ماضى الإخوان يكتب مستقبلهم!

05/01/2015 - 9:38:14

حسن البنا وسيد قطب حسن البنا وسيد قطب

كتب - أحمد بان

عام مضى، وعام جديد يأتى، ماذا يحمل هذا العام لجماعة الإخوان؟ تلك الجماعة التى توشك أن تكمل عامها الخامس والثمانين، ما ملامح المستقبل خصوصا بعد أن حمل عام 2014 العديد من الأحداث والمحن الجديدة فى حياة الجماعة، التى تحولت المحن لديها إلى أحد الثوابت، بالشكل الذى يجعل الماضى هو المرآة التى يمكن من خلالها أن نقرأ المستقبل .


دخل الأستاذ محمود عبدالحليم عضو الهيئة التأسيسية للجماعة ،وأحد المقربين من حسن البنا المؤسس وأحد من شاركوا صناعة تاريخ تلك الجماعة، وصاحب أهم مؤلف تعرض لتاريخ الإخوان المسلمون «أحداث صنعت التاريخ»، والذى أصر مصطفى مشهور أن يصدره بمقدمة يؤكد فيها على أن هذه وجهة نظر الكاتب وليست التاريخ الرسمى للجماعة، الذى لم تحرره الجماعة أبدا وإن أصدرت فيما بعد فى سلسلة أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، ذلك الكتاب الذى حاولت أن تخفى فيه ما أبداه الرجل، الذى كان أحد القلائل فى تاريخ الجماعة الذين امتلكوا رؤية ثاقبة ووضوحا فى النظر الإستراتيجى، مقابل عمى إستراتيجى لم تتحرر منه الجماعة عبر تاريخها ،دخل الرجل إلى اجتماع ضم قيادات النظام الخاص ممن خرجوا للتو من سجون ناصر فى العام 1972، فوجد أن هذا الاجتماع يشبه اجتماعا آخر سبقه بعشرين عاما فى العام 1953، يوم حذر عقلاء الجماعة من الصدام مع الدولة والوقوف معها فى معركة التحرير والبناء، لكن النظام الخاص ورجاله اختاروا الصدام الذى أدخل الجماعة فى محنتها الثانية فى 1954، بعد محنتها الأولى التى كان النظام الخاص أيضا مسئولاً عنها فى العام 1948 والتى أودت بحياة حسن البنا فى النهاية، نفس الوجوه ونفس الأفكار ونفس المعارك مع الدولة المصرية ، أيا كان عنوانها جلست تلك القيادات تتشاور فى مستقبل الجماعة، وما سيفعلونه بعد خروج آخر دفعة من الإخوان من السجون وما خطتهم .


تحدث الأستاذ محمود عبدالحليم بعد أن وجد سياق المناقشات يدور حول نفس المحاور القديمة، عن إحياء التنظيم السرى، وعمل تنظيمين أحدهما سرى والآخر علنى يعملان لهدف واحد، بمعنى أن تتفرغ قيادات النظام الخاص لإعادة بناء هذا التنظيم السرى على امتداد المحافظات بقيادة مصطفى مشهور وأحمد حسنين وحلمى عبدالمجيد وحسنى عبدالباقى، بينما تنشغل مجموعة أخرى بقيادة التلمسانى بالعمل العام والسعى للتطبيع مع المجتمع، على أن يلتقى الطرفان على هدف واحد وهوالوصول لحكم مصر .


قال الرجل لاتنظيم عام ولاتنظيم خاص، يجب أن تقرأوا التجربة بعناية، ما أراه ألا ننشغل ببناء أى تنظيمات، وينصرف جهدنا لبناء أكبر شركة إنتاج فى العالم تنتج الأفلام والكتب والأغانى والمسرحيات وكافة مفردات العمل الثقافى والفنى، التى تشتبك مع وعى ووجدان الأمة وتنتصر لقيمها، وهذه ستكون أكبر خدمة تقدمونها للإسلام، دون أن نكرر خطأ بناء تنظيمات تصطدم بالإنظمة وتدخلنا فى معارك عبثية تبدد الطاقات والجهود والأموال، دون أن تعود علينا وعلى البلد بشىء ،كانت الفكرة عبقرية العمل لامتلاك وجدان الناس وعقولهم دون الاصطدام بأحد وبناء القناعات بديلا عن بناء التنظيمات سرية كانت أم علنية .


اصطدمت الفكرة بالطبع مع قيادات الجماعة التى كانت قيادات بنت أزمة، ولا تتقن سوى إنتاج الأزمات ولا تستطيع أن تحيا دون معارك، تسوقها دوما للقواعد باعتبارها معارك الحق الذى يحملونه مع الباطل الذى يحمله كل الناس، انزوى الرجل بعيدا عن التنظيم حتى مات وهو يدرك ان الجماعة تعيد إنتاج خطايا الماضى، بثنائية السرى والعلنى، الدعوى والسياسى، المدنى والعسكرى.


ذكرنى د وحيد عبدالمجيد بواقعة تلتقى مع هذه الواقعة، كان هو أحد شهودها فى العام 1984 عندما كان عضوا بحزب الوفد، وشهد اجتماعا بين عمر التلمسانى مرشد الجماعة وفؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد ،عندما جلسا فى جلسة لمعاتبة الإخوان على عدم التزامهم بما اتفق عليه الطرفان فى إطار التحالف الانتخابى بينهما، حيث قال سراج الدين مخاطبا التلمسانى أنتم لا تستفيدون أبدا من أخطائكم، كرجل يقود سيارة وهو لايعرف القيادة، فيصطدم بالحائط ثم يقوم بإصلاح السيارة ، ليعود فيصطدم بنفس الحائط ، إما أن تغيروا تلك السيارة أو تغيروا هذا السائق " بطبيعة الحال لم تتغير السيارة ولم يتغير أيضا السائق، ومن ثم يتكرر الماضى مرة تلو الأخرى، ولم تعد الذكرى تنفع المؤمنين أو من يدعون الإيمان بالأحرى


هذه ببساطة عبرة الماضى التى تكتب ملامح المستقبل، فالجماعة التى جعلت هدفها الحكم وتوسلت له بالعمل الاجتماعى والدعوى، قبل أن تعلن الانتقال إلى العمل السياسى بعد عشرة أعوام من تأسيسها، ظلت مخلصة لتلك الصيغة الملتبسة، التى تخلط الدعوى بالسياسى، والسرى بالعلنى، والمدنى بالعسكرى وغيرها من الثنائيات التى ترسم مصيرها فى النهاية


لم تقف الجماعة لتسأل نفسها بعد كل تلك المعارك والدماء والأشلاء، وماذا بعد؟ وإلى أين المصير؟ ما حقيقة الجماعة وما حقيقة مشروعها؟ هل هى حزب سياسى يريد الحكم ؟ فلماذا لايصارح أعضائه إذن والناس بتلك الحقيقة، والتى سيترتب عليها أنه سيوجه خطاب للشعب المصرى يعتذر فيه عن كل ما جرى من الجماعة عبر تاريخها فى حق الدين والوطن، ويعاهد الناس على أن يكون مجرد حزب سياسى لا يدعى قداسة الوحى ويتحاكم لإرادة أعضاءه وخيارات الناس الحرة ، دون دعايا دينية وبشراكة وطنية مع الجميع، ليكون جزءا من خارطة سياسية تتسع لكل تيارات الأمة، قوميين ويساريين ليبراليين، أو تودع الجماعة السياسة للأبد وتشتغل فقط بالدعوة للقيم، تحت مظلة أزهر مستنير مستقل قوى ماليا وفنيا وعلميا، تقدم من نفسها وأعضائها مواطنين صالحين قدوات فى شتى الميادين، دون أن تتشوف للحكم أو للمنافسة عليه، بل تسعى لتجسيد مكارم الأخلاق بالحال وليس بالمقال


هذا هو التفكير العاقل الذى لا أظن أن الجماعة بتلك القيادة قادرة على أن تسلكه، لذا لا أرى المستقبل سوى أن هذه الجماعة بفعل إحتدام الجدل داخلها، خصوصا بعد الفشل السياسى والأخلاقى الذى حاصرها فى الخارج والداخل، مثل تراجع الدعم القطرى الذى كان أبرز مظاهره إغلاق. قناة الجزيرة مباشر مصر، أهم ظهير إعلامى للجماعة والذى لن يعوض غيابه عشر قنوات إخوانية كرابعة ومكملين وغيرها من قنوات التحريض والفتنة، سيأتى قريبا حبا أو كرها آوان المراجعة التى ستقود لانقسام هادئ دون صخب، بين مجموعات ستطلق السياسة لحساب الدعوة للقيم ومكارم الأخلاق، ومجموعات أخرى ستلجأ للانضمام لأحزاب سياسية قريبة منها كمصر القوية والوسط، وتمارس السياسة بقوانينها وتنطلق لتؤسس تجربة جديدة أتصور أنها ستكون مفيدة للحياة السياسية، أما الشطر الأخير فسيكون أقرب لمتحف الشمع الذى سيحتفظ بجثث من الشمع لتلك القيادات، من أمثال بديع والشاطر وغيرهم ممن سيتمسكون بذات النهج البائس الذى يردد مفردات الشمولية، ويصر على تحويل المعركة إلى معركة دينية بين الحق والباطل ،لكن هذا الجزء سيكون الأقل حجما والأدنى تأثيرا على المستقبل، فهؤلاء حصلوا من قواعد الجماعة على فرصتهم كاملة وأوردوا الجماعة المهالك سياسيا وأخلاقيا، بالشكل الذى قد يجعلهم أقرب إلى حالة أربكان التى تحرر منها أردوغان ورفاقه، وهو أمر تأخر فى مصر فى تجربة جماعة أحد أهم عيوبها البنيوية إنكار الواقع ورفض التعامل معه ،وبالتالى فروق التوقيت فى التعاطى معه لا أتصور أن يواصل جزء كبير من قواعد الجماعة الانتحار الجماعى مع تلك القيادة، بل سينخرطون فى مراجعة بعيدة عن وسائل الإعلام ستقود الجماعة ربما، إلى تلك الأقسام الثلاثة التى سيحدد شكل الانفتاح السياسى فى مصر، حجم كل قسم منها وطبيعة تجربته.