أردوجان - جولن .. حلفاء الأمس .. أعداء اليوم

29/12/2014 - 9:34:38

اردوجان و جولن اردوجان و جولن

تقرير- عزة صبحي

بصدور أمر اعتقال فتح الله جولن يكون الصراع بين الرئيس التركي أردوجان وصديقه وحليفه القديم قد وصل إلي مراحله النهائية.. أردوجان يمضي قدماً في التخلص من كل معارضيه وخصومه في الإعلام والقضاء والشرطة ومؤسسات الدولة وكل من يعتقد أو يتصور أنه يمكن أن يشكل عائقاً أمام تحقيق حلمه بتركيا العثمانية.


أصدرت إحدي المحاكم التركية أمر اعتقال بحق فتح الله جولن رجل الدين ومؤسس وزعيم جماعة «خدمة» المقيم في الولايات المتحدة واتهمته بتكوين عصابة إرهابية تسعي للانقلاب علي الحكم وتصل عقوبة هذا الاتهام إلي السجن خمسة عشر عاماً، وتستعد السلطات التركية لتقديم طلب إلي الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم فتح الله جولن لمحاكمته في تركيا.


يأتي أمر الاعتقال في إطار الصراع بين أردوجان وحزب العدالة والتنمية من جهة وجماعة خدمة بزعامة فتح الله جولن من ناحية أخري وهذا الصراع الذي بدأ خفياً منذ عام 2007 وظهر في العلن في العام الماضي بعد كشف أوراق كل من الجانبين بوضوح وعلي الملأ.


نشأت جماعة خدمة في السبعينيات وتوسعت محلياً ودولياً منذ التسعينيات وركزت علي القطاع التربوي والتعليمي الذي اعتبره مؤسسها أنه المفتاح الأوحد لنهضة الأمة تملك الجماعة مائة مؤسسة تعليمية في تركيا وخمسمائة خارجها وتملك أيضاً إمبراطورية مالية قوية وإمبراطورية إعلامية فضلاً عن روابطها وجمعياتها المختلفة وللجماعة مؤيدون وأتباع وأنصار في كل أنحاء تركيا وتقدر أعدادهم بالملايين.. يرفض فتح الله جولن تسيس الإسلام ويعتبره دعوة أخلاقية وروحية في الأساس ويعتقد أن مجال فعاليته هو المجتمع وليس الدولة.. وبقدر ما يصلح الفرد والأسرة وتتقوي اللحمة الاجتماعية تتقلص الحاجة إلي تدخل السلطة المركزية الضابطة للشأن العام.. ورغم اختلاف رؤية فتح الله جولن عن رؤية حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوجان إلا أن مظلة الإسلام التي جمعتها جعلت وجود المصالح بينهما سبباً قوياً للتعاون لفترة طويلة حقق خلالها الاثنان أهدافهما.. دعمت جماعة خدمة حزب العدالة والتنمية في كل الانتخابات التي مرت بها تركيا منذ عام 2002 وكانت سبباً قوياً بل أساسياً في فوز الحزب من خلال حث أتباعها وهم بالملايين في تركيا علي التصويت لحزب العدالة والتنمية.. واعترف أردوجان بفضل جماعة خدمة في فوز حزبه علناً أكثر من مرة بل وروج لها في الخارج وتدخل وتوسط لدي زعماء الكثير من الدول لمنح الجماعة أراضي لبناء مشاريعها ومدارسها وفي السنوات الأولي من حكم أردوجان وهي سنوات الوفاق تمتعت الجماعة بحرية للعمل والحركة داخل تركيا بشكل لم يسبق له مثيل.


البوادر الأولي للخلاف كانت أثناء نظر ما يعرف بقضية الأرچينيكون وهي القضية التي اتهمت فيها الحكومة عشرات الضباط من المؤسسة العسكرية بالتدبير لانقلاب عليها عام 2007.. سبب الخلاف كان اتهام أردوجان للقضاة بأنهم موالون لفتح الله جولن وأنهم يتباطأون في محاكمة الضباط المتهمين ويلاحقون ضباطاً آخرين مقربين منه.. أما أول خلاف علني بين الطرفين فكان عام 2010 عندما انتقد جولن في تصريح رسمي أسلوب معالجة أردوجان لحادث السفينة مرمرة التي اعترضتها السلطات الإسرائيلية عندما حاولت دخول المياه الإقليمية الإسرائيلية.


توالت بعدها الخلافات في أوجه النظر في الشأن الداخلي والشأن الخارجي وبدأ كل طرف في استغلال نفوذه وسلطاته في ملاحقة الآخر ومحاولة القضاء عليه.. أردوجان من جانبه حمل جماعة خدمة وزعيمها فتح الله جولن كل المشاكل التي يواجهها مع المعارضة.. واتهمها بتدبير مظاهرات ميدان تقسيم في مايو 2013 وبالتدبير لفضائح تسريبات المكالمات التليفونية المتتالية التي كشف فيها الكثير من فضائح الفساد المالي واستغلال النفوذ لعائلة أردوجان والوزراء المقربين منه.. واتهمها أيضاً باستخدام أتباعها في جهاز الشرطة والقضاء في ملاحقة والقبض علي مقربين من أردوجان وأصدقائه في حزب العدالة والتنمية باتهامات بالفساد.. سارع أردوجان بإصدار قرارات وقوانين جاءت في معظمها غير دستورية وغير ديمقراطية بإغلاق المدارس التابعة لجماعة خدمة وفصل الآلاف من رجال الشرطة ومن رجال القضاء ومن العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة بدعوي تطهير الدولة من أتباع حركة جولن التي وصفها بالإرهابية ورغم أن قرارات أردوجان لاقت هجوماً محلياً ودولياً وإقليمياً وأدانها رسمياً الاتحاد الأوربي إلا أن أردوجان لم يلتفت إلي كل هذه الاعتراضات ومازال مستمراً في إقصاء كل خصومه ومعارضيه في كل المجالات.


جماعة خدمة من جانبها أكدت أن أردوجان ادعي كذباً كل هذه الاتهامات للجماعة ليجد سبباً أمام الرأي العام للتخلص منها.. وأكدت الجماعة أن أردوجان بعد أن تخلص من المؤسسة العسكرية التي كانت حارساً أساسياً للعلمانية في تركيا وضامناً للديمقراطية يسعي الآن للتخلص من كل من سانده ومن كل قوي قد تشكل عائقاً أمام مشروعه لبناء تركيا العثمانية.. وأكدت الجماعة أن أردوجان أصيب بجنون العظمة الذي أصبح سمة لقراراته ونمط حكمه وأنه في طريقه الآن وفي ظل استمرار نفس النهج الحالي للسيطرة الكاملة علي كل مؤسسات الدولة من إعلام وقضاء وجيش واقتصاد بحيث لا يسمح بأي معارضة سياسية له في المستقبل، وأكدت الجماعة في هذا الشأن أن القضاء عليها كقوة وحيدة الآن علي الساحة هو هدف أردوجان الأساسي في ظل ضعف وتآكل كل الأحزاب العلمانية التركية التي لم تعد تشكل أي ثقل سياسي في الشارع التركي.


إذا كان يمكن اعتبار جزء من اتهامات جماعة جولن لأردوجان يأتي في إطار الصراع بينها إلا أن الواقع علي الساحة السياسية في تركيا يؤيد الكثير مما جاء في دفاع جماعة خدمة عن نفسها.. ذلك أن أوامر الاعتقال والقبض والفصل للصحفيين في تركيا بلغت حداً غير مسبوق من قبل - 500 صحفي - ولقب عام 2014 بالعام الأسود للصحافة.


هذا غير حملات التفتيش والمداهمة والمراقبة للمؤسسات الإعلامية شهدت تركيا أيضاً فصل أعداد غير مسبوقة في كل مؤسسات الدولة، ويرفض أردوجان أي محاولة للاعتراض أو النقد أو التعليق علي قراراته سواء علي المستوي المحلي أو المستوي الدولي ظهر ذلك في هجومه علي الاتحاد الأوربي الذي انتقد قمعه للمعارضة وفي سخريته من الرأي العام الذي اعترض علي البذخ في بناء قصر يضم أكثر من ألف ومائة حجرة.. ويبدو أن أردوجان يعرف جيداً ضعف الأحزاب السياسية الموجودة في تركيا ويعرف أيضاً مدي حاجة القوي الدولية لتركيا في مشاكل الشرق الأوسط والمشاكل الإقليمية بحكم موقعها واتصالاتها بأطراف المشاكل والأزمات القائمة.


إدراك أردوجان لهذه الحقائق جعله يضرب عرض الحائط أيضاً بالدستور التركي الذي جعل منصبه شرفياً بلا فعالية سياسية لكن أردوجان يسيطر ويقود السلطة التنفيذية بكل وضوح وجعل من داود أوغلو رئيس الوزراء مجرد واجهة سياسية له ولم يكلف نفسه الانتظار حتي يأتي البرلمان الجديد في العام القادم ليعدل الدستور ليضيف صلاحيات واسعة لمنصب رئيس الدولة تمكنه من فرض سيطرته علي كل أجهزة الدولة في إطار تحقيق حلم تركيا العثمانية.



آخر الأخبار