العدالة العمياء والقانون الأعور .. والشعب المفتوح العينين

29/12/2014 - 9:25:42

غلاف سابق للمصور يفضح الفاسدين فى مصر غلاف سابق للمصور يفضح الفاسدين فى مصر

كتب - السفير د. عزمى خليفة

تتمتع منظومة العدالة فى العالم أجمع بالهيبة والاحترام وذلك بغض النظر عن طبيعة النظام السياسى أو درجة التقدم أو الإيديولوجية، وهذه الهيبة نابعة من القناعة العامة بان هذه المنظومة هى الحصن الأخير للمواطن للحصول على كافة حقوقه أمام المجتمع والدولة كاملة وهو أمر طبيعى إذ تتصارع ثلاث جهات لإعلان الحقيقة وفقا لتفاعلها بالحكمة وهى النيابة العامة التى تمثل الادعاء ثم المحامون الذين يمثلون سلطة الدفاع وأخيرا أعضاء المحكمة الذين يعلنون الحقيقة وفقا لما توافر لديهم من أدلة وتحقيقات واعترافات ، ولذا تمثل العدالة بسيدة معصوبة العينين وممسكة بميزان معتدل.


ولكن من عجائب الأقدار أن نرى رمز العدالة فى مصر سيدة معصوبة العينين فعلا ولكن فى يدها ميزان مختل ، ويبدو أن من صمم هذا الرمز أراد أن يشير إلى أن الغائب الحاضر فى هذه المنظومة المهيبة هو القانون، فالعلاقة بين الادعاء والدفاع والقضاء لا تستقيم دون وجود القانون الذى يمثل هنا الأداة التى يستخدمها الجميع لإثبات وجهات النظر المختلفة حول الجريمة التى تتناولها المحكمة لتصدر حكما سيصبح عنوان الحقيقة فور صدوره فيدان من يدان ويبرأ من يبرأ، ولذا تلجأ الدول المتقدمة إلى مراجعة تشريعاتها من آن لآخر، خاصة أننا نشهد تحولا فى نوعيات الجرائم وفقا لتطور المجتمع تارة مثل الجرائم المرتبطة بالإتجار فى البشر وتهريبهم أو قضايا الفساد السياسى والاستيلاء على المال العام أو وفقا للتطور العلمى تارة أخرى مثل الحروب السيبرانية وجرائم تزوير واستخدام بطاقات الائتمان البنكية.


كذلك هناك سبب ثالث لضرورة مراجعة الدول لنصوص القوانين المطبقة فى أراضيها وأقصد به تغيير الوزن النسبى للدولة فى المجتمع الدولى وفقا لمعيار مدى تطبيق الدولة للمعاهدات الدولية أو الاتفاقيات الدولية والأقليمية التى سبق ووقعتها الدولة، فمعظم هذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تحتاج إلى تشريعات داخلية لضمان حسن أداء الدولة لما التزمت به من التزامات.


هذه المراجعة الدورية للقوانين فى غاية الأهمية وينبغى أن تشمل جميع القوانين دون أى استثناءات عامة، وقانونا العقوبات والإجراءات الجنائية خاصة لما لهما من انعكاس مباشر على استقرار وحماية المجتمع وعلى أحكام المحاكم التى هى عنوان الحقيقة ومعنى ذلك أنها عنوان المجتمع أيضا إذ لا ينبغى أن يصدر قاضى حكما ببراءة متهم ثم يعقبه بجملة تشير إلى أنه وإن كان قد نجح فى الإفلات من حكم المحكمة لأسباب إجرائية أو لإفساد الأدلة فإنه يوما سيقف أمام الله العدل الذى لن يفلت منه، وذلك لأننا جميعا وبدون أى استثناء سنقف جميعا هذا الموقف، بما فى ذلك من اصدر هذا الحكم، وقد رأينا جميعا منذ أيام ماذا حدث فى مدينة فيرجسون الأمريكية من جراء حكم لم يقبله المجتمع لأنه آثار لديه حساسية من شبهة وجود سياسات عنصرية أى عدم المساواة بين ابناء الوطن الواحد للتمييز على أساس اللون ومن مساخر الأقدار أن تقع مثل هذه الأحداث فى ظل وجود رئيس أمريكى منتخب من الأصول الزنجية السوداء ولم نسمع من خرج ليدافع عن الوضع الخاطئ بادعاء أن الرئيس أسود ومن ثم لا توجد أى سياسات للتمييز العنصرى أو طالب بعدم التعليق على أحكام القضاء.


ومن المهم الإشارة إلى أن قانون العقوبات وقانون الجنايات قد نقلا إلينا من القانون الفرنسى خلال الحملة الفرنسية وكانا موضع إعجاب الجبرتى الذى عكف على نقل تفاصيلهما إلينا، وكانت مصادر إعجابه هى أنه وجد نفسه فجأة امام حضارة أكثر إنسانية وأكثر احتراما للكرامة البشرية كما أكد أن هذه الحضارة تقوم بتعيين دفاع عن المتهم بل إنها تمنع انتزاع اعترافات منه بوسائل غير قانونية مثل التعذيب وهى الأساليب التى كانت سائدة فى مصر عبر ذلك الحين.


وقد فوجئ الكثيرون مؤخرا بأن جميع قضايا الفساد المالى والتى تتعلق بالمال العام تنتهى بمضى المدة بعد ثلاث سنوات فقط وعنصر المفاجأة كان مصدره أن الإنسان المصرى عبر مختلف العصور تعود أن يترك للحاكم تنظيم المجال العام بالكامل، بمعنى أنه ترك له شئون الحكم بالكامل ، ترك له كل ما يتعلق بالحكم وتنظيمه وميزانيته، ترك له تحديد عقوبة اختلاس هذا المال أو سوء التصرف فيه ولذا فقد شهدت مصر نظام الحكم الفرعونى أو الملك الإله كما تعودنا أن نقول أما الشأن الخاص أى المعاملات المالية بين الأفراد وبعضهم فقد أمكن للشعب تنظيمها على نحو جيد وقد نقل لنا التراث الشعبى قصصا موحية فى هذا المجال، وفى معظم الأحيان خان الحاكم ثقة الشعب فيه خاصة أن مصر الحديثة لم تعرف سوى الحكم الملكى حيث كان الحاكم يحكم ويملك فى نفس الوقت، وبعد ثورة 1952 جاء الحكم الفردى مع تعبئة الشعب حول أهداف كانت قومية فى العهد الناصرى وكانت أزمة هذا النظام قومية أيضا متجسدة فى نكسة 1967 ولكن من المؤكد أن الفساد المالى لم يمس معظم قياداتها، أما فى عصر السادات فقد كان الانفتاح الاقتصادى الذى دعا إليه السادات اعتبارا من عام 1974 والذى أطلق عليه الكاتب أحمد بهاء الدين "انفتاح السداح مداح"نقطة الانطلاق للنهب المنظم لمصر واستنزاف مواردها .


أما عصر مبارك فرغم المساعدات الأمريكية ورغم أن ديون مصر الخارجية وصلت بعد حرب تحرير الكويت إلى قرابة 22 مليار دولار بعد تخفيضها للنصف الا ان هذه الديون تزايدت مرة أخرى لتصل فى نهاية عهده إلى حوالى 45 مليار دولار رغم بيع أصول مصر الممثلة فى شركات القطاع العام وبعض البنوك وكان تداول السلطة بين أقلية ارتبطت بنجلى الرئيس وأصبح الوزراء الاقتصاديون والوزراء المرتبطون بهم كالإسكان والسياحة يأتون من داخل هذه الدائرة الضيقة ، وقد بدأ الأمر بأداء ديون مصر وتسهيل سداد أقساط هذه المديونية من الحكومة المصرية وعلى حساب مشروعات كانت مخصصة للشعب فزاد الفقر فى مصر وتآكلت الطبقة الوسطى واختلف تركيبها ليزداد معدل الانهيار الاقتصادى ويتزايد معدل تركيز الثروة والسلطة ومن ثم يتزايد معدل نهب مر مع وضع قوانين تفصيل لحماية ظهر المفسدين، وقد ظهر فى هذه المرحلة منصب وزير قطاع الأعمال وهو الوزير الذى منح اختصاص تصفية القطاع العام وليس اختصاص تحسين أوضاع الشركات الخاسرة.


هذه الأوضاع كافية بنسف القوانين الاقتصادية فى مصر وإعادة النظر فى ثروات تلك الدائرة الضيقة من المفسدين كيف تكونت؟ما مصدرها؟ وما هى مدة تكوين هذه الثروات؟ إن المليارات التى نهبت ينبغى إعادتها للشعب المصرى، وكما حكم هم بالبراءة بالقانون ينبغى أن تعاد هذه الأموال بالقانون أيضا عبر ضرائب تصاعدية وعبر محاكمات عن سرقة أموال الشعب.


لا أطالب بمحاكمات خاصة أو استثنائية بل عبر تطبيق قواعد العدالة الانتقالية كما أصدرتها الأمم المتحدة وكما طبقتها أكثر من ستين دولة فهى قواعد تحقق العدالة خلال المراحل الانتقالية وبالنظام القانونى القائم وليس الاستثنائى خاصة أنها تسمح باسترداد الأموال المهربة بالخارج بعد أن تبخرت آمال استردادها بعد أحكام البراءة الأخيرة فالقانون الفاسد لا يمكن استمراره والفساد المقنن لا يمكن المحافظة عليه وإلا فإننا نتحول لنخبة فاسدة وهذا ما تريده نخبة مبارك والإخوان.


إن مصر فى حاجة ماسة لمراجعة قوانينها من خلال نخبة جديدة تعكس مبادىء ثورة 25 يناير بموجتيها تعكس التغيير الذى طرأ على حكم مصر، متمثلا فى مشاركة الشعب للحاكم فى تنظيم الدولة وشئون الحكم فهذه الثورة سبقتنا إليها شعوب أخرى يمكن الاستفادة من تجاربهم مثل بولندا والمجر وهذا أفيد من إصدار قانون لتجريم إهانة الثورة ثم العمل على السماح لقمم فساد مبارك للعودة للحكم ، ببساطة ووضوح نظام مبارك انتهت صلاحيته وعلينا جميعا الاصطفاف وراء الرئيس السيسى لإنهاء وجوده.