مجلة الهلال مارس 2014

20/05/2014 - 10:47:01

مجلة الهلال مارس 2014 مجلة الهلال مارس 2014

كتب - د سامح عباس

مارس 2014

العقاد ومعاداة السامية


لا شك أن دراسة الأدب لشعب ما تعكس واقع هذا الشعب، وكل ما يدور فى جنباته بشكل فنى أدبي راق، وذلك لما يشتمله الأدب على فنون ووسائل كثيرة تُعين الأديب على التعبير عن هذا الواقع بإيجابياته وسلبيــاته. وفى الوقت الذي نحتفى فيه بذكرى رحيل المفكر والأديب المصري الكبير عباس محمود العقاد.



لا يمكننا فى هذا المقام الاكتفاء فقط برصد إنتاجه الأدبي واسترجاع مواقفه الفكرية والسياسية المتفردة، فهو بحق من بين المبدعين القلائل الذي تميز بالتنوع والتعددية الإبداعية، التي كانت سمة سائدة لكثير من أبناء عصره، بل يتعين علينا رصد أصداء أعماله خارج الحدود المصرية، ورؤية الآخر لهذه الأعمال وتحليله لها، لا سيما من جانب إسرائيل، التي أبدت اهتماماً مثيراً للريبة بكتاباته وأعماله، ليس فقط لشخصه وإنتاجه الأدبي، بل لتأثيره الإبداعي والأيديولوجي على أجيال كاملة. فى البداية لم أستغرب اهتمام إسرائيل من خلال مراكزها الأكاديمية والمخابراتية وباحثيها بإبداعات العقاد وفكره السياسي، فقد بات هذا الأمر بديهياً فى إطار سعي تل أبيب لقراءة واقع المجتمع المصري، ومعرفة توجهاته وميوله منذ استزراع هذا الكيان السرطاني فى قلب الجسد العربي، غير أن هذا الاهتمام جاء على غير المتوقع، فعلى سبيل المثال نجد أحد الباحثين الإسرائيليين يقوم بإلقاء الضوء على حياة العقاد، ومسيرته الأدبية والفكرية من خلال أطروحته للماجستير المقدمة لجامعة بن جوريون حول إبداعات الأديب المصري لويس عوض، ورصد الباحث الإسرائيلي بدقة تأثير العقاد بفكره وكتاباته على عوض، الذي كان يمثل جيلاً بأكمله تعلم وتأثر بالعقاد.


وطبقاً لما ذكره الباحث الإسرائيلي فى أطروحته :" كان للعقاد تأثيراً كبيراً على فكر ورؤية لويس عوض. فقد كان العقاد يريد الاستقلال الوطني لمصر، وكان أحد أبرز المدافعين عن دستور1923 حينما قرر الملك فؤاد تعليقه. علاوة على ذلك عُرف العقاد بأنه أحد أكبر المناضلين ضد الحكومات الديكتاتورية التي حكمت مصر".


لم يكتف الباحث الإسرائيلي فى أطروحته للماجستير بما قاله عن العقاد آنفا، بل وصف فكره الفلسفي بأنه مؤثر للغاية، خاصة رؤيته حيال قوة الفرد فى تشكيل صورة التاريخ ومصير الإنسان...وعلى هذا الفكر سار لويس عوض الذي أيد ضرورة وجود دستور لمصر لأنه الضامن لحماية كرامة وحقوق المواطن المصري.


الأكثر إثارة فى اهتمام إسرائيل بكتابات العقاد، هو التقرير الصادر عن المركز الإسرائيلي لمعلومات شئون المخابرات والإرهاب، وهو أحد المراكز البحثية التابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي بتاريخ مارس 2008 وجه فيه معدو التقرير أصابع الاتهام للعقاد بمعاداة السامية وأنه كان من أبرز الأسباب التي جعلت العرب عموماً والمصريين على وجه الخصوص يكرهون إسرائيل والإسرائيليين، وذلك من خلال قيامه بكتابة مقدمة أول نسخة عربية مترجمة لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون والذى بناء عليه كُتبت وأُلفت العشرات من الكتب التي تعادي إسرائيل واليهود...سبق هذا التقرير دراسة مهمة نشرها البروفيسور مناحم ميلسون، أستاذ الأدب العربي بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة، تناول فيها الأثر العميق لفكر العقاد فى توجهات الكراهية ضد الإسرائيليين واليهود عموماً من خلال كتابته للمقدمة التي سبق وأن أشرنا إليها؛ واصفاً إياها بأنها منحت الترجمة العربية لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون بُعداً سياسياً مهماً. ونظراً لأهمية هذه المقدمة قام الباحث الإسرائيلي بترجمة فقرات منها إلى اللغة العبرية على النحو التالي: "لكي أكون صادقاً مع التاريخ، يجب أن ألخص ما ورد فى هذا الكتاب من الناحية التاريخية والنقدية، فرغم الشكوك التي تحوم حول مصداقية مصادره أو على العكس يمكن إثبات صدق ما ورد فيه". ناقلاً تأكيد العقاد بأن حكماء صهيون حقيقة تاريخية، وربما يكونون من وحي الخيال، إلا أنه لا يوجد أدنى شك فى أنهم يريدون أن يكون لهم تأثير ملموس على أرض الواقع.


انتقى الباحث الإسرائيلي من خلال مقدمة عباس العقاد لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون الموقف الشخصي له حيال الصهاينة عموماً، مشيراً إلى أن العقاد يعتقد وجود آلية ومنظومة عمل كبرى لدى الصهاينة متشعبة من اسطنبول حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوب إفريقيا، الأمر الذي يؤكد على وجود عصابة دولية تعمل على تحقيق أهدافها . وأن الصهاينة يعملون على استغلال تأثيرهم من أجل السيطرة على الأدباء والكتاب العرب الذين يتجرأون على توجيه انتقادات للصهيونية، مؤكداً على أن العقاد جرب ذلك بنفسه .


وسعى أستاذ الأدب العربي بالجامعة العبرية عند ترجمته لمقدمة العقاد لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون التأكيد على رؤية العقاد بوجود مؤامرة يهودية، تؤكدها الأحداث التاريخية التي تتعاقب واحدة تلو الأخرى. مشيراً إلى الدور التوعوي والثقافي الذي لعبه العقاد داخل المجتمع المصري، لذلك خصص له الموقع الإليكتروني لوزارة الثقافة المصرية صفحة باسمه تشمل سيرته الذاتية وأنها بدأت بجملة :" عباس محمود العقاد، كان أحد أعمدة المثقفين المصريين فى عصر النهضة العربية فى القرن العشرين، فقد حمل لواء ضمير ورسالة مصر".


الاهتمام الإسرائيلي بكتابات العقاد لم يقتصر فقط على الدراسات البحثية الأكاديمية والمخابراتية، بل خصصت له صحيفة يديعوت أحرونوت صفحة خاصة بسيرته الذاتية على موسوعتها المعرفية على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت" بهدف تعريف القارئ الإسرائيلي به وبأعماله.


كل ما سبق سرده عن اهتمام إسرائيل بالإنتاج الأدبي والفكري للعقاد- وهو ما أُتيح لنا ذكره من نماذج لهذا الاهتمام- يؤكد لنا مراراً وتكراراً حرص الكيان الصهيوني على رصد أعمال الأدباء المصريين، الذين يمثلون الرئة التنفسية للمجتمع المصري، ومرآته العاكسة لمشكلاته وأزماته، على الرغم مما تمتلكه من أدوات ووسائل تكنولوجية للتجسس على مصر. وهنا تجدر الإشارة إلى أحدث التقارير المخابراتية الإسرائيلية التي نُشرت مؤخراً عن الرئيس الراحل أنور السادات، مع توليه رئاسة مصر عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، حينها تخبط ضباط الموساد والمخابرات الحربية فى تحديد ملامح شخصية السادات ومعرفة طبائعه وتفكيره، فما كان لهم سوى الاستعانة بأستاذ الأدب العربي، والمتخصص فى الأدب المصري بجامعة تل أبيب، البروفيسور شميعون شامير، الذي نجح فى تحليل شخصية الراحل السادات برؤية الأديب، وليس برؤية رجل المخابرات؛ لذا كانت مكافأة شامير، هى تعيينه كأول سفير لإسرائيل لدى القاهرة، عقب التوقيع على اتفاقية السلام.


على ضوء ما سلف لا يسعنا سوى التأكيد على ضرورة اختراق الحاجز الأدبي والفكري والمعرفي للجانب الصهيوني، ليس فقط من منطلق معرفة الآخر، بل من منطلق التأكيد على ضرورة التغلغل فيه والتأثير فى توجهاته وتحركاته، وهو الأمر الذي يقودنا بالتالي للحديث عن الأدب العبري باعتباره أحد وسائل القوة الناعمة التي يستخدمها الكيان الصهيوني فى تحسين صورته على المستوى الإقليمي والدولي، حيث أصبح الأدب العبري- المحدود والمسروق أحياناً- سفيراً متحدثاً باسم إسرائيل فى مختلف الدوائر والمحافل الثقافية والأدبية والفكرية الدولية. ونشير هنا إلى أنه أُقيم منذ أكثر من عشرين عاماً معهد لترجمة الأدب العبري، مهمته ترويج الأدب العبري فى الخارج، عبر آلية محددة ومنظمة؛ حيث يتم فى البداية إبلاغ دور النشر الدولية بالمطبوعات العبرية. ويجري إبلاغهم بنجاحات الكتاب العبريين، مثل الحصول على جوائز في إسرائيل وفي العالم، كما يتم نشر محاضرات للكتاب العبريين يقدمونها في جامعات العالم ومنتدياته الأدبية. وهكذا يصبح الكتاب العبريون البارزون، أمثال عاموس عوز، سامي ميخائيل، أ. ب. يهوشواع، الشاعر يهودا عميحاي، والكاتب المسرحي يهوشوع سوبول وآخرين كثيرين، معروفين في العالم. علاوة على ذلك الدور النشط الذي يقوم به الملحقين الثقافيين في السفارات الإسرائيلية بدول العالم المختلفة، والذين يحرصون على عرض الثقافة الإسرائيلية في الدولة المعنية، وأن يستضاف أدباء في الدولة المعنية. كما يشجعون دور النشر على التعرف على الأدب العبري.


إن تسويق الأدب العبري في العالم، هو بالنسبة لإسرائيل، مصلحة قومية عليا، وترجمة الأدب العبري إلى اللغات الأجنبية تُعْتبر مهمة قومية استراتيجية تضع الأدب العبري في مصاف الآداب البارزة، وتجعل الأدباء العبريين، الأساسيين، يُدْعون إلى المؤتمرات العالمية وإلى معارض الكتب العالمية، وهذا يفسر ترجمة الأعمال الأدبية العبرية لعدد كبير من اللغات الأجنبية، بينما يعاني الأدب العربي والمصري خصوصاً التهميش والإقصاء الدوليين، كما قال كاتبنا الكبير عباس العقاد منذ عقود طويلة.