شط أسكندرية ياشط الهواء

19/06/2014 - 12:21:43

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان الدربي

قصص وحكايات وروايات علي شط البحر.. كل حبة رمل تحكي أحلي الكلام، وكل موجة بحر تصف أجمل اللحظات بين قلبين كان البحر ثالثهما.. أو لمة وعيلة كان البحر ونيسهم، قرب بينهم وفجر مشاعر حلوة في قلوبهم ولطف بنسمة صيف رقيقة قسوة حياتهم وهون مشاكلهم وهمومهم.


موضوعنا البحر وتأثيره علي علاقاتنا بالآخرين، وهل فعلا نسمات البحر المعبأة باليود تغير فيها؟


وهل البحر بأمواجه ورماله وطقوسه المبهجة فعلا يغسل الهموم ويلقي بها بعيدا؟


وهل فعلا هناك علاقة ما بين هذه الطقوس الخاصة جدا للبحر وتغير مزاجنا وردود أفعالنا؟


البداية رصد لحكايات حقيقية لبعض عاشقي البحر ومحبيه..


"عشق البحر اتقاق بيني وبين خطيبي، فقد التقييته أول مرة علي شط بحر إسكندرية. لن أنسي وقتها نسمات البحر وهي تمر عليّ ثم تذهب إليه، أو هكذا تخيلتها تحمل أسراري وتأخذها إليه،  وحتي الأمواج كانت عالية وكأنها تسجل لحظة ميلاد حبنا، وتكتب عهد الوفاق بين قلبينا".


بهذه الكلمات الرائعة تحدثت "دعاء حسني" مدرسة اللغة العربية- مؤكدة أن البحر كان شاهد عيان علي ميلاد حبها وخطيبها وأنه لولا هذه الطقوس الخاصة جدا علي شط البحر لما كان هذه الحب.


أما "بسمة كامل" ربة منزل لها قصة مختلفة مع البحر فقالت بابتسامة رائعة "جمعنا البحر بعد أن كنت وزوجي علي حافة الانفصال، ففي الفترة الأخيرة تعرضنا لضغوط نفسية وعصبية كبيرة لأنه ترك عمله في إحدى شركات البورصة وانقلب حالنا رأسا علي عقب نتيجة اضطراره لقبول عمل لا يناسب مؤهلاته فنقص دخلنا مما عرضني وهو للكثير من المشاكل والاضطرابات، وقررنا البعد قليلا عن بعض لفترة يذهب كل منا لأهله لنعيد حساباتنا وهل ستستمر علاقتنا أم لا".. وتكمل "ذهبت إلى شاطئ الإسكندرية عند بير مسعود فهناك صخور استمتع بالجلوس إليها لأجد زوجي في نفس المكان وعلي ذات الصخرة التي ذهبت إليها، لنرمي كل مشاكلنا  داخل البحر وننسي كل همومنا ومامررنا به من مآسي، ونعود لبعض وكأن شيئا لم يكن".


المهندس أحمد رضا يؤكد أن للبحر ذكريات وحكايات لا يمكن أن ينساها فهو وزوجته وأولاده يعشقون البحر، وأضاف  " كل عام أذهب وعائلتي للمصيف نجلس علي البحر وننسي كل متاعب وهموم ومشاكل العام في أجازة صغيرة ولكن لها أثر كبير علي حياتنا، فكلنا ينتظرها وكأنها حلم لنا جميعا. أولادي يحسبون ميعاد المصيف باليوم، وزوجتي تحضر له وهي سعيدة، وفي الحقيقة لا أعرف ماذا تفعل بنا نسمات البحر وحبات الرمال، فزوجتي أعصابها تصبح أهدي كثيرا وتتقبل الكثير من الأمور بردود أفعال مختلفة تماما فتصبح أكثر تفاؤلا وسعادة، وكذلك أنا وكأنه تم استبدالي بشخص آخر أكثر مرحا وحبا للحياة. أما  أولادي فيمارسون اللعب والعوم ولا يرضون بديلا عن البحر فهم لا يستمتعون بالعوم في حمام السباحة مثل البحر".


أما الحاج محمد رضوان صاحب ورشة نجارة أكد أن المصيف والذهاب للبحر هي وسيلته طول العام للضغط علي أولاده ليتفوقوا في دراستهم وأضاف "أولادي يعشقون البحر والذهاب إلى المصيف هي مكافأتي لهم بعد عناء عام دراسي طويل، وكذلك زوجتي تجهز لأيام المصيف قبلها بشهور، وفي الحقيقة أنا أعتبر هذا أقل رد جميل لما تفعله معي وأولادي طيلة العام، أما أنا فأصر على أن أغلق ورشتي وأعطي أجازة للعمال مدفوعة الأجر، حتي يجددوا نشاطهم ويستطيعون إعطائي كفاءة أفضل بعد الرجوع من الأجازة، وعندما نعود من أيام المصيف القليلة نشعر وكأن كل متاعبنا قد ألقينا بها في البحر وتكون صحتنا أفضل كثيرا".


د. وليد هندي أستاذ علم النفس العلاجي أجاب عن أسئلتنا مؤكدا أن المناخ الجغرافي والبيئي يؤثر علي الصحة النفسية العامة للإنسان، ويضيف "لذلك نجد قاطني خط الاستواء لديهم مجموعة من الملامح الجسدية والنفسية والسلوكية التي تختلف عن شعوب البحر الأبيض المتوسط، فالبحر ذو الطبيعة الخلابة  والأمواج المتقلبة وفيتامين اليود الذي يتم استنشاقه والسماء الصافية كل هذه مجموعة من المثيرات المحفزة لعملية التخيل وثراء الوجدان والتداعي الحر للأفكار وتثري النفس البشرية وتشكل وجدانها وملامحها النفسية، فنجد من ينظر للبحر ينتابه شعورا بالسعادة والسرور الذي ينعكس علي بهاء وجهه وزيادة نشاطه الجسماني والعقلي، ونراه دائما وأبدا يسقط مشاعره الداخلية وخبراته الحياتية علي خرير "موج البحر"، ويستكمل "إذا ما أضفنا لذلك اليود الذي يتم استنشاقه من البحر فيزيد من الجرعة المعنوية والنفسية والغذائية للإنسان، فينعكس علي نضارة وجهه وبشاشته مما يجعل الإنسان أكثر طمأنينة وأقل تعرضا لمشاعر القلق والتوتر، فينعكس ذلك وينمي الإقبال علي الحياة والتعاون مع الآخر والإيثار وحب الناس والمجتمع، وقد نري ذلك بوضوح في العلاقات الأسرية التي يشتد ترابطها وإثارها أثناء نزوح الأسر إلى المصايف حيث تبدو الأسر المصرية أثناء المصيف في أعلي درجات تماسكها الاجتماعي وأقل معدلات الخلافات والغضب، ومن ناحية أخري فإن الذهاب إلي البحر بالنسبة للأطفال له أثر إيجابي علي زيادة معدلات الذكاء وذلك من خلال مايقومون به من ألعاب مائية وألعاب أخري شاطئية تعد من أهم الألعاب التي ينصح بها علماء النفس لتحفيز المخ ورفع معدلات الذكاء"، ويضيف "علي شواطئ المصايف نجد أوساط اجتماعية مختلفة ويساعد شاطئ البحر في الرغبة الحقيقية للحياة، ولأن الحب هو الحياة فقد يكون أرضا للملتقي تجتمع فيه الأفئدة وتتلاقي فيه الأرواح قبل الأجساد وهو ماجسده التراث الأدبي والفني والإنساني".


بقيت نقطة أخري عن تأثير البحر علي الأطفال هذا ماتحدثت عنه.. د. هند الأنشاصي  استشاري طب الأطفال- مؤكدة أن للبحر تأثيرا كبيرا عليهم قائلة "البحر يوقظ الأجهزة الحسية لديهم التي تخمد نتيجة لحياة المدينة بصخبها ومشاكلها البيئية، وعندما يعومون داخل مياه البحر يكون لذلك تأثير منشط يمد أجسامهم بالحيوية، فهواء البحر ومياهه غنيان باليود الذي ينشط عمل الغدة الدرقية ويساعد علي التخلص من سموم الجسم، كما أن التنفس العميق وملء الرئتين بهواء البحر ينظفهما ويعيد التوازن  للجهاز التنفسي، وتغطية جسم الأطفال بالرمال الساخنة يساعد علي التخلص من أي بقع أو إكزيمات بالجسم ويساعد علي مرونة المفاصل ويخفف من التهاباتها للكبار، وتسهم مياه البحر الغنية بالطحالب والفيتامينات في منح الجلد الصحة والحيوية والطاقة كما أن بعض هذه الطحالب لديها خاصية مضادة للأكسدة والقدرة علي اندمال الجروح والتخفيف من الالتهابات الجلدية.. أما أمواج البحر فلها تأثير شبيه بالتدليك، حيث تنشط الجلد والدورة الدموية، وتعرض الأطفال لأشعة الشمس النافعة وهي قبل الساعة التاسعة صباحا وبعد الساعة الرابعة عصرا يمدهم  بفيتامين "د" اللازم لبناء العظام ولكن علي الأم  التي يبقي أطفالها طيلة اليوم علي البحر استخدام  كريم واقي من الشمس لحمايتهم من أشعة الشمس الضارة، والمشي في مياه البحر يفيد الكبار والصغار فيساعد علي تخفيف ظهور الدوالي ويبدد التورم والانتفاخات في الساقين والقدمين ويساعد علي مرونة المفاصل ويخفف من التهاباتها، والسباحة أيضا تعتبر رياضة تحرق السعرات الحرارية وتساعد علي التخلص من الدهون. وأخيرا الإصغاء إلى صوت أمواج البحر وإيقاعها يؤثر في الدماغ فيجعل الشخص في حالة استرخاء، وكذلك احتكاك الجسم بأمواج البحر تحث الخلايا العصبية في الجلد لإرسال معلومات إيجابية للمخ مما يؤدي إلى إغراق الجسم بفيض من الإحساس بالارتياح والسعادة".