عودة العلاقات الأمريكية - الكوبية .. حسابات المكسب والخسارة

29/12/2014 - 9:33:12

أوباما و كاسترو .. عهد جديد أوباما و كاسترو .. عهد جديد

تقرير- هالة حلمي

مع الآمال الواسعة التي يعقدها الشعب الكوبي علي قرار أوباماً الأسبوع الماضي بفتح صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية - الكوبية بعد سنوات من العداء وصلت إلي أكثر من نصف قرن تتزايد المخاوف من محاولات أعضاء بارزين في الحزب الجمهوري الأمريكي إفشال خطة الرئيس أوباما لتطبيع العلاقات الأمريكية - الكوبية أو إبطائها علي أقل تقدير ولكن هذا لا ينفي أن الكثير من الساسة الأمريكان ديمقراطيين وجمهوريين أيضاً يجدون أن سياسة العزلة التي فرضتها أمريكا علي كوبا هي سياسة عفي عليها الزمن وإنها لا تحقق الأهداف الأمريكية وإن هناك من الوسائل الأخري الحديثة التي يمكن أن تحقق المصالح الأمريكية وبأقل الخسائر الممكنة.


جاء قرار الرئيس أوباما بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا بعد مفاوضات سرية استمرت 18 شهراً بين البلدين واستضافتها كندا وتمت تحت رعاية البابا فرانسيس ليخرج بعدها الرئيس أوباما والرئيس الكوبي راؤول كاسترو معلنين في نفس التوقيت فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وحرص أوباما في كلمته علي التأكيد بأن سياسة العزل لم تنجح وإن الوقت قد حان لتغيير أسلوب التعامل.. وقد صاحب هذا الإعلان عملية تبادل للسجناء بين البلدين تم بموجبها الإفراج عن المقاول الأمريكي آلان جروس المحتجز في كوبا منذ خمس سنوات وثلاثة من المسجونين الكوبيين في أمريكا بتهمة التجسس.


ومن المنتظر أن يزور مسئولون أمريكيون هافانا في يناير لبدء محادثات التطبيع ووفقاً لما أعلن عنه سيتم خلال الفترة القليلة القادمة إعادة فتح السفارة الأمريكية في هافانا وتخفيف حدة القيود المفروضة علي التعاملات التجارية والمصرفية والقيود المفروضة علي سفر الأمريكيين إلي كوبا وسفر الكوبيين إلي أمريكا وتعزيز التعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كما تعهد أوباما بمراجعة وضع كوبا في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب والعمل مع الكونجرس للرفع النهائي للحظر التجاري وباقي العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة علي كوبا علي مدار السنوات الماضية.


وقد استقبل قرار أوباما بترحيب عالمي واسع سواء في الغرب أو الشرق وحتي من قبل روسيا وفنزويلا حليفتي كوبا في المواجهة مع الولايات المتحدة واعتبر الاتحاد الأوربي أن ما حدث هو علامة انتصار للحوار علي المواجهة ولكن في الداخل الأمريكي تعالت بعض الأصوات المنتقدة بشدة خاصة من قبل الجمهوريين من الكونجرس مثل المتحدث باسم مجلس النواب جون بويتنز الذي وصف ما قام به أوباما بأنه تنازل غبي وأشار إليه آخرون بأنه محاولة لاسترضاء عدو علي حساب المبادئ الأخلاقية وندد الرئيس الحالي بمجلس الشيوخ روبرت ميندينز بما يقوم به الرئيس أوباما قائلاً إنه مبرر السلوك الوحشي للحكومة الكوبية.


كما توقع عدد من المحللين أن تكون هناك معارضة قوية ضد إعادة العلاقات مع كوبا من قبل اللوبي الكوبي في أمريكا المحسوب علي اليمين والذي يعارض الحكومة الكوبية القائمة منذ ثورة الرئيس السابق فيدل كاسترو عام 1961.


ولكن ووفقاً لتحليلات أخري فإن الجيل الجديد من الشباب الكوبي الذي نشأ في أمريكا أكثر ارتباطاً وتعاطفا مع كوبا وهم أول من رحبوا بعودة العلاقات الأمريكية الكوبية ولعل هذا يفسر التحليلات التي اعتبرت تحرك أوباما بمثابة هدية قدمها لهيلاري كلينتون المرشحة المحتملة لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 والتي سارعت بإعلان تأييدها وترحيبها بقرار رئيسها لأنها بذلك قد تضمن تأييد شريحة لا يستهان بها من الناخبين الأمريكيين وهم الأمريكيون من أصل لاتيني والذين يمثلون في ولاية مهمة مثل فلوريدا 80% من عدد السكان.


وقد حرصت صحيفة الواشنطن بوست علي التأكيد أن أغلبية أعضاء الحزب الديمقراطي وبعض الجمهوريين أشادوا بقرار أوباما ونقلت عنهم قولهم بأن العلاقات الدبلوماسية أفضل كثيراً في تحقيق أهدافنا بدلاً من محاولة التخطيط لبرامج مثل تلك التي انتهت بآلان جروس في سجون كوبا «الجدير بالذكر أن المقاول جروس تم إرساله إلي كوبا.. وفقاً للواشنطن بوست لتوزيع أجهزة إنترنت سراً بين أفراد من المجتمع اليهودي في كوبا كجزء من برنامج يرعاه الكونجرس الأمريكي لتشجيع الديمقراطية في كوبا».


في حين أشادت وسائل إعلام أمريكية بالتوقيت الذي اختاره أوباما لإعلان قراره وبالتحديد قبل استيلاء الجمهوريين علي الكونجرس في نهاية يناير القادم وفقاً لنتائج الانتخابات التي جرت في نوفمبر الماضي.. وبالنسبة لكوبا كما تشير صحيفة النيويورك تايمز فإن واحداً من أبرز العوامل التي دفعتها للترحيب بعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة هو المشاكل الاقتصادية التي تمر بها فنزويلا حليفتها الأولي في أمريكا اللاتينية والعالم والتي تمد كوبا ولسنوات طويلة بمائة ألف برميل نفط يومياً وبأسعار تفضيلية ورداً للجميل فترسل كوبا إلي فنزويلا الأطباء والممرضين المهرة والمدربين الرياضيين والخبراء العسكريين.. ولكن اليوم وفي ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط فإن اقتصاد فنزويلا يعاني أزمة كبيرة أعلنت معها حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادور عدداً من إجراءات التقشف مع خفض ميزانية بلاده ونفس الأمر ينطبق علي روسيا ثاني أكبر حليف لكوبا.


مصادر أخري أشارت إلي مصالح اقتصادية واضحة وراء تحرك أوباما خاصة بعد الإعلان منذ سنوات عن وجود النفط بالمياه الكوبية العميقة بما يقدر بـ6.4 مليار برميل إلي جانب 8.9 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي مما يؤهلها للانضمام لمجموعة دول العشرين المنتجة للنفط.


ولكن هذا لا ينفي اشتياق الـ11 مليون كوبي للانفتاح علي الغرب وتطلعهم لوصول المشروبات الأمريكية مثل البيبسي والكولا واستخدام وسائل التكنولوجيا والاتصالات الحديثة وتوقع الخبراء زيادة في الاستثمارات داخل كوبا وارتفاع مستوي المعيشة للأفراد مع انتعاش حركة السياحة كما توقع وزير الاقتصاد الكوبي ارتفاع معدل النمو إلي 4% العام القادم بعد 3.1% فقط هذا العام علي أثر تطبيع العلاقات الأمريكية الكوبية.


إذا كان البعض يصف قرار أوباما بأنه أبرز إنجاز تاريخي في سجل أوباما الرئاسي بعد أن فشل في تحقيق إنجازات علي صعيد ملفات أخري ساخنة سواء في إيران أو الشرق الأوسط أو أوكرانيا فإنه يمثل أيضاً نجاحاً للسياسة البراجماتية التي انتهجها راؤول كاسترو 83 عاماً الذي رأس بلاده خلفاً لشقيقه المريض فيدل كاسترو التي بدأت منذ وصوله للسلطة وظهرت جلية هذا العام عندما أصدر قانوناً لتشجيع الاستثمارات الأجنبية وجذب رءوس الأموال ولكن راؤول كان حريصاً علي مطالبة أمريكا باحترام الحكم الشيوعي في كوبا في الوقت الذي يعمل فيه البلدان معاً لتطبيع علاقتهما الدبلوماسية ونقلت وسائل الإعلام الكوبية كلماته المحددة «بنفس الطريقة التي لم نطالب فيها الولايات المتحدة بتغيير نظامها السياسي.. سنطالب باحترام نظامنا».



آخر الأخبار