دار مصرتشعل أسعار العقارات

29/12/2014 - 9:23:23

د . مصطفى مدبولى د . مصطفى مدبولى

كتب - عزت بدوى

كان من المفترض أن يكون مشروع «دار مصر» للإسكان الذى طرحته الحكومة منتصف الشهر الماضى فى ثمانى مدن جديدة هو البداية الحقيقية لجنى المصريين ثمار ثورتهم فى 25 يناير 2011، واستعادتها فى 30 يونيه 2013، خاصة أن أزمة الإسكان تحولت إلى كابوس يطارد المصريين فى يقظتهم وأحلامهم بعد أن عجزت الغالبية العظمى من الأسر المصرية عن توفير وحدات سكنية تستوعب أبناءهم وتساعدهم على بناء عش الزوجية بعد أن ضاقت مساكن أسرهم عليهم فاضطروا إما للبناء على أراضيهم الزراعية بعد تبويرها، وإما للإقامة فى مساكن عشوائية على حافة جميع عواصم المدن المصرية.


لقد تفرغت كافة حكومات الأنظمة السابقة بعد رحيل جمال عبدالناصر للعمل على خدمة الأغنياء فقط ليزداد الأغنياء ثراء ويزداد الفقراء فقرا وتندثر الطبقة الوسطى وتتدهور أحوالها المعيشية بعد أن تدنت دخولها ومستوياتها الاجتماعية لتزداد الفوارق الطبقية فى المجتمع بين قلة ثرية تستحوذ على كل شىء وأغلبية ساحقة تصارع ما بين الفقر والفقر المدقع.


وجاء مشروع «دار مصر» وكان من المفترض أن يساهم فى تلبية احتياجات الطبقة الوسطى فى المجتمع لسكن يحفظ لهم كرامتهم ويقضى على المضاربات فى السوق العقارية وينهى أزمة الإسكان فى مصر.. فإذا به يشعل أسعار العقارات فى المدن الجديدة.


وللأسف الشديد جاء مشروع «دار مصر» وبدلا من أن يساهم فى التصدى للمضاربات ويقود إلى خفض أسعار الوحدات السكنية فى المدن الجديدة فإذا به يشعل المضاربات على أسعار العقارات فى مصر كلها بصفة عامة وفى المدن الجديدة بصفة خاصة، وبدلا من أن يتوجه لحل مشكلة إسكان الطبقة الوسطى فى المجتمع اقتصر حجز وحداته حتى الآن على الأغنياء فقط وبات أبناء الطبقة الوسطى يندبون حظهم بعد أن فاتهم قطار الإسكان، فهم لم تنطبق عليهم شروط حجز وحدات الإسكان الاجتماعى التى طرحتها الحكومة فى الشهر الماضى لمن يقل دخله عن 1200 جنيه شهريا ولا هم لديهم الملاءة المالية لحجز وحدات دار مصر التى قالت الحكومة أنها مخصصة للطبقة المتوسطة إلا إذا كانت تقصد الطبقة المتوسطة فى النمسا أو فرنسا أو إنجلترا !!


إن كافة المؤشرات تؤكد فشل حجز المرحلة الأولى من وحدات الإسكان المتوسط البالغ عددها 30 ألف وحدة سكنية فى ثمانى مدن جديدة والتى تنتهى مهلة حجزها - غدا الخميس - فما تم حجزه منذ 25 نوفمبر الماضى وحتى يوم الأحد الماضى لم يتجاوز 16 ألف وحدة سكنية رغم أنه تم بيع أكثر من 66 ألف كراسة شروط لبيع هذه الوحدات ولم يعد أمام الحكومة الآن سوى أن تمد مهلة حجز هذه الوحدات للانتهاء من بيعها.


إن أقل سعر وحدة سكنية فى مشروع دار مصر لايتجاوز مساحتها 100 متر فى القاهرة الجديدة يصل إلى 425 ألف جنيه ومن يرغب فى الحجز عليه أن يسدد 10% مقدما ومثلها عند التعاقد أى سداد 85 ألف جنيه، لكن الأهم من ذلك هو أقساط باقى سعر الوحدة سواء تم السداد على 16 قسطاً ربع سنوى أو من خلال التمويل العقارى بفائدة 8%، فإذا تم السداد على 16 قسطاً ربع سنوى فالمطلوب دفع 340 ألف جنيه على أربع سنوات وبواقع 85 ألف جنيه فى العام الواحد، إما إذا تم السداد من خلال التمويل العقارى فلابد إن يثبت أن دخله الشهرى لايقل عن 5 آلاف جنيه شهريا فهل ما يحصل عليه موظفو الدولة وهم يمثلون الشريحة الكبرى من الطبقة الوسطى يحقق لهم هذا الشرط أم إن وزارة الإسكان تخاطب طبقة وسطى خارج مصر.


إذا كانت حكومة المهندس إبراهيم محلب وهو رجل إسكان قبل أى شىء - جادة بالفعل فى طرح حلول عملية لأزمة الإسكان خاصة للطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة، فعليه أن يقدم الأرض مجانا لهذه المشروعات حتى يوقف البناء على الأراضى الزراعية من جهة وزحف العشوائيات من جديد على عواصم المدن من جهة أخرى وهو ما يكلف الدولة مئات المليارات من الجنيهات لاستصلاح الصحراء وزراعتها وتطوير العشوائيات التى تحاصر المدن من كل جانب .. كما يجب على الحكومة أيضا أن تستعين بالإدارة الهندسية للقوات المسلحة وتجربتها الرائدة فى إقامة وحدات سكنية لأبناء القوات المسلحة على أعلى مستوى من الجودة وبأسعار لاتقارن بالمرة بالأسعار التى حددتها وزارة الإسكان فى مشروع «دار مصر».


لقد رفع مشروع دار مصر أسعار الشقق فى كافة المدن الجديدة بدلا من خفضها والأهم من ذلك أنه سيذهب للأغنياء ولا عزاء للفقراء.


من كان يتصور أن متر الوحدات السكنية فى مدينة الشروق يصل إلى 3100 جنيه فى مشروع «دار مصر» الذى تروج له الحكومة لحل أزمة الإسكان لأبناء الطبقة المتوسطة.. بينما كان القطاع الخاص يبحث عن مشترين لوحداته السكنية داخل نفس المدينة قبل طرح مشروع الحكومة بأسعار تتراوح ما بين 1000 إلى 1500 جنيه فقط للمتر الواحد.


ومن كان يتصور أن مدينة «بدر» التى كانت تسكنها الأشباح وتبحث عن سكان وسعر المتر فى وحداتها السكنية المطروحة من القطاع الخاص فيها لم يكن يتجاوز 700 جنيه بينما تحدد الحكومة سعر المتر بـ 2700 جنيه فى مشروع دار مصر وكأن القطاع الخاص والمستثمرين العقاريين فى المدينة يقبلون الخسارة بينما الحكومة تاجر شاطر وأنقذت تجارتهم من البوار.


إن شعب مصر كما أعلن الرئيس السيسى يعيش على 6% فقط من مساحتها بينما الـ 94% صحراء خاوية من السكان والدولة الآن تقيم أكبر شبكة من الطرق وتعيد ترسيم جميع حدود محافظات مصر.. وما على الحكومة إلا أن تستوعب فكر القائد لحل مشكلات البلاد بدلا من أن تترك زمام الأمور للدولة العميقة التى تعشش داخل كافة دهاليز وأروقة الحكومة.