الأذكياء لا يموتون

29/12/2014 - 2:17:36

المخرج نادر جلال المخرج نادر جلال

كتب - أشرف غريب

لا أظن أن أسرة مصرية خدمت الحياة السينمائية مثلما فعلت أسرة المخرج نادر جلال الذى رحل عن عالمنا الأسبوع الماضى، ليس فقط لأن والديه هما الرائدان أحمد جلال ومارى كوينى، وإنما أيضا لأن خالة والدته هى السيدة آسيا داغر صاحبة الإسهامات الكبرى فى عالم السينما وعميه هما المخرجان الكبيران حسين فوزى وعباس كامل فضلا عن علاقات النسب والمصاهرة الكثيرة التى ارتبطت بها هذه العائلة الفنية، ثم أضيف إلى كل هؤلاء الجيل الثالث فى هذه الأسرة الفنية متمثلا فى المخرج الشاب أحمد نادر جلال .


شب نادر جلال إذن فى أسرة تتكئ على دعامتين أساسيتين أولاهما حب السينما التى كانوا يتنفسون هواءها فى البيت والاستوديو «ستوديو جلال» الذى أسسه والداه، وثانيتهما هذا التسامح الدينى الرائع والتعايش الراقى، لا فرق بين أحمد ومارى أو آسيا وحسين فى مجتمع يحترم الحرية الشخصية ويتقبل عقيدة الآخر، فنشأ نادر ليبراليا متفتحا ومثقفا واعيا وصاحب رأى أهله كى يكون مخرجا متميزا بعد أن امتلك أدواته السينمائية بالاكتساب والخبرة والدراسة والممارسة .. أنا شخصيا لمست هذا بوضوح فى كثير من النقاشات التى جمعت بيننا فى بعض البرامج التليفزيونية التى كنا ضيفين فيها .


وليس المهم هنا أنه قدم نيف وثمانين عملا سينمائيا وتليفزيونيا على مدى أربعين عاما تقريبا لكن الأهم أنه لم يتعال يوما على جمهوره أو استعرض ثقافته ومواقفه الحياتية عليه، وإنما كان أكثر مخرجى جيله قربا منه وتفهما لما يمكن أن يرضيه، لذلك - ويا للعجب - فقد كان نادر أكثر المخرجين نجاحا فى العمل مع نجمى الجماهير والمتنافسين اللدودين طوال عقدى الثمانينيات والتسعينيات نادية الجندى وعادل إمام، فقد أخرج للأولى أفلاما مثل : «جبروت امرأة، ملف سامية شعراوى، شبكة الموت، الشطار، مهمة فى تل أبيب، امرأة هزت عرش مصر، اغتيال، أمن دولة، و48 ساعة فى إسرائيل»، بينما أخرج للثانى، «ولا من شاف ولا من درى، واحدة بواحدة، سلام يا صاحبى، جزيرة الشيطان»، وسلسلة أفلام بخيت وعديلة، وغيرها فضلا عن أنه كان الوحيد الذى جمع بينهما فى فيلم واحد هو " خمسة باب " سنة 1983 .


ورغم أنه كان الوحيد أيضا من بين مخرجى جيله الذى حاول التواصل مع من كانوا شباب السينما فى بداية الألفية الجديدة من خلال فيلم " بلية ودماغه العالية " بطولة محمد هنيدى إلا أنه أدرك بعد هذه التجربة أن رياح التغيير قد هبت بالفعل، وأن مواصفات السينما السائدة لم تعد تناسبه، فآثر التوقف سينمائيا عند هذا الحد حفاظا على اسمه وتاريخه واتجه إلى العمل التليفزيونى تاركا لابنه أحمد ابن هذا الجيل مهمة استكمال مسيرة تلك الأسرة الفنية الرائدة .


لقد كان نادر جلال مخرجا ذكيا صاحب موقف .. وسوف تثبت الأيام - من جديد - بعد رحيله أن المبدعين الأذكياء أصحاب الموقف لا يموتون .