الخبراء: الفساد يختبئ فى غابة التشريعات

29/12/2014 - 9:54:46

جمال مبارك جمال مبارك

كتب - صلاح البيلى

تغلغل الفساد فى ظل نظام مبارك لعقود ثلاثة واستفحل حتى أصبح «فساداً بالقانون» أو ممنهجاً ومقنناً والسؤال: كيف للدولة أن تستعيد حقوقها الاقتصادية والمالية فى عقود أبرمت مع كيانات محلية أو دولية؟ .. «المصور» استطلع آراء عدد من أساتذة القانون الدولى وخبراء الاقتصاد والحوكمة بحثاً عن إجابة.


بداية يقول د. جميل حسين أستاذ القانون الدولى وعميد حقوق بنها سابقاً والمحكم الدولى إن الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد بها نصوص جيدة وكثيرة ولكننا بحاجة لإعادة النظر فى قوانينا المحلية لمكافحة الفساد لأننا نعانى من عدة مشاكل: أولها، كثرة القوانين التى تؤدى للتضارب فيما بينها ثم تؤدى للفساد لأن كل صاحب وجهة نظر يستند فى رأيه للقانون مثل تقنين المبانى العشوائية فقد تم ذلك بالقانون خاصة أوقات الانتخابات! .. والمعروف أن كثرة القوانين واللوائح تؤدى لنشر الفساد ونحن مسرفون جداً فى إصدار القوانين لدرجة أن كل شىء أصدرنا له قانوناً وبالتالى فالخطوة الأولى هى مراجعة تلال القوانين الموجودة خاصة المتعلقة بمكافحة الفساد وتقنينها ومنع التضارب فيما بينها وأن تبدأ الحكومة بمكافحة الفساد فى الجهاز الحكومى قبل أن تطبق مكافحة الفساد على القطاع الخاص لأن الفساد منتشر داخل الجهاز الحكومي خاصة فى الإدارة المحلية والمحافظات والمدن وجهاز التعمير بكل مدينة جديدة حيث تعتبر الرشاوى هى المفتاح الذهبى لقضاء المصالح كالحصول على قطعة أرض أو وحدات سكنية وبالقانون! .. وأجهزة مكافحة الفساد يجب أن تعطى فعالية أكبر مثل الرقابة الإدارية، وأن تطلق يدها فى العمل ومحاسبة الفاسد مهما كان موقعه لأنه أحياناً ما تضع الجهات الرقابية يدها على فاسد ثم تعجز عن اتخاذ إجراء ضده!


ويضيف: «من المعروف عالمياً أن من حق الحكومات الرجوع فى العقود التى شابتها شبهة فساد حتى بالولايات المتحدة الأمريكية و(منظمة مكافحة الفساد العالمية) وضعت قواعد لمحاربة الفساد منشورة للكافة ويجب أن نتعاون معها وغيرها من الجهات الدولية لمحاربة الفساد لأن ترتيب مصر والدول العربية - متقدم فى الفساد وهذا أمر مؤسف - نعم إن الفساد فى كل مكان حتى اليابان وأمريكا وانجلترا ولكنه بنسب متفاوتة وهناك حرب شعواء ضد الفساد تكشف المفسد أولاً بأول كما أن سمعة الأشخاص هناك على المحك فإذا ساء أحدهم أمر به شبهة فساد كان يعنى القضاء تماماً على مستقبله السياسى والاقتصادى».


المكافحة باحترافية


ويقول د. جمال سلامة أستاذ القانون بجامعة قناة السويس: «لقد استتر الفساد فى العهد السابق طيلة حكم مبارك بالقانون ومن حق المشرع تعديل القوانين أو إصدار قوانين جديدة لمحاربته بأثر رجعى استناداً للدستور الجديد إذا كانت الرغبة فى محاربته موجودة وليس منطق (عفا الله عما سلف). والمشكلة أن محاكمة مبارك لم تتم على فساده سياسياً واقتصادياً، وبالتالى لو كان حوكم سياسياً على فساده لكان كل ما صدر فى عهده يشوبه شبهة البطلان أما الآن وقد حصل على البراءة فإن الفاسدين بالقانون حازوا مراكز قانونية من الصعب تغييرها. وعلى سبيل المثال اقترحت مرة بعد الثورة تعديل نظام المعاش ليصبح عند 55 سنة للرجل و50 سنة للمرأة كى نتخلص من ورثة نظام مبارك وفساده وإتاحة الفرصة أمام الشباب والأجيال القادمة ولكن لم يؤخذ به لأسباب مالية من ضعف الموارد المالية لتغطية هذا الاقتراح. والحل أن يلجأ المشرع لأساليب احترافية لمحاربة الفاسد وفساده بعدما حصن نفسه بمركز قانونى رسمى، نعم السيسى رجل وطنى ولديه طموح ولكننا نريد أن تنتقل روحه لأصغر موظف فى الدولة حتى لو كان بالأرشيف وأن تتغلغل هذه الروح فى الجسد الكبير لأن القاعدة العريضة هشة وبها قصور شديد يغرى بالفساد وانتعاشه!»


واقعة مصرفية


المصرفى محمود عبدالعزيز رئيس البنك الأهلى السابق قال إن جمال مبارك قد أمره ذات مرة بمنحه خمسة مليارات جنيه من أموال البنك ولما سأله: لماذا؟ رد عليه بعنف : «هو بنك أبوك» ! ورغم أن البنك الأهلى كبنك ليس ملكاً للحكومة ولا لجمال مبارك وليس من حقه الاعتداء على أموال المودعين فيه.!


عدم الدستورية


ويقول القاضى الدولى د. على الغتيت: «هذا الموضوع فى صميم الإشكالية التى تعرقل كل تحرك نحو الإصلاح لأنه بمثابة البطين الأيمن للأزمة التى تعرقل نجاح الثورة والاستقرار، وللحديث فيه نحتاج لدراسة علمية اقتصادية قانونية أخلاقية لأنه موضوع مهنى فى فلسفة التشريع وله أدواته المهنية المتخصصة الدقيقة مثل مراجعة كل القوانين السابقة وإذا اكتشفنا بها شبهة عوار نحكم بعدم دستوريتها. فنحن بحاجة لهذا الإجراء البحثى العميق ولا يجب الكلام فى أى شىء إلا بعد إنجاز هذا الجانب البحثى المهنى لتقف مصر على قدميها ولمنع تكرار ما حدث مستقبلاً وهناك أمثلة فى تاريخ القانون المقارن وبدائله متعددة ويحتاج الموضوع لتكليف رئاسى لتعضيده وتمكينه لأن فى مرحلة المبادرات تأتى من الناس والاستجابة من الرئيس، وأناشد مجلة «المصور» عقد هذا المؤتمر العلمى المهنى بتكليف رئاسى لبحث هذا الموضوع والخروج بحل جذرى له يمنع تكراره فى المستقبل».


«قانون ناقص»


وتطالب د. منى الجرف رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار بإجراء تعديلات على القانون ليتضمن المراقبة على عمليات الاندماج والاستحواذ حتى يتاح للجهاز مراقبة الأسواق ضد أى أضرار تنتج عن هذه العمليات الكبرى كما طالبت باكتمال الهيكل الوظيفى للجهاز لرفع كفاءة الأداء وتنمية القدرات البشرية.


وأضافت: «إننا نواجه صعوبة فى التعامل مع القطاع العشوائى وهو الاقتصاد غير الرسمى رغم تعديل قانون المنافسة رقم 56 لسنة 2014 حيث تم تعزيز استقلاليته فنياً وإدارياً مع إقرار الإعفاء الوجوبى الكامل للمبلغ فى قضايا الاتفاقيات الدولية بما يساعد على سرعة الكشف عن مثل هذه الجرائم شديدة الضرر بالاقتصاد فضلا عن تغليظ العقوبات ، وحكم المحكمة الاقتصادية بتأكيد اختصاص الجهاز فى النظر فى الممارسات الاحتكارية بقطاعى الاتصالات والتأمين».


«لغز الصناديق الخاصة»


أخيراً يتفق الخبير الاقتصادى عبدالخالق فاروق مع الرأى السابق ويقول: بدأ لغز الصناديق الخاصة بعد هزيمة 1967 وتوسع سنة 1979 حيث بدأ عصر تفكيك الموازنة العامة للدولة بإنشاء صناديق خاصة لهيئة المجتمعات العمرانية وهيئة التنمية الزراعية وللبنك المركزى وللمناطق الاقتصادية الخاصة وبقانون فرض الحراسة ولصندوق تنمية الصادرات وبالجهاز الإدارى والإدارة المحلية ولاتحاد الإذاعة والتليفزيون وللجامعات والمراكز البحثية وغيرها.. وهى آلاف الصناديق التى أضاعت على الدولة المليارات سنوياً وتكونت شبكات فساد مروعة من كبار المسئولين بكل القطاعات السابقة مع إرضاء ذوى النفوذ، وخلقت تيارات وكيانات مالية خارج السياسة المالية الرسمية وتفاقم العجز بالموازنة وتضخم الدين المحلى والخارجى.


ولتفكيك منظومة الفساد يقترح فاروق ضمان نزاهة وشفافية النظام الانتخابى على كل المستويات ثانيا: مراجعة القوانين الاقتصادية التى صدرت عن مجلس الشعب طوال المدة من 1974 إلى 2011 والبالغة أكثر من 1441 قانوناً وبها ثغرات هائلة للفاسدين، ثالثاً: ضمان استقلالية السلطة القضائية وإصدار قانون محاكمة الرئيس والوزراء وإلغاء الصناديق والحسابات الخاصة.


وإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة والسياسات المالية لتصبح موازنة بالبرامج مع ضم الهيئات الاقتصادية إليها.


وإعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة إذ إن «التعليم والداخلية والصحة والأوقاف» تستحوذ وحدها على 65% من موظفى الدولة!


والمحور الثانى طبقاً لفاروق هو تفعيل دور الأجهزة الرقابية فى محاربة الفساد كمجلس الشعب وجهاز الرقابة الإدارية وجهاز المحاسبات ومباحث الأموال العامة والرقابة المالية والرقابة على الصادرات والواردات وجهاز المنافسة وجهاز حماية المستهلك وجهاز الاتصالات وغيرها.. فالأجهزة الرقابية قومية ونوعية متخصصة، وكأن مكتسبات الثورة يجب أن تكون تقارير الأجهزة الرقابية علنية لمنع التلاعب والإخفاء مرة أخرى.