سياستها الداخلية ليست كذلك .. مصر تتفوق فى سياستها الخارجية

05/01/2015 - 9:36:51

الرئيس عبد الفتاح السيسى الرئيس عبد الفتاح السيسى

كتب - السفير د.عزمى خليفة

المتابع لحركة السياسة المصرية سرعان ما يلاحظ أن نجاحها فى السياسة الخارجية مطلق بنسبة 100% فقد عاد التوازن إليها بإقامة علاقات شراكة إستراتيجية مع كل من روسيا ثم الصين مؤخرا إلى جانب علاقة الشراكة الإستراتيجية التى تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية منذ بدء الرئيس الراحل أنور السادات مسيرة السلام فى الشرق الأوسط بزيارته التاريخية للقدس وخطابه الرائع فى الكنيست الإسرائيلى عام 1977، ومن الواضح أن رؤية مصر لسياستها الخارجية واضحة وضوحا تاما ويتسم الأداء الدبلوماسى المصرى بالهدوء دون ضجيج وبالثقة بالنفس وبفهم واع لدور مصر الإقليمى والدولى.وبرغم أن السياسة الخارجية للدولة - لأى دولة وليس لمصر فقط - ما هى إلا امتداد لسياستها الداخلية بمعنى أن السياسة الخارجية هى مجرد تنفيذ للبرنامج الوطنى للحكومة فى المجال الخارجى تقوم عليه وزارة الخارجية أساسا، بينما السياسة الداخلية ما هى إلا البرنامج الوطنى للحكومة الذى ينفذ داخل مصر، وهذا يعنى أن نجاح السياسة الخارجية يعنى نجاح السياسة الداخلية وبنفس الدرجة تقريبا، إلا أننا نلاحظ نجاح سياستنا الداخلية ليس بنفس القدر الذى تحققه السياسة الخارجية بنجاح مطلق تقريبا فما معنى ذلك؟


قد يرى البعض أن هناك انفصالا بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للدولة ولكن لابد من استبعاد هذا الصيد فى الماء العكر، فالتاريخ لم يدلنا على دولة واحدة كانت سياستها الداخلية منفصلة عن سياستها الخارجية خاصة أن وزير الخارجية القائم على تنفيذ هذه السياسة الخارجية هو عضو فى الحكومة التى تضع البرنامج الوطنى الخاص بها، وله كلمته فى هذا البرنامج وأولوياته، وهو ملزم أمام رئيس الحكومة - فى النظم البرلمانية -وأمام رئيس الدولة - فى النظم الرئاسية والمختلطة - بتنفيذ ما يعد به ويصيغه فى البرنامج الوطنى، ومن ثم فمن غير المتصور ومن غير الممكن أن يلتزم بتنفيذ أمور لم ترتبط أساسا بالسياسة الداخلية للدولة وإلا فإنه سيساءل برلمانيا ورئاسيا ، فضلا عن ارتباك سفرائه ودبلوماسيته فى التنفيذ لغموض الهدف من السياسة المطلوب تنفيذها فى هذه الحالة ولانفصالها عن الواقع فى الدولة الأم.


ولكن مرد تفاوت نسب نجاح السياسة الداخلية لمصر عن سياستها الخارجية عدد من العوامل قد يكون من المفيد تحديدها فيما يلى:


أولا: طبيعة المرحلة التي تمر بها مصر وانعكاساتها علي تطبيق البرنامج السياسي:


فمصر تمر الآن بمرحلة انتقالية حساسة تتسم باستقطاب حاد فبالرغم من الدعم الشعبى الهائل للرئيس السيسى، وبالرغم من تناقص هذا الدعم عن النسبة التى نجح بها فى انتخابات الرئاسة (97.5%) وفقا لاستطلاعات الرأى ووفقا لبعض آراء أبناء الثورة المضادة حتى، إلا أن نسبة دعمه وشعبيته مازالت عالية جدا، ويكفى أنه بمجرد أن فكر فى التمويل الشعبى لمشروع قناة السويس ، فإنه حصل من أبناء وبنات الشعب على حوالى70 مليارا من الجنيهات فى غضون أسبوع تقريبا وفقا لما ذكره محافظ البنك المركزى هشام رامز.


يضاف إلى ذلك سيره بهدوء ودون استعجال فى البرنامج الذى يسعى إلى تطبيقه للعبور بمصر إلى بر الأمان الاقتصادى، والنهضة السياسية، والأمن والاستقرار الداخلى، فالمتابع لزياراته الخارجية يلاحظ أنه يسعى إلى زيادة الاستثمارات فى مصر، وإيجاد شركاء جدد للتنمية، وهذان الأمران - الشعبية المستريحة وبناء شبكة من شركاء التنمية - يوفران أرضية قوية لحسن تطبيق السياسة الداخلية.


ولكن لا ينبغى أن ننسى فى نفس الوقت أن البيروقراطية المصرية هى بيروقراطية عريقة وعتيقة ، عريقة بمعنى أن تاريخها من تاريخ الدولة المصرية وهى مخزن التجارب ومخزن المعلومات فى نفس الوقت ومن ثم فإن دورها يتزايد أهمية فى المراحل الانتقالية لأنها يمكن أن تكون صمام الأمان للدولة فى تنفيذ السياسة ولكنها فى نفس الوقت ، بيروقراطية عتيقة، وتتضح هذه العتاقة أيضا حينما تأخذ موقفا حياديا تجاه قضايا مصيرية فى أوقات الأزمات أو أوقات التحول .


وبالتالى فإن الرئيس السيسى وحكومته ينفذان السياسة الداخلية من خلال هذه البيروقراطية، وما بين عراقتها من ناحية وعتاقتها من ناحية أخرى يصطدمان بعقبات عديدة منها استمرار نظام مبارك ومؤيديه داخل مختلف أجهزة الدولة ، ووجود عناصر إخوانية فى بعض الدرجات الإدارية العليا بأجهزة الدولة، ولا أنادى بمحاسبتهم على فكرهم، ولكننى أطالب بتنشيط دور الرقابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات لمحاسبة المخطئين والفاسدين الذين يسعون بالفعل لتعطيل مصالح الشعب، بدءا من أصغر موظف إلى الوزير المختص.


علما بأن المسئول الذى يسعى لاتخاذ موقف محايد خشية المساءلة عليه أن يرحل أو يقال، فالشعب بدأ صبره ينفد، ولن يتحمل مسئولا يسعى للاستفادة من امتيازات المنصب الذى يحتله فى الحكومة، دون أن يتحمل مسئولية المنصب.


كذلك هناك نمط آخر من التنفيذيين الذين يورطون الحكومة بأفكار تضر ولاتنفع ، فأحد المسئولين ببعض المدن الجديدة تمخض فكره عن فرض مبلغ جزافى على فاتورة المياه تحت بند رى حدائق رغم أن إيصال السداد به قيمة كل ما استهلكه من المياه سواء للشرب أو لرى الحدائق، وهى فكرة لن تصمد أمام أول قضية أمام القضاء الإدارى لعدم دستورية الفكرة وتمييزها بين المواطنين على أسس غير قانونية وغير دستورية ، وكان الأجدى بهذا المسئول أن يمد خطين للمياه للسكان ، خط المياه العادى بنفس الأسعار المطبقة والتى أعلنتها الدولة، وخط آخر بمياه تصلح لرى الحدائق أو مياه عادية ولكن بتسعيرة معروفة من ناحية، ووفقا للاستهلاك الفعلى بموجب العداد من ناحية أخرى فمثل هذا الفكر بال ويضر ولا ينفع كما ذكرت.


ثانيا: طبيعة السياسة الخارجية:


أيضا فإن تنفيذ السياسة الخارجية أمر أسهل فى هذه المرحلة من تنفيذ السياسات الداخلية لأننا بالخارجية تعودنا وتربينا على التنوع الفكرى وتداول المعلومات وتبادل الآراء وأخيراً الفصل بين المعتقد الشخصى ومصلحة الدولة.


فالسياسة الخارجية تبنى على مصلحة الدولة وكيفية تحقيقها ومن ثم فالتنوع الفكرى مطلوب، ولذا كانت الخارجية فى أزهى عصورها حينما تجاور فى مكاتبها بالقاهرة وسفاراتها فى العالم شخصيات تنتمى لمدارس فكرية متنوعة، فكان فى موسكو د. مراد غالب بأفكاره اليسارية إلى جانب وفاء حجازى الناصرى ، ود. أشرف غربال ود. تحسين بشير بليبراليتهم، إلى جانب السفير العروسى ذى النزعة الإسلامية الصوفية، مع حفظ الألقاب رحمهم الله جميعا، وكانوا جميعا من أقطاب المدرسة الدبلوماسية المصرية وهى مدرسة تتسم بأنها تختار دبلوماسييها وفقا للكفاءة عبر امتحانات مفتوحة للجميع، ووفقا لمعايير دولية وليست محلية فالدبلوماسية بطبيعتها ذات معايير عالمية.


وجه السهولة فى التطبيق هنا أن التطبيق يتم فى إطار المصلحة القومية لمصر التى تحكم جميع الدبلوماسيين من أحدث ملحق دبلوماسى إلى أقدم سفير بالخارجية، وتتم المباحثات بين حكومات أساسا رغم تغير الأوضاع حاليا ومنذ بضع سنوات، إذ لابد أن نأخذ فى الاعتبار مصالح المجتمع المدنى الذى اصبح عضوا دوليا فاعلا مثل قضاة بلا حدود وأطباء بلا حدود وصحفيين بلا حدود، ومنظمة العفو الدولية والهلال والصليب الأحمر مثلا، ولكن المهم هنا أن هذه التنظيمات غير الرسمية عابرة الحدود والقوميات تعمل أساسا على الانتهاكات التى تقع فى مجال عملها وهى مرحلة تلى توقيع الاتفاقيات وبداية التنفيذ الفعلى للالتزامات المتبادلة.


ثالثا: الفهم الخاطىء للمعارضة السياسية:


أساس الحكم فى العالم التداول للسلطة أى أن حكومة اليوم تصبح معارضة غدا، ومعارض الغد يصبح حكومة اليوم التالى، فتداول السلطة ينبغى أن يتم سلميا عبر وسائل اضحت مقننة سياسيا وقانونيا مثل الانتخابات أو الانتخابات المبكرة إذا لزم الأمر، والانصياع لرغبة الشعب إذا لزم الأمر، ولكن البعض لدى انتقاله للمعارضة أو لرغبة الشعب فى إسقاطه يلجأ إلى إحداث حالة من الفوضى أو استخدام العنف للاستمرار فى الحكم، وهى أمور ستفرض مساءلته سياسيا آجلا أو عاجلا، فالعدالة الانتقالية لا تسقط بالتقادم وقد رأينا ملك المغرب يعتذر عما فعله أجداده من أخطاء فى حق الشعب . ولذا ذكر المرزوقى رئيس تونس المؤقت «أن الانتقال إلى صفوف المعارضة أفضل من دخول السجن" فى إشارة واضحة للرئيس الأسبق مرسى الذى رفض الاستجابة للملايين التى ملأت شوارع وميادين مصر كلها للاستياء من سياساته التى وضعت جماعة الإخوان المسلمين ومصالحها فوق مصر ومصالحها.


وبالتالى كان لجوء الإخوان للعنف سببا جديدا لعرقلة مسيرة السياسة الداخلية لأنهم لا يرغبون نجاحا لغيرهم ولا يرغبون فى الحكم بدونهم فكانت سياستهم إقصائية بحتة.


هذا الفهم الخاطىء لدور المعارضة أدى إلى بذل مجهودات غير طبيعية لإقرار الأمن فى ظل مواجهة الإرهاب الذى أتى به الإخوان المسلمون إلينا خلال فترة العام الذى حكموا فيه مصر فما بالنا لو كنا انتظرنا عليهم ثلاث سنوات أخرى ؟!


والخلاصة أن تفاوت نسب النجاح بين السياسة الخارجية والداخلية له جذوره الكامنة فى طبيعة البيروقراطية المصرية، وفى طبيعة المرحلة الانتقالية اللازمة للانتقال من الثورة إلى الدولة، وفى طبيعة السياستين الداخلية والخارجية، وهو ما يدعونا للتفاؤل أن عام 2015 سيكون عام الإنجازات المصرية، ومن يدرى فمن غير المستبعد أن يكون عام العدالة الانتقالية أيضا فنشهد مصالحة مصرية مصرية تنهى حالة الاستقطاب الحالى.