الملعب الرئيسى له لاستعراض القوة وإبراز الوجود فى المجتمع فى مواجهة السلطة والقوى الأجنبية ليعلنوا مدى قوتهم فى الشارع وتأثيرهم.
وبخروج الدولة تماماً من معترك الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعدم بناء المدارس والمستشفيات والمساكن، احتلت هذه التيارات وكان لها التمويل الكافى من سنوات الغربة فى الخليج فى السعودية، الساحة فبنت المدارس وفصول التقوية المجانية والمستوصفات والمساكن. والمساجد التى تحولت إلى أماكن خاصة بهم تماماً ينشروا من خلالها مايشاءون من أفكار وتفسير للدين فى غياب تام للدولة وكانت المرأة تحديدا هى الملعب لهم وحدث ماحدث من تغيرات كبيرة فى الشخصية المصرية.
وإذا كان كرومر المعتمد البريطانى فى أيام الاحتلال الإنجليزى قد كتب فى مذكراته عن مصر أنه لايستطيع أن يفرق بين المسلم والمسيحى إلا عندما يدخل أحدهم إلى الجامع والآخر إلى الكنيسة لأن زيهم كان واحداً أما للمرأة كان "غطاء الوجه للجميع" هو يماثل الآن النقاب ولم يكن هذا سلوكاً دينياً وإنما سلوك اجتماعى - ملحوظ- وحينما خلعته المرأة المصرية بعد ثورة 1919 كان ذلك رفضاً لنظام اجتماعى ينتقص من قدر المرأة ولم يكن رفضاً دينياً فخلعته المرأة المسلمة والمسيحية على السواء.
الآن نظرة واحدة على المجتمع فى أى مكان تستطيع فيه أن تميز بين المصريين نساء ورجالا بسبب الزى.
فى المقابل - حينما وجدت - المسيحية نفسها هنا مختلفة بدأ أيضا انتشار ارتداء الصليب فى "السلاسل على الرقبة» كنوع من اثبات الهوية أو الدين فى مواجهة التمييز على الجهة الأخرى.
ليس هذا معناه أننى ضد ارتداء غطاء الرأس وأفضل هذه التسمية عن لفظ حجاب أو ارتداء الصليب فى السلسلة، وإنما هى محاولة لتفسير ماجرى للعقل المصرى فى قبول الآخر خلال الأربعين عاماً الماضية وبدأت الكنيسة فى مقابل الجامع يحتمى بهما كل صاحب ديانة وأصبح كلاهما هو الملجأ للمصريين ومركز الخدمات ، تماما مثلما يحدث الآن سواء فى التعيينات أو الترشيحات للمناصب فهناك "الكوتة" للنساء ثم الأقباط ونادراً للشباب مع غياب تام لمفهوم الكفاءة والمواطنة.
وأخيرا سمعنا تصريحات لكبار رجال الدولة أن المرأة سوف يكون لها نصيب ليس فى حركة المحافظين وإنما بتعيينها "نائب محافظ" وسوف نسمع الكلام نفسه أيضا عن الأقباط والشباب.
وكأن المرأة وغيرها كائنات من نسيج مختلف عن نسيج الإنسان ، وكأن المرأة التى أصبحت وزيرة ورئيس جامعة وسفيرة لاتصلح لمنصب محافظ، يكفيها منصب النائب وهو بالتأكيد ماينطبق على المسيحيين والشباب.
قد يغضب البعض من هذا الطرح ولكن فكرة المواطنة والكفاءة تغيب تماما عن مجتمعنا المصرى والعربى، وليس ببعيد أن الأفكار المتطرفة التى وصلت إلى الإرهاب تخرج من منطقتنا العربية ولا أقول الإسلامية، لأن الدين الصحيح سواء الإسلامى أو المسيحى بالتأكيد يدعو إلى الصلاح وإعمار الأرض وقبول الآخر، وهذا لن يتم إلا عبر التغيير فى المؤسسة التعليمية فالتغيير يبدأ من المدرسة حينما ندرس المناهج الواحدة حتى لو كانت فى حصة الدين فما المانع أن يحضر الطالب المسلم حصة الدين المسيحى والعكس صحيح، على أن تنقى المناهج أولا من كل مايمس العقائد، فى هذه الحالة سنصل من خلال المؤسسة التعليمية من المدرسة وحتى الجامعة ثم الإعلام ثم الدولة إلى مفهوم المواطنة الحقيقيه وليس إلى نظام الكوتة والمحاصصة التى غالباً ماتأتى على حساب الكفاءة والإحساس بالمساواة داخل الوطن الواحد للجميع، وبهذه المناسبة أقول للمواطن المصرى المسيحى، وأنا اشترى كحك عيد ميلاد المسيح بجانب حلاوة المولد كل عام وأنت طيب، ولاتلتفتوا لمقولات عدم التهنئة والاحتفال من تيارات عدمية تكره الفرحة للمصريين، فهؤلاء لايكرهون المسيحيين فقط بل يكرهون الشعب المصرى كله وأكاد أقول يكرهون أنفسهم ومظاهر الفرحة والابتهاج.
وحلال لنا حلاوة المولد وكحك العيد بالعند فيهم، هكذا نحن المصريين منذ قديم الأزل نحب الاحتفال والفرحة والطعام.