في ذكري الاستاذ أحلام فترة النقاهة

22/12/2014 - 3:06:29

نجيب محفوظ نجيب محفوظ

كتب - عاطف بشاي

"كلفني المنتج السينمائي بكتابة قصة كوميدية، فتصورت مدينة يكافح أهلها في سبيل لقمة العيش، ويشقون بما بينهم من خصومات، ويعانون الأمراض والحوادث، ثم يجيئ بعد ذلك زلزال مدمر فيقضي علي البقية الباقية منهم، ويمحو من الوجود ذكرياتهم، فكأنهم لم يوجدوا، فضحك المنتج وقال حقاً إنك فارس الكوميديا"..


هذا هو الحلم رقم (198) من مجموع مائتي حلم كتبهم أديبنا الكبير "نجيب محفوظ" من خلال قصص قصيرة تحت عنوان "أحلام فترة النقاهة" وهي آخر إبداعاته.


وهو حلم ساخر مرير.. يكشف عن مفارقة حارة ومؤلمة.. تثير ضحكاً كالبكاء عن واقع متداع يزداد تداعيه.


إذاً.. ظل مداد القلم ينبض بعطاء أخاذ مفعم بعطر الاشواق، وسحر الحب، ودفء الحياة، والرغبة الحارة في معانقة الأوراق.. حتي الرمق الأخير وظل العقل ينضح قريحته بإبداع ملهم عظيم قادر علي الابهار والتجدد والتطور، وتجاوز وهن الجسد، وارتعاشة اليد.. ظل "نجيب محفوظ" يبدع ويتألق ويسطع في حياتنا الأدبية الراكدة.. وظل قادراً علي إثارة الذهن وتحريك الوجدان وزلزلة الوعي، واشعال الخيال، فالأحلام هي خلاصة فكر يحمل رؤية عميقة تمزج بين الواقع والخيال.. المرئي والميتافيزيقي.. الحلم والحقيقة.. في إطار من الرمز المباشر احياناً، والمغلف في أحيان أخري كثيرة.. مستخدماً مفردات لغوية سهلة، وموشاة بإيقاع موسيقي عذب.. والأقصوصة هي حالة تشبه اللوحة.. السريالية" والفيلم "الكابوسي" الذي يذكرك بأعمال المخرج الايطالي الكبير "فيلليني".. ويقترب من عالم "كافكا" ومن عبث "يونيسكو" و "بيكيت" فإذا ما انتهينا من القراءة أدركنا ان الإحساس أقوي من الفهم، ومعايشة الكابوس غير المنطقي في تسلسله وتداعياته أهم من تفسيره..


يقول أديبنا الكبير في حلم آخر:


"اشتد العراك في جانب الطريق حتي غطت ضجته ضوضاء المواصلات، ورجعت الي البيت متعباً.. وهناك تاقت نفسي الي التخفف من التعب تحت مياه الدش، فدخلت الحمام، فوجدت فتاتي تجفف جسدها العاري، فتغيرت تغيراً كلياً واندفعت نحوها، ولكنها دفعتني بعيداً.. وهي تنبهني الي أن ضجة العراك تقترب من بيتي"


إنه في أسطر قليلة موجزة، سلسة خالية من الزخرف اللفظي، ومن الإطناب والتزيّد، عارية من المحسنات البديعية، والصور البيانية، مجردة من استعراض مهارات الوصف والحكي، يدخل مباشرة في قلب الوجود.. والغرابة تتوالي الأفكار، وتتكاثر المعاني في فيض وغزارة وغني عجيب.. معان موحية بدلالات كبيرة تتصل بقضايا فلسفية عميقة.. تتحدث عن غربة الإنسان، وعبث الوجود، ولا معني الحياة.. آمال لا تتحقق.. وأحلام تجهض وتتبدد وسط وحشة مسيطرة، وشر متحكم، وحزن مقيم، وصراع عقيم.. وأصداء باهتة، وإرادة واهية غير قادرة علي مواجهة المجهول، او حماية نفسها من فظاظة واقع كئيب..


وهي دلالات ومعان ربما تعجز عن التعبير عنها روايات بأكملها.. وذلك هو سر عبقرية أديبنا الكبير.. فما سر صمت الجهابذة النقاد عن تحليل وتقييم هذا العمل العظيم حتي الآن؟!.