دردشة مع وزير الأوقاف

29/12/2014 - 9:18:03

د . محمد مختار جمعة د . محمد مختار جمعة

بقلم: د. سامح فوزى

أحد مقاييس نجاح أى حكومة- فى رأيى- أداء وزير الأوقاف خاصة فى مجتمع جرى توظيف الدين لعقود طويلة بوصفه أداة لحشد الجماهير، وتوليد الشرعية، واستخدام الجماهير «كتلة صماء» موجهة فى الانتخابات والاستفتاءات العامة. من هنا تحولت المساجد، مثلها مثل المدارس، إلى أرض معركة بهدف السيطرة على عقول الناس.


في مكتبه دار حوار قصير. الرجل صريح جرىء، يعترف بالأخطاء، ويرى النقائص، ويسعى لتغييرها. وهو يرى أن المرء الذي يقول كلاما في المجالس الخاصة غير الذي يقوله في العلن لا يحترمه أحد، والأفضل هو الاتساق مع النفس، ما نقوله أمام «الخاصة» لا يختلف عما نقوله أمام "العامة"، هكذا نكون متسقين مع أنفسنا، ونتمتع باحترام الآخرين.


الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، جاد، واضح، حاسم فيما يفعل، لا يسمح بالأبواب المواربة، ولا يعيش في برج عاجي. عندما أفتى ياسر برهامي بأن يترك الرجل زوجته، ينجو بنفسه، إذا تعرض للخطر. كان رد وزير الأوقاف حاسما: الإسلام يأمر المسلم بالدفاع عن عرض امرأة أجنبية فما بالك بزوجته؟. وعندما أفتى آخر بجواز تلصص الخطيب على خطيبته أثناء الاستحمام، رد بحزم قائلا إذا كان هذا مسلكهم مع بناتهم وزوجاتهم، فليست هذه عقيدتنا، ولا منهجنا الذي نقبله على بناتنا وزوجاتنا.


في العلاقات الإسلامية المسيحية في المجتمع، يرى أنه ينبغي أن نكف عن اللقاءات الشكلية، أو ما اعتدنا أن نطلق عليه لقاءات تبويس اللحى، ونغوص في أعماق المشترك في الحياة بين المسلمين والمسيحيين، كلام لا يقال في جلسات خاصة فحسب، بل يمتد إلى حيث يوجد الناس، نمتلك شجاعة نقد الأخطاء، ومواجهة الأفكار المغلوطة، ورفض التطرف.


لديه أفكار كثيرة في هذا المجال. لقاءات إسلامية مسيحية مكثفة، دعوة الشخصيات الوطنية المنصفة من الجانبين إلى اللقاء، تأسيس مكتبة تحوي كل الكتابات المهمة التي خطها مفكرون مسلمون ومسيحيون من أجل بناء المجتمع المصري.


استنارة الخطاب الديني، والتخلص من كل شوائب تعلق به من عنف، وتطرف، وكراهية.


في تقديري أن حديث وزير الأوقاف يكشف عن إدراك حقيقي بأن الأزمة في أمرين: الأول الخطابات المواربة، ما يقوله كل طرف في مجلسه الخاص يختلف عما يصدره للعامة، إما خوفا أو ابتزازا من جانب الجماهير، أو نفاقا للأفكار المتطرفة المتفشية. أما الأمر الثاني فهو شكلية اللقاءات إلى حد أن الناس لم تعد تقبلها، وتصفها بأوصاف سلبية، ولاسيما أنها تنتعش في أوقات الأزمات.


ملف العلاقات الإسلامية المسيحية من الملفات التى تركتها الحكومات المتعاقبة نهبا للتطرف، وثقافة الشوارع، وفي بعض الأحيان جرى توظيفه على نحو سلبي مثلما حدث في عهد مبارك. هناك أفكار سلبية راسخة في نفوس الناس، وصور ذهنية خاطئة منتشرة، ولا تجد من يتصدى لها، أو يفضحها علنا. ولا ننكر أن هناك رياحاً سلبية هبت على العلاقات بين المسلمين والمسيحيين نتيجة نشاط بعض الجماعات المتطرفة التي اعتمدت على الحشد الديني، والطعن في عقيدة الأقباط، وسلبهم من حقوق المواطنة، وتشجيع الاعتداء عليهم قولا وفعلا.


وزير الأوقاف يقول إن وطنية الأقباط لم تعد تاريخا نقرؤه، ولكن رأيناه بأعيننا في أعقاب 30 يونيه عندما حرقت كنائس ومنِشآت مسيحية، يومها قال بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية البابا تواضروس "وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن".


المسألة الآن تحتاج إلى مواجهة جادة للفكر المتطرف الذي يجد سبيله بيسر في المجتمع المصري، نظرا لتردي التعليم، ورداءة الإعلام، وسطحية الخطاب الديني، وعشوائية وموسمية التصدي للتطرف. تتطلب المواجهة الجادة خططاً، وبرامج، وأدوات مؤسسية، وتصوراً للمستقبل يسمو على انفعال اللحظة الراهنة، ويعتبر مستقبل مصر يرتبط بارتفاع منسوب التسامح فيها، واستنهاض عناصر قوتها الناعمة المتمثلة في العلاقات الإسلامية المسيحية التي ينبغي أن تكون خارج دائرة التوظيف السياسى.


أرى حماسا ونزاهة وطنية في وزير الأوقاف، ورغبة في فتح ملفات ظلت حبيسة أدراج النسيان في دهاليز البيروقراطية، والسياسة الانتهازية، وتجنب مناطق الالتهاب. المطلوب هو مساندة التوجه، وتضفير الجهود المتفرقة.