البعض أكد أنه نوستالجيا لونية .. عودة أفلام الأبيض والأسود

22/12/2014 - 3:07:29

فيلم باب الوداع فيلم باب الوداع

تحقيق - حاتم جمال

رغم أن الإنتاج السينمائي المصري بالأبيض والأسود توقف منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي بعد ظهور أول فيلم سكوب ألوان عام 1956 وهو فيلم «دليلة» لعبد الحليم حافظ وشادية وبعده سيطرت السينما الملونة علي مجريات الأمور إلا أن سحر الأبيض والأسود ظل هاجساً يراود المبدعين في كل وقت بل وظهر بعض الأفلام الأبيض والأسود علي استحياء في تاريخ صناعة السينما المصرية إلي أن اصبح اتجاها عالميا في الفترة الأخيرة وشهدت السينما المصرية أفلاماً جديدة قدمت بتكنيك الأبيض والأسود منها «ديكور» و«زي عود الكبريت» وقبلهما «ناصر 56».


المتتبع للحركة السينمائية العالمية يجد أن مبدعي العالم لم ينسلخوا عن سينما الأبيض والأسود وكان تقديمها له أهداف مختلفة فتارة يضعون مشاهد الفلاش باك بالأبيض والأسود وتارة أخري يتحايلون علي الأفلام الدموية بهذا الشكل وثالثة يقدمونها لهدف درامى ففي السبعينيات وسط احتفاء المبدعين بسينما الألوان قدم المخرج الأمريكي ميل بروكس وبالتحديد عام 1974 فيلم «فرانكشتين الصغير» وتبعه المخرج وودي آلن عام 1979 بتقديم فيلمه «مانهاتن» وقام ستيفين سبيلبرج في عام 1993 بتصوير فيلمه «قائمة شندلر» بنفس الأسلوب كذلك المخرج تيم يورتون عام 1994 الذي قدم فيلمه «تجربة كلاسيكية» وفي عام 2004 قدم المخرج ستيفين سبيلبرج مع النجم الامريكي الاشهر جورج كلوني وكيت بلانشيت فيلم الألماني الطيب هذا فضلا عن عدد من الأفلام التي صورت بنفس الأسلوب.


أما السينما المصرية فلم تشهد وجود فيلم روائي طويل بالأبيض والأسود إلا مع بداية الألفية عندما اعاد المخرج محمد فاضل هذا الأسلوب في فيلم «ناصر 56» وكان هدفه السياق الزمني للفيلم.


عودة ظهور أفلام الأبيض والأسود جعلنا نتساءل عن أسباب العودة؟ وهل أصبح اتجاها عالميا؟ أم هو حنين للماضي كنوع من أنواع النوستالجيا؟ وهل يختلف تكنيك تصوير هذه الأعمال عن الأفلام الملونة؟ وغيرها من الأسئلة.


البداية مع اليونانية مارجريتا مارتا مخرجة فيلم «إلي الأبد» الذي حصد جائزة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأخير وقدمته بتكنيك الأبيض والأسود حيث قالت حاولت صنع حالة من التفاؤل باستخدام اللون الأبيض وعكس حالة الحب بين البطل والبطلة علي الرغم من الشجن والحزن الموجودين في الفيلم واستخدام هذا التكنيك جعلني اظهر أثينا المدينة الصاخبة بشكل أشبه بالخواء كنوع من أنواع الخواء العاطفي الذي يسيطر علي المدن الكبري وهذا يعكس الحالة النفسية للأبطال والمدينة.


أحمد عبدالله السيد مخرج فيلم «ديكور» بطولة خالد أبوالنجا وماجد الكدواني وحورية فرغلي الذي استخدم نفس تكنيك الأبيض والأسود قال: اعتمدت علي هذا الأسلوب لأن له علاقة قوية بقصة الفيلم فليس صحيحا أن الفيلم تم تصويره في الزمن الماضي لأن أحداثه تقع في الوقت الحاضر بين القاهرة والإسكندرية وتكنيك الأبيض والأسود أتاح لي استخدام اشكال فنية جديدة وهو مقصود لإبراز بعض التفاصيل المختلفة وهو جزء من اللعبة التي أحب تقديمها.


وحول اعتماده علي مشاهد من كلاسيكيات السينما المصرية داخل سياق الفيلم وخاصة أفلام فاتن حمامة وهل لها علاقة بهذا الأسلوب قال: الكلاسيكيات خط درامي بالعمل لأن البطلة مهووسة بالأفلام العربية القديمة ودائما ما تتابع تلك الأعمال وتعيش فيها كما أردت أن أوضح أمراً هاماً وهو عراقة السينما المصرية الضاربة بجذورها لمائة عام فضلا عن تقديمي تحية خاصة للفنانة فاتن حمامة مع أن الفيلم أظهر عدداً كبيرا من نجمات الفن الجميل وفي رأيي أن السينما الحقيقية انتهت بغياب هؤلاء النجوم والنجمات.


مدير التصوير رمسيس مرزوق أوضح رأيه قائلاً: أفلام الأبيض والأسود ذات مستوي وذوق عال لذا سأقيم معرضا للصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود في يناير القادم فهذا الأسلوب في التصوير يحتاج لإحساس عال جداً من مدير التصوير وتكنيكها اصعب فآليات المخرج قد تكون واحدة لكن التصوير مختلف وجماليات الصورة بكل ما بها لابد أن يظهر بإبهار يفوق إبهار الألوان وصعوبة أفلام الأبيض والأسود تكمن في إيصال إحساس الكادر.


ويتفق معه مدير التصوير سمير فرج الذي قال: إن أسلوب الأبيض والأسود يفوق الألوان بمراحل في صعوبته فالألوان ببعض تقنيات «السوفت لاين» تضبط الكادر أما الأبيض والأسود فيحتاج من مدير التصوير إظهار الابعاد والعمق وتجسيد المشهد ولابد أن يعلم المشاهد أن قرار تحويل الفيلم للأبيض والأسود للمخرج الذي يريد إيصال رسالة من هذا وليس استخدام التكنيك فقط فقد قام المخرج محمد فاضل باستخدام هذا الأسلوب في فيلم «ناصر 56» بهدف ربط الفيلم بالفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث وهناك بعض المخرجين استخدموا هذا الأسلوب في الفلاش باك فقط.


وأضاف أن صعوبة التصوير تكمن في غياب معامل التحميض والطبع بعد انتشار «HD الهاي ديفينشن» لكن المخرجين تغلبوا علي هذا في الفاينل كات وأصبح أسهل من الماضي.


ونفي فرج أن تكون ظاهرة الأبيض والأسود موضة في السينما العالمية مؤكدا أنها تستخدم لأهداف خاصة بالمخرج والمؤلف.


مدير التصوير د. كمال عبدالعزيز أوضح أن أفلام الأبيض والأسود طريقة لمزج الماضي بالحاضر فالتكنيك قديم يقدم بشكل «هاي ديفينشن» أى عالى الجودة وهذا الأسلوب يجعل المشاهد يتخيل الألوان فتزداد قدرة حواسه وينجذب أكثر للعمل وتخيله للملابس والديكور والاكسسوارات يخلق حالة تواصل أكثر بينه وبين الفيلم ولا أنكر أن تكنيك الأبيض والأسود له طعم خاص جدا بالنسبة لنا كمديري تصوير والعبء الأكبر في هذا التكنيك يقع علي عاتق مدير التصوير الذي يبذل جهدا مضاعفاً لخلق الابعاد والتنوع فمازالت قوة تأثير الأبيض والاسود أكثر من الألوان، وربما تكون حنينا إلي الماضي أيضا فعندما نري أفلام العشرينيات والثلاثنينيات من القرن الماضي نتمني أن نعيش تلك الحقبة التي تعتبر الفترة الذهبية للسينما في العالم وتأثيرها علي المتلقي في كل الفنون حتي الأزياء ونبتعد عن اللهاث خلف التكنولوجيا والكاميرات 8K-7K-4K ... الأبيض والأسود له سحره وجماله ونجومه فقد تتلمذنا علي أيدي عمالقة التصوير أمثال أحمد خورشيد وعبدالعزيز فهمي وجاليليو وعبده نصر هؤلاء العظماء من علمونا أبجديات هذه المهنة.


الناقد طارق الشناوي قال: اعتقد أن في هذا العالم تعيش الشعوب دائما حالة من النوستالجيا أي الحنين إلي الماضي والاعتزاز به وتختلف درجة عشق القديم من مجتمع لآخر ومن حقبة لأخري وفي عالمنا العربي دائما ما نطلق زمن الفن الجميل علي كل ما هو ماض ولا نحكم علي كل القديم بل نحكم علي ما أبقته الأيام منتصرا علي عوامل الفناء وهذا لا يقتصر علي السينما فهناك الغناء والمسرح الذي يعرف بالريبورتوار كما أن لدينا نوستالجيالونية وهي الحنين للأبيض والأسود والتي أصبحت موجودة بسبعينيات القرن الماضي بنسبة تصل إلي أقل من 3% وأصبح من السهل عن طريق المعالجات الكيميائية تلوين هذه الأعمال.


وأضاف: أن السينما ترنو إلي آخر صيحة في التقنيات لذا نجد انتشار الأفلام ثلاثية الابعاد وأمام هذا رأينا نوعا من المقاومة اللاشعورية ترنو إلي الحنين للماضي لذا شاهدت في مهرجاني أبوظبي والقاهرة عدداً من الأفلام التي تعيدنا لزمن الأبيض والأسود ولاحظت أن السينما المصرية تسترد زمانها القديم في فيلم «زي عود الكبريت» للمخرج الراحل حسين الإمام وهو ما تكرر في فيلم «ديكور» لأحمد عبدالله فهذه الأعمال تقفز فوق الأسوار لتطل علي الواقع ونستطيع علي الجانب الآخر أن نطل من الحاضر علي الماضي.


الناقد أحمد رأفت بهجت قال إن هذه التجارب ليست جديدة ففي الستينيات بدأ بعض المخرجين العالميين في تقديم رؤاهم بأفلام أبيض وأسود أمثال بيك وايلد وولير وايلر اللذين قدما في الستينيات والسبعينيات أعمالاً بالأبيض والأسود في الوقت الذي يلهث العالم كله خلف الألوان وأضاف: لا اعتقد أنه حنين إلي الماضي لأنه لابد أن يقدم بشكل إيجابي داخل السياق الدرامي للعمل فقد قدم المخرج محمد فاضل فيلمه «ناصر 56» ليعبر عن هذه الحقبة ففي الخمسينيات لم تكن هناك سينما ملونة مع أن الأبيض والأسود مكلف أكثر من الألوان فليس الهدف التوفير.


وقد يكون لهذه النوعية هدف آخر وهو تقليل حدة الدموية في الأفلام مثل فيلم «مدينة الخطيئة».


د. محمد حسن غانم استاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس أكد أننا كجيل تربي علي أفلام الأبيض والأسود التي عكست الشكل الجمالي لمصر من أشجار وشوارع بل رصدت واقعاً اجتماعياً راقياً ولاشك عندما نري هذه الأفلام ينتابنا حنين لتلك الفترة الزمنية ونقارن بينها وبين القبح الذي ملأ حياتنا وأري أن عودة أفلام الأبيض والأسود في السينما بهذا الشكل في العالم كله يعكس حنينا إلي الماضي وهناك تفسير آخر يتمثل في أنه نوع من الاحتجاج علي التكنولوجيا والواقع الحديث وما أصابنا من عمي لوني وقبح حتي وإن كنا ندعي أننا نصور الواقع كما هو ، مع أن الفن يسمو علي الواقع.