مجلة الهلال فبراير2014

20/05/2014 - 10:21:29

مجلة الهلال فبراير2014 مجلة الهلال فبراير2014

كتب - د. عبداللطيف عبدالحليم ( أبو همام )

فبراير 2014

صــــــــورة الغــــــــــرب


لدى الأدباء المصريين



د. عبداللطيف عبدالحليم ( أبو همام )


 


«صورة الغرب غير الغرب»، حيث الصورة انطباع لدى المبدع، حين يعبر عنها، ولذا نقف عند حدود الصورة - وهى من أبواب الأدب المقارن - لدى نماذج محددة من الكتاب المصريين، ومعلوم أن الغرب ربما تدخل فيه أمريكا.


كانت الصدمة صباح غزو الحملة الفرنسية مصر، وقد نبهت أمة تريد أن تنتبه، ولديها قدرة على هذا، وإلا ما كان للحملة أى أثر، وقد شحذت همم المصريين أن يروا أنفسهم، وموقعهم من العالم، وكانت نهضة تمثلت فى بعث العلم العربى القديم وأدتها الحملة كما سوف نوضح فيما بعد.


جلبت الحملة وسائل النهضة، لكنها ما لبثت أن فرت بليل بعد ثلاث سنوات، ليست شيئا فى عمر الأمم.


نقف هنا بين رافض للنهضة بهذه الصورة، وأبرز ممثليها محمود محمد شاكر فى كتابه «رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا»، حيث يشن حملة ضارية على الغزو، وعلى المفتونين به من المصريين، مرتئيا أنه حلقة من حلقات الهجوم على العالم الإسلامى والعربى، الذى اطمأن لرقدة طويلة، وعلى العربية وثقافتها، مع أنها وسيلة النهضة الأوروبية، واستشهد بطلاب العلم الأوروبيين الذين قدموا إلى مصر، وتتلمذوا للشيخ حسن الجبرتى والد المؤرح عبدالرحمن الجبرتى فى العلم العربى القديم، وطبقوه فى بلادهم، ويرى محمود شاكر أن الحملة كانت شرا محضا، لا نزال نعيش عقابيله حتى الآن. ونحن نستعرض كلام شاكر نفسه يقول: «والذى لا شك فيه أن جذور قضيتنا كامنة فى نذير الاستشراق للمسيحية الشمالية، والذى أدى إلى انقضاض الفتى الصليبى المحترق المبير نابليون بغتة على دار الإسلام فى مصر لوأد اليقظة والنهضة ومعاجلتها فى مهدها قبل أن يشتد عودها وتستفحل فيسفح الدماء سفحا لم يفعل مثله جنكيزخان فيضحى عند مشرق كل شمس بخمسة أو ستة، ويطاف برءوسهم فى شوارع القاهرة، ويأمر قواده أن يتشبهوا به، ويهديه الاستشراق أن يختارهم من الطلبة النابهين من ورثة الزبيدى والجبرتى الكبير، ولكى يضمن الجزار بعد ذلك ألا يشب الصراع المشتعل بين سلاحين متكافئين، وثقافتين مكتملتين وضع الفتى الأهوج المحترق مشروعه الذى بينه لخليفته كليبر أن يجمع 500 أو 600 شخص من المماليك، فإن لم يجد عددا كافيا من المماليك فليستعض عنهم برهائن من العرب ومشايخ البلدان ويسفرهم إلى فرنسا، فيحجزوا فيها مدة سنة أو سنتين ليشاهدوا فى أثنائها عظمة الأمة الفرنسية، ويعتادوا على لغتنا وتقاليدنا، فإذا عادوا إلى مصر كان لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم.


ثم ذكر محمود شاكر خمسة من الأعلام الكبار الذين كان فى ذرعهم بعث النهضة العربية الإسلامية لإيقاظ دار الإسلام من الوسن والنوم والجهالة والغفلة وهم:


1 - البغدادى - عبدالقادر بن عمر، صاحب خزانة الأدب (1030 - 1093هـ - 1620 - 1663م) - فى مصر.


2 - الجبرتى الكبير - حسن بن إبراهيم الجبرتى العقيلى (1110 - 1188هـ - 1698 - 1774م) فى مصر.


3 - ابن عبدالوهاب - محمد بن عبدالوهاب التميمى النجدى (1115- 1206هـ - 1703 - 1792م) فى جزيرة العرب.


4 - المرتضى الزبيدى - محمد بن عبدالرازق الحسينى، صاحب تاج العروس 1145 - 1205هـ - 1722 - 1790م) فى الهند ومصر.


5 - الشوكانى - محمد بن على الخولانى الزيدى (1173 - 1250هـ - 1760 - 1834م) فى اليمن.


فعصر النهضة عندنا واقع بين منتصف القرن الحادى عشر الهجرى إلى منتصف القرن الثانى عشر، ويقابله منتصف القرن السابع عشر الميلادى إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى. هب البغدادى فألف ما ألف ليرد على الأمة قدرتها على «التذوق» تذوق اللغة والشعر والأدب وعلوم العربية، وهب ابن عبدالوهاب يكافح البدع والعقائد التى تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وأحدث رجة هائلة فى قلب ديار الإسلام، وهب الزبيدى يبعث التراث اللغوى والدينى وعلوم العربية وعلوم الإسلام، وهب الشوكانى محييا عقيدة السلف وحرم التقليد فى الدين، وحطم الفرقة والتنابذ، أما الجبرتى الكبير فكان فقيها حنفيا كبيرا نابها، عالما باللغة وعلم الكلام، ولكنه سنة 1731م ولى وجهه شطر «العلوم» التى كانت تراثا مستغلقا على أهل زمانه.. وقضى عشر سنوات حتى ملك ناصية الرموز كلها فى الهندسة والكيمياء والفلك والصنائع الحضارية كلها، ويقول عنه ابنه المؤرخ: «وحضر إليه طلاب من الإفرنج، وقرءوا عليه علم الهندسة وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل، واستخرجوا به الصنائع البديعة» هؤلاء الإفرنج هم المستشرقون الذين كانوا يجولون ديار الإسلام، وينقلون أخبار البلدان الإسلامية إلى بلادهم وأولى الأمر منهم، بعدما تبينوا الخطر الداهم الذى جاء يتهددهم إذا ما تمت هذه اليقظة، وكان رد الفعل هو العمل السريع المحكم، واهتبال الغفلة المحيطة بهذه اليقظة الوليدة، ومعاجلتها فى مهدها قبل أن يتم تمامها ويستفحل أمرها، وتصبح قوة قادرة على الصراع والحركة والانتشار.


كانت هذه رؤية محمود شاكر للحملة أو للحياة التى سبقتها ومهدت لها، وربما كان فيها ما يرشح لتصديقها أو تصديق أغلب ما يقوله، خاصة وأن الصورة لا تزال تقريبا كما هى تغيير الأزياء والأشكال، والأسماء، والمسميات أيضا، وهل كان الاحتلال الإنجليزى لمصر والاحتلالات الأخرى لبلاد العرب والإسلام، ثم ما نشاهده الآن من الغزو الأمريكى للعراق وغيره إلا سلسلة من تلك السلاسل المرسومة بعناية ودقة.


وقد رأى د. مجدى وهبة فى آراء محمود شاكر حوارا مع الأوروبيين، وإن كان غاضبا، وأنه إذا لم يستطع الغرب تقبل ما تقوله هذه «الرسالة» قبولا مطلقا فإنه من الضرورى أن يلتحموا مع الغضب والاستياء الذى تعبر عنه لأنها صوت


أصيل معبر عن عاطفة مشبوبة وألمعية بارعة عن أثر ما أحدثه الاستشراق فى العالم العربى بعد اثنى عشر قرنا من المواجهة.


ولم يكن الاستشراق كله بهذه الصورة إلا لدى المتعصبين من أبنائه، لكن هناك بعضا منهم يحاول الإنصاف خاصة وأنه لا يكتب إلا فى حدود ماتسمح به الكنيسة، وإلا قضى على ما يكتبه بأن يظل فى الأقبية الرطبة التى تعوق الذيوع والانتشار، وهناك أيضا محاولات من بعضهم أن ينصف وأن يحاول التجرد لكم بعد أن يعيبه التجوال فى الآثار القديمة من التراث العالمى، وحين لايجد غير المصدر العربى الإسلامى يعترف به مضطرا.


والاستشراق - عموما صعب على ذوي التذوق والنفاذ إلى سر العربية وآدابها ولذا يقفون بالوصيد لدى الدراسات التاريخية والوسائل الأخرى أو الظروف المحيطة دون الاقتراب من تحليل النصوص الأدبية التى تكاد تكون وقفا على أبناء كل لغة.


وليس محمود شاكر وحده فى هذا الصدد، حتى يتهم بالجمود والانغلاق، وكلها تهم باطلة، فهناك رجل قضى شطرا طويلا من حياته فى ديار الغرب، ومع ذلك لم يمنعه الحياد أن يقول رأيه، وهو عبد الرحمن بدوى المتعدد اللغات والثقافات، إذ يرى مثلا فى موسوعته عن المستشرقين أن «بالمر» مستشرق إنجليزى ومن عملاء الاستعمار البريطانى، و« هرشفلد» باحث يهودى فى غاية التعصب ضد الإسلام و «ريكولدو» راهب دومنيكى ومبشر عنيف الخصومة ضد الإسلام، والأب «لامنس» مستشرق بلجيكى وراهب يسوعى شديد التعصب ضد الإسلام، يفتقر افتقاراً تاما إلى النزاهة فى البحث، والأمانة فى نقل النصوص وفهمها، إلى آخر هذه القائمة، وكلام بدوى شديد الأهمية لأنه واقف على كل هذه الكتابات بلغاتها، وهو صاحب قدرة وفكر فلسفى فى فهم القضايا التى يعرض لها.


لكن الأسوا من هذا كله أن يشيع بين بعض كتابنا مثل هذه الآراء، وأن تحظى بالقبول الحسن، ومن يرفضها فهو عندهم متحجر، شديد الانغلاق ضد تلاقح الثقافات وضد النهضة التى علينا أن نخر لها ساجدين.


وثمة فئة أخرى رأت فى الحملة خيرا محضا وفى كل ما هو أوروبى فتنوا به، ولعلهم لم ينعموا النظر كثيرا، وهؤلاء على تفاوت: فمنهم رفاعة رافع الطهطاوى فى أغلب أعماله وكتابه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» وواضح أن رفاعة لا يزال يسجع ويلعب بالبديع خاصة وهو يقدم لأبناء جيله من المشايخ مثل هذه الطريقة ليقبلها الناس، ولئلا يسوء رأيهم فيه، فهو وإن رحل إلى بلاد الفرنجة إلا أنه لم ينس، ومثل هذا يضمن له القبول، وكتابه هذا مع جملة أخرى من التراجم، يرينا أنه يستخدم عينه ووعيه. وقدم كتابه أستاذه «سلفستر دى ساسى» و«جومار» ، وأشاروا عليه ببعض التعديلات وبعض المقترحات، وكان رفاعة رسولهم إلينا بآرائهم ورؤيتهم، إلا أن الذى يضمن له عندنا شيئا من القبول أنه كان ذا عين تقع على الأشياء، وتنخل ماتراه، فهو مفتون فتنة طاغية بكل ما هو باريسى، لكنه كان ينتقد ما يراه مخالفة للدين، غير أن الذى ينبغى ألا يفوتنا هنا أن رفاعة صعيدى ومن بيئة تقليدية جدا غير متمكن من علوم أمته وتراثه؛ لذا كانت فتنته فتنة الغرارة والغفلة التى يقع فيها الأغرار فى مثل سنه وثقافته، فهو قد اقتطف شيئا من دراسات الأزهر وعلومه دون التعمق فى علوم الأمة كلها خاصة وأن مناهج الأزهر فى أيامه كانت رازحة فى التقليد والحواشى المتأخرة التى لاتكشف عن وجه هذه الأمة، إضافة إلى أنه فتى فقير، بهرته أضواء باريس وكيف ينجو من أحابيلها، ومن أحابيل من يرون فيه رسولا لهم يحظى بما لم يستطيعوا أن يحظوا به لدى الأمة الإسلامية.


وكتابه مشاهد رحلة طالت، تحدث فيها عن الفرنسيين ولغتهم وعن الثقافة التى حصلها وعن الحضارة والمجتمع الفرنسى، عن تخطيط باريس من جهة وضعها الجغرافى وطبيعة أرضها ومزاج إقليمها، شارحا أصل كلمة باريس، ثم يتحدث عن أهل باريس وولعهم بالجمال والآلهة ويعترض على كلمة «آلهة» وإن كان يرى أنهم - الفرنسيين- لا يعتقدون اللفظ على الأصل، بل هو من المجاز، ويتحدث عن الحكومة الفرنسية، معجبا بالنظام الديمقراطى والدستور الفرنسى ويترجم مواده، ولعله هنا يرمز من بعيد إلى حث الحكومة المصرية أن تتخلى عن الاستبداد وأن تخضع للمحاسبة لكنه لا يمكنه أن يقول هذا صراحة. ثم يتحدث عن عادة سكنى أهل باريس والمواد التى يستخدمونها فى بناء مساكنهم وعن الكتب التى تكون فى الصالات البيتية ليطلع عليها الزائرون، وعن رحلاتهم خارج باريس صيفا، كما يتحدث عن أغذية أهل باريس، موضحا أنه لا يكاد يحب أطعمة الفرنسيين ويتحدث عن المشارب وعن مصادفته رجلا سكيرا خارجا من إحدى الخمارات، ثم يتحدث عن ملابسهم ويرى فى اللبس النسائى لطافة وإن كان فيها نوع من الخلاعة، ويتكلم عن ملاهى باريس ويعرف القارئ بالمسرح ورسالته، وفقر اللغة العربية فى المصطلحات الفنية، ويعجب بالرقص الفرنسى الذى يشبه الحركات الرياضية، ويتجول فى حدائق باريس حيث يتنزه العشاق ليلا، ويتحدث عن الحمامات ويقارنها بالحمامات القاهرية، ويعرج إلى وسائل حفظ الصحة، والمستشفيات والملاجئ وحب العمل لدى الباريسيين، ويعدد أنواع المصانع والمعارض، ويتحدث أيضا عن دينهم وإن كان لا يروق له عدم الالتزام بالدين، ويتكلم عن تقدم أهل باريس فى العلوم والفنون والصنائع، ولايفوت رفاعة أن يتحدث عن أصحاب المهن الرديئة حتى أنه يفرد حديثا عن الشحاذين.


ويترجم المؤلف مواد الدستور الفرنسى، ويعلق عليها، وهو فى كل هذا معجب وناقد فى الوقت ذاته، كما ترجم نشيد «المارسيلييز» وهو النشيد الوطنى، ولا يعرف الأدب العربى فى تاريخه الطويل مثل هذا الغرض الشعرى، ونحن مدينون له حتى الآن بمثل هذا اللون من الكلام؛ لأنه ألف أيضا نشيدا وتابعه تلميذه صالح مجدى، وهذا من ثمرات الاحتكاك بالغرب والتأثر به.


ورواية «علم الدين» لعلى باشا مبارك فيها أثر أوروبى آخر، و«حديث عيسى بن هشام» للمويلحى مقارنة جيدة بين الشرق والغرب، وبينهما لقاءات تؤكد عدم صدق المقولة التى قالها الشاعر الإنجليزى رديارد كيلينج: «الشرق شرق والغرب غرب ولايلتقيان».


وسار الناس فى هذا الدرب من ناحية التأليف الإبداعى والفكرى؛ لأننا نرى أن حديث عيسى بن هشام مثلا تأثر بالرواية وتقنياتها وإن كان فيها عثرات البداية، كذلك، «زينب» لهيكل باشا، لكن طه حسين غالى كثيرا فى ربط مصر بالثقافة الأوروبية حيث يجمعهما حوض البحر المتوسط، وربما كان يشايع تقليدا


متبعا آنذاك حيث كان الخديو إسماعيل يرى مصر قطعة من أوروبا، وأقام معمارا يشهد بهذا الانتساب، وكان طه حسين أحيانا يعود إلى الصواب، ويرجع عن آرائه أو بعضها دون أن يعلن هذا الرجوع، ولذلك تجد أكثر من طه حسين فى مواقفه وآرائه.


وهناك لويس عوض، وهو شديد النعى على كل ما هو عربى ومصرى، ويرى فى أوروبا كل ما ينبغى أن يقتبس، ويعلن فى بعض كتبه «فتح الإنجليز لمصر» أسوة بما هو شائع فى الكتب التاريخية العربية، ودعا إلى نبذ الفصحى، مرتئيا أنها عائق أمام النهضة، داعيا إلى العامية، ولويس عوض فى النهاية جملة متناقضات، ويحتاج إلى دراسة نفسية، تكشف عن العقد التى يعانيها.


وينبغى أن نقسم الكلام عن أدباء مصريين رحلوا إلى أوروبا، وقبسوا منها، وهم عدد كبير، وآخرين أخذوا الصورة عن الكتابات الأوروبية. من القسم الأول هيكل، وشوقى، ومصطفى عبدالرازق، وطه حسين، وزكى مبارك، ولويس عوض، وعبدالرحمن شكرى، وعلى الجارم وآخرون، ويمثل القسم الثانى العقاد، والمازنى، والزيات، والمنفلوطى، وبقية هذا الفريق، والمواقف تختلف، فشوقى مثلا حين ذهب إلى فرنسا قال فى مقدمة ديوانه: «إنه وجد فيها نور السبيل من أول يوم»، وهذا كلام ساذج لأن شوقى عموما محصن ضد الثقافة الأوروبية تسللت إليه بقدر، إلا ما كان من قصائد عن ذكريات باريس، وأعلامها من الأدباء والفنانين، وعن المناظر الطبيعية، ويحسن أن نذكر هنا قصيدته عن غاب بولون، وفيها نفس رومانسى لا يشيع كثيرا فى شعر شوقي:


يا غاب بولون ولى ذمم عليك ولى عهود


زمن تقضى للهوى ولنا بظلك هل يعود


حلم أريد رجوعه ورجوع أحلامى بعيد


وهب الزمان أعادها هل للشبيبة من يعيد


يا غاب بولون وبى وجد مع الذكرى يزيد


خفقت لرؤيتك الضلوع وزلزل القلب العميد


هلا ذكرت زمان كنا والزمان كما نريد


نطوى إليك دجى الليالى والدجى عنا يذود


فنقول عندك ما نقول وليس غيرك من يعيد


نطقى هوى وصبابة وحديثها وتر وعود


حتى إذا دعت النوى فتبدد الشمل النضيد


بتنا ومما بيننا بحر ودون البحر بيد


ليلى بمصر وليلها بالغرب وهو بها سعيد


ويأتى على الجارم فيذكر فى توقر ذكرياته فى إنجلترا فى قصيدة جيدة هى «حنينى طائر» وهو يتذكر هوى قديما هنالك، كما يذكر مناظر رآها فى لندن كالأعمى يسير فى الضباب، ظلمات بعضها فوق بعض، ويرثى لحال هذا الرجل، وكأنه يرثى نفسه فى تلك الغربة، ويصف منظرا فى إنجلترا، ويقول:


بلاد كأن الشمس ماتت بأفقها فظلت عليها أعين السحب تدمع


وقد ترجم هذا البيت إلى الإنجليزية أستاذه وعلقه فى غرفة الاستقبال، لكنه لا ينسى الحضارة الغربية ويأسى لحال الشرق على أيامه:


أساغ بنو الشرق الحياة ذليلة


وعيش بنى الغرب العلا والترفع


هم قادة الدنيا ونحن وراءهم


فضول وأذيال تجر ونتبع


رضينا بأن نحيا على الغرب عالة


كأن ليس فيما دون ذلك مطمع


ويصف العقاد والمازنى - وهما لم يزورا الغرب - ما وقعت عليه قراءاتهما، فتحدثا عن أعلام الغرب مثل شكسبير، وتوماس هاردى، وليوباردى، وبلاسكو إيبانيث، وبريمو دى ريبيرا، وكل هذه الأعمال شاهدة على أنهما لم يفقدا التوازن والاعتدال، بل كانت لهم رؤية خاصة، وبالذات عن الناقد الذى أعجبوا به وهو «هازلت»، وكتب المازنى روايات تشهد له بالتمكن من تقنيات القص وله ثلاثية مشهورة قبل ثلاثية نجيب محفوظ، وللعقاد خاصة مقال جيد عنوانه «طفت العالم من مكانى، وفيه جولات دقيقة، بل إن كتابه «رجعة أبى العلاء» طاف به فى الشرق والغرب وتحدث عن الحضارة الغربية وأعلامها.


وهناك اتجاه شعرى آخر هو جماعة أبوللو، ومن أعلامه أحمد زكى أبو شادى، وإبراهيم ناجى، وعلى محمود طه، وصالح جودت، وحسن كامل الصيرفى، وآخرون، وكان بعض هؤلاء مفتونا فتنة طاغية بالرومانسية، فأبو شادى كان يتحدث عن «كيتس» كأنه يتحدث عن نفسه، وكذلك كان يصنع رفاقه.


ونتحدث الآن عن نموذج يمثل أوفى تمثيل التأثر بالأوروبيين وخاصة أدباء فرنسا، وظهر ذلك فى آثاره على تفاوت، بل إن الشكل الذى ابتدعه فى الأدب الحديث وهو المسرحية، يمثل نباتا مستزرعا فى التربة المصرية والعربية عموما، ونقصد «عصفور من الشرق» وهو لون من رواية التجربة الشخصية حيث تقوم على تجربة مر بها الكاتب شخصيا، ومعلوم حين قرأها القارئ أن البطل هو الحكيم نفسه، فكل الصفات الجسدية والنفسية هى صفات الكاتب، والرواية تحكى أن «محسن» الشاب المصرى ذهب إلى فرنسا ليتم دراسته، وهناك سكن مع أسرة، ويصادق محسن «أندريه» الابن الشاب لهذه الأسرة، وهنا تتضح المفارقة، حيث يميل المصرى إلى المثالية والروحية فى حين يؤمن أندريه بالواقع والمادة، وتتضح المفارقة حين يذهبان معا إلى جنازة صديق فى الكنيسة فتتغلب الرهبة والخشية علي نفس محسن، فيعجب أندريه مرتئيا أن الذهاب إلى الكنيسة يشبه الذهاب إلى المقهي.


ويعجب محسن بفتاة فرنسية تعمل فى شباك التذاكر بأحد المسارح، وحسبه من المتعة أن ينظر إليها من مقهى قريب فى إجلال وخشوع، ويسخر أندريه من ذلك ويغريه بالاتصال بها فى جرأة لنيل المتعة معها، ويصنع محسن ما أغراه به صديقه فيتابعها حتى تقع بين أحضانه، ويخبر صديقه أندريه بهذا، فيؤكد له صدق نظرته الواقعية، وفشل المثالية التى يؤمن بها، لكن محسن يراجع نفسه ويغلبه الندم حين يحس أنه هبط من السماء إلى الأرض، وظلت العلاقة برغم ذلك مع «سوزي» وهو اسم الفتاة مدة أسبوعين، ثم حدث حينما كانا فى أحد المطاعم أن تنصرف الفتاة إلى شاب وسيم عرف محسن أنه صديقها، وأغلقت نوافذ الشعور به، وحاول الفتى الشرقى أن يعرف سر هذا التحول، فلم تأبه به، وأرسل إليها خطابا يخبرها فيه بآلامه وجرح كرامته، وترد سوزى بأن هذا حدث فعلا وتأسف له، لكنها أغلقت هذا الباب فى وجهه تماما. وهام محسن على وجهه وترك السكن قريبا منها، وتعرف فى تلك الأثناء بعجوز روسى كان يقرأ كتابا لكارل ماركس، ودامت بينهما المودة والمناقشة فى حل مشكلات الشرق مشيدا بالحلول المثالية والروحية، وذات يوم كان العجوز مريضا فدخل محسن عليه ورآه يقلب صفحات من الكتب المقدسة التوراة والإنجيل والقرآن، وسأله محسن لم هذا الاهتمام مع أنه غير مؤمن، فقال له: أريد أن أعرف كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى البشرية راحة النفس، ودار حوار طويل أكد فيه الروسى إفلاس الحضارة الغربية، وثراء حضارة الشرق، وحين ناقشه محسن قائلا إن فى الحضارة الغربية روحانية أيضاً، أجابه الروسى إيفا نوفيتش : إنها حضارة مستمدة من حضارة الشرق ثم أفاضا فى الكلام عن العلم التطبيقى، وعن سعادة البشرية إلى آخر الرواية التى يودع فيها صديقه الروسى، ومحسن يعود إلى مصر.


وكل هذه الأحداث والشخوص قائمة على هذه الفكرة ومعروف أن الحكيم من رواد الذهنية فى المسرح والرواية، وقد نجح إلى بعيد فى تصوير الحضارة الشرقية والغربية، دون ذوبان فى الأخيرة كما هو شأن بعض المصريين الذين فقدوا توازنهم أمام كل التيارات الغربية، بل إن بعضهم وهم لم يزوروا أوروبا كانوا أوروبيين أكثر من الأوروبيين أنفسهم، وكلها هزات وقلاقل فكرية تصيب أصحابها بما يشبه الزلزال. وحدث مرارا دعوات لايزال بعضها قائما إلى الآن مثل «مصر فرعونية» وكتابة العربية بحروف لاتينية، لكنها فى طريقها إلى الاندثار، وقد تنوعت مصادر الحكيم الأوروبية، لكنه أفاد منها دون ذوبان، ومثال ذلك «بجماليون» ففيها مشابه من أونامونو فى «الضباب» وخاثنتوجراو فى «سيد بجماليون» وإن كانت الأسطورة قديمة، وإن كان بعض النقاد أيضا يرى فيها مشابهاً من برناردشو، لكن خوليو سامسو وضّح هذه الحقيقة فى دراسة جيدة أبان فيها الأثر الإسبانى وترجمنا دراسته إلى العربية من أمد بعيد.


أما صورة إسبانيا أو الأندلس، فقد تراوحت بين التاريخ الأندلسى الزاهر والمنحدر فى مسرحيات شوقى وعزيز أباظة، والجارم فى روايته «شاعر ملك» عن المعتمد بن عباد، وقد أبدع الجارم كل الإبداع فى رواياته كلها، حيث أسقط الأحداث على الواقع العربى المؤلم، صور الشخصيات الإسبانية من داخلها.


وفى غنائيات شوقى وأباظة كلام جميل، وللأخير قصيدة عن رحلته إلى قرطبة يقول فى مطلعها:


قالوا: بلغتم، فهذا نور قرطبة


فقلت دل عليها ذكر سالفها


وهى من القصائد الجياد عن الأندلس.


ولنزار قبانى والبيّاتى كلام عن الأندلس التاريخية، وللأول قصيدة عن غرناطة، وكل كلامه لمسات خارجية لا تمس الشغاف، وحسبه سخافة هنا أنه وجد عند مدخل الحمراء فتاة غرناطية يقول فى ختام قصيدته عنها:


عانقت فيها حينما ودعتها رجلا يسمى طارق بن زياد


وكيف تكون الفتاة فارسا بطلا كطارق بن زياد، وكيف ينكّر رجلا فى مثل قامته «رجلا يسمى» وهو كلام بيّن الضعف والتهاتف.


وما دمنا نتحدث عن الأندلس أو إسبانيا فلكاتب هذه السطور كلام رمزى استخدم فيه التاريخ الأندلسى والإسبانى مسقطا إياه على الواقع العربى الردىء ووقف مليا أمام إسبانيا المعاصرة فوصف الراقصة «كارمن أشبيلية» وتنفس من رئتيها أو من رقصاتها العالية المعاناة التى عاناها الموريسكيون ويعانى منها أو أشد منها الآن العرب فى الشرق، وثمة قصيدة أخرى عن «خوستو» البواب الأندلسى، وكلها قصائد لا تقف عند التاريخ بل تتجاوزه إلى الواقع وكتب عن ذلك كثير من النقاد المصريين والعرب، بل تناوله بعض الباحثين فى رسائل جامعية، وأنا هنا لا أؤلف كلاما، بل ناقل لتلك الآراء.


صورة الغرب - عموما - وأرانى اختصرت جدا، لأن الموضوع يحتاج أكثر من كتاب، فهنا قرنان فى الأدب الحديث، كانت صورة الغرب تختلف باختلاف المواقف والثقافات والأدباء عموما.


وخير للشرق والغرب أن تظل الصورة حوارا بين الثقافتين، لا صراعا كما حدث ويحدث الآن أشد، والعلل جاهزة للصراع، تلبس ثوب الحق على جسد من الباطل، يرشح موتا ودمارا، وكله ليس فى صالح الإنسان، لكن يبدو أن الصراع سنة كونية لا تتخلف، إلا نادرا، والمحاولات دائبة للعقلاء من أجل رأب الصدع، وسعادة الإنسان حيث كان.


 


ي