السينما.. المقاهي .. سباق الحمير.. الزار.. وأشياء أخرى

22/12/2014 - 3:05:34

نجيب الريحانى نجيب الريحانى

كتب - يحيى تادرس

العباسية:


كان بها عدة دور للسينما - لا أدرى ما الذى تبقي منها «سهير/ الأندلس/ التاج/...» - وسينما صيفي لا أتذكر اسمها كانت تتحول أيام الآحاد إلى صالة «باتيناج» كتب عنها إحسان عبدالقدوس فى «أنا حرة».


....


لكن أهم ملامح العباسية «التى عشت فيها زمنا» كان «قهوة عرابى» من أشهر فتوات ذلك الزمان.


وكان المقهى مكانا مفضلاً «للوجهاء» من أبناء الحىّ - وكنت أمر بالمقهى وأنظر بإعجاب لهذا الفتوة - الذى كان صديقا للأديب شديد المصرية - نجيب محفوظ..


وعندما كتبت سيناريو فيلم حارة نجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل - حكى «محفوظ» عن هذا الفتوة وربما كان أحد مصادره فى ملحمته الضخمة «الحرافيش».


....


وكانت لهذا الفتوة . نظرة ثاقبة لزبائن مقهاه - «كان حين يلحظ أحد الجالسين بالمقهى ويشعر أنه ليس على مستوى «رواده» - يتجه إليه - بجسده العملاق:


- طلباتك يا أفندي على حساب القهوة - بس ما نعتبهاش تاني


.. ولم يفكر «الزبون» في التردد عليها بل المرور أمامها أساسا..


....


يجاور العباسية - حى الظاهر - المفضل لسكني اليهود - وكان لهم معبد لايزال موجوداً بميدان فاروق/ الجيش فيما بعد..


وكان بالظاهر عدة دور أنيقة للسينما «ريالتو الشتوي والصيفي/ مصر/ وربما هونولولو أو هوليوود لا أتذكر».


هذه الدور - كانت تستنزف معظم مصروفنا أنا وشقيقي الراحل ممدوح.


....


بعد وكنا «بسبب المصروف المحدود» نتناقش طويلا قبل اختيار الفيلم/ أو الدار».


بعد الفيلم - كنا ننطلق إلي «قهوة قشتمر» إحدى المقاهى المفضلة «لنجيب محفوظ» - وكتب عنها واحدة من أهم رواياته...


...


ملحوظة أذكرها بكل أسف:


حين أزور هذا الحىّ - أشعر بالأسى العميق لإغلاق معظم هذه الدور التى تحول معظمها إلى «جراجات» أو «مقالب للزبالة!»


....


وسط البلد


يااااه - مجرد الذكرى تجعلنى أشعر بأرستقراطية شوارعه وفخامة دور السينما به.


كان لكل شركة إنتاج عالمية - دار للسينما تعرض أفلامها:


M. G. M - سينما مترو


FOX للقرن العشرين «سينما كايرو بالاس»


K. K. O.Rodia «سينما راديو»


أما «إخوان جعفر» - فكان لهم خمسة دور للعرض ومن أهمها:


أوبرا


و... ريفولى


فوق سينما ريفولى - كانت هناك قاعة للبلياردو - تحولت فى «الزمن الأغبر» - إلي حطام مشوه وقبح يتبدى بداية من مظهره الخارجى.


ربما - أعزو سبب هذا القبح - إلى رحيل معظم أبناء الجاليات الأجنبية والتى كان لهم نواديهم «ومحلاتهم» بالغة الأناقة..


وبمناسبة الأناقة - كانت هناك مسابقة لا أتذكر من كان يرعاها لاختيار أجمل «فاترينة» عرض في القاهرة


أما الآن!!!


...


أعجب دور السينما في ذلك «المربع» الأنيق كانت دارا «ركسي وسان جيمس بشارع الألفي - حيث لا تزال «سينما ديانا» الملكية - باعتبار ما كان - تحاول قهر الزمن.


...


هاتان الداران - كان في إمكانك أن تتناول عشاءك - وأنت تشهد برامجها التي كانت تعرض أفلاما إيطالية وفرنسية - قبل هجمة الأفلام الأمريكية .. والهندية.. الأفلام الروسية كان لها دار لا تعرض سواها «سينما أوديون»..


هذه الدور كانت، وأكرر كانت بالغة الأناقة والفخامة - وجمهورها كان بالتالي شديد الاهتمام بمظهره «قبل الجينز - الكوتشي / والكاجوال».


...


أما السواريه - فحدِّث ولا حرج:


قمة أناقة السيدات بفساتين السهرة والرجال بالملابس الكاملة، أما البارفانات فكانت تملأ محيط هذه الدور (كان من أشهرها البارفانات علي ما أتذكر الشانيل والأربيج سكاندال وربما توسكا وسكريه...


..


وفي حفلات العرض الأول كان أبطال الفيلم يجلسون في «اللوج».


ملحوظة: «إعلان»


كانت دور السينما «الدرجة الأولي» مقسماً إلي: «لوج - بنوار - بلكون - صالة».


أما الآن ...!


العرض كان يبدأ بإحدي الجرائد السينمائية ومنها جريدة مصر «الناطقة» وبعدها فيلم تسجيلي قصير ثم الكارتون واستراحة، ثم العرض الأساسي.


..


أشهر مقاهي هذا المربع كانت «الشمس/ الكورسال/ وأعتقد بور فؤاد ومقهي آخر «أعتقد كان اسمه «متروبول» - يجلس عليه الفنانون «بداية من نجيب الريحاني وعزيز عيد وأنور وجدي وبشارة واكيم و...


أما المخرجون وكبار المنتجين فكان مكانهم المختار «الجريون» خلف سينما قصر النيل - التي كانت


.. أما إذا أردت تخيَّل هذه الدار - و«بالمرة» سينما ريفولي وسينما حديقة الأزبكية - نشاهد حفلات أم كلثوم - التي تذاع - ليست علي قنواتنا - بل علي إحدي المحطات الفضائية.


.. لقد بعنا في هوجة الانفتاح - الكثير من تراثنا وكان خوفنا الأكبر.. علي هرم خوفو.


في السنوات الكئيبة أطلق أحد السفهاء دعوة لبيع قطع من آثارنا لسداد ديون مصر:


تري من كان السبب فيها


..


وبمناسبة المقاهي وغرائبها - كان هناك مقهي - لا يزال موجودا بجوار دار الكتب - اسمه قهوة «الكتبخانة» كان أمامه ساحة واسعة تستغل لإقامة نوع غريب من المقامرة «صراع الديوك».


.. وقد شهدت إحدي هذه المعارك - لكني كنت حريصاً علي مشاهدة «المقامرين» وانفعالاتهم وصيحاتهم المحمومة لديوكهم - أو للديوك التي قامروا عليها.


.. هذه المعارك أدت إلي خراب الكثير من الجيوب.. والبيوت.


وبالمناسبة/ هذا المقهي كان مكانا مختاراً للشاعر/ أحمد رامي - كتب عليه عدداً من أشهر قصائده وأغنياته.


..


و.. عن أغرب المقاهي بالقاهرة قبل زيارتي لها قال لي صديقي الراحل «عبدالمنعم شميس» ما أنقله بالحرف:


مقهي الأنجلو «كان يشغل مكان البنك المركزي بشارع شريف»، هذا المقهي كان علي موائده تشكل وتسقط الوزارات..


باشوات مصر - كانوا يلتقون في هذا المقهي علي غير موعد وبلا ترتيب لأنهم كانوا من أحزاب مختلفة..


كان الجلوس والسهر علي المقهي يجمعهم.. والسياسة تفرقهم .. ولم يكن المقهي يرحب بأي «زبائن» آخرين - فالموائد كانت محجوزة لأصحابها فكل باشا له مائدة تجمعه هو وشلَّته..


.. كان بجوار المقهي مائدة أنيقة صاحبها «رجل أسمر» يرتدي جلباباً أبيض أنيقاً وطربوشاً أحمر - وظيفته كانت إعداد أطباق الطعمية والمخللات طوال الليل - وكانت ميزته أنه لا يسمع شيئاً مما يدور حوله من أسرار، وإن سمع - لا يتذكر.


- طب فلان باشا قال إيه عن الوزارة الجديدة.


- قال لي أعمل لي 3 سندوتشات طعمية وجنبهم طبق طرشي وشوية جرجير.


.. أما أغرب رواد المقهي فكان رجلا نوبيا كانوا يسموُّنه - صالح «رويتر».


«رويتر كانت من أشهر وكالات الأنباء» - كان صالح هذا «يجمع» أبناء المقاهي الأخري إلي جانب مقهي الأنجلو - وبعدها - يلتقي بأهم رواد الأنجلو في ذلك الحين «حسن باشا رفعت وكيل وزارة الداخلية وقتها».. كانا يجلسان معاً علي مائدة منعزلة .. وحسن باشا كان ينصت بصمت إلي ما يقوله «صالح» والذي لم يكن يفصح لأحد مهما كان الإغراء - عن أي «أسرار» جمعها أو همس بها للباشا حسن..


.. هذا الرجل كان له نفوذ وهيبة ويحاط به جو من الخوف - إذ هو صديق مقرب للحكومة.


...


مقهي وبار اللواء - كان يضع صورة ضخمة لمصطفي كامل.. من أشهر زبائنه «حَمَدْ» الباسل عضو الوفد - وصالح باشا لملوم والعديد من مشايخ العربان وحافظ إبراهيم «شاعر النيل» وصديقه الكاتب المعروف وقتها ومن «أظرف» أدباء عصره «عبدالعزيز البشري» و«إبراهيم عبدالقادر المازني والدكتور محمد حسين هيكل باشا صاحب رواية «زينب»..


..


هذا البار والمقهي .. كان ملتقي كبار محرري الأهرام - الذي كان مبناه القديم في شارع مظلوم - حيث كانوا يلتقطون الأخبار ويكتبونها علي موائده .. العديد من الصحف والمجلات.. ولدت علي هذا المقهي «الورق كان رخيصاً والمطابع كثيرة والتراخيص - لم يكن في استخراجها أي مشكلة


...


كان لكل مهنة مقهاها - وتقاليدها.


.. بميدان الأزهار «الفلكي/ باب اللوق فيما بعد» مقهي للمنجدين.. يجلسون ومعهم أدواتهم - وكان بينهم اتفاق غير مكتوب - ألا يسبق أحد زميلاً له أمام أي «زبون».. وكان لهم تسعيرة محددة حيث لا يكون الأجر مجالا للتنافس..


..


حالياً .. من أشهر مقاهي القاهرة - مقهي الحرية «باب اللوق» ولكن ما قد لا يعرفه الكثيرون أن بيت الزعيم أحمد عرابي باشا كان يشغل مكانها إلي جانب العمارات التي بنيت حولها - بعد هدم بيته».


..


ملحوظة


بعد رحيل معظم العمال المهرة والحرفيين إلي الخليج - اختفت تقريبا مقاهي أصحاب الحرف - واختفت معهم المهارة والأمانة.. والتقاليد .


....


إلي جانب هذه المقاهي - كان توجد «محلات» للعجلاتية - «معظمهم كانوا يونانيون» يؤجرون العجلات إلي العمال وصبيان المخابز مقابل «ملاليم» معدودة.


.. وفي هذا الوقت انتشرت أغنية للأطفال عن «البسكلتة»:


بابا جيّْ إمتي


جاي الساعة ستة


راكب ولا ماشي


.. راكب بسكلتة


.. وفي الأعياد - كان الأطفال يستأجرون البسكليتات وبعد تزيينها بالورق الملون..


..


إلي جانب مقاهي النخبة - كانت هناك مقاهي لفناني ومطربي «السير الشعبية» مثل حكايات عنترة والظاهر بيبرس وأبو زيد الهلالي وغيرها.


وقد أبدع نجيب محفوظ في ذكر إحداها «زقاق المدق»، حيث كشف عن التحول الذي أصاب هذه المقاهي - بعد انتشار الرواية.. مقهي الفيشاوي «المكان المفضل له قبل قصر النيل وشلة الحرافيش».


هذه المقاهي - كان الشعراء فيها لا يتقاضون أجورا - بل يعتمدون علي ما يجود به روادها..


وكم من معارك كانت تنشب بين هؤلاء الرواد بسبب تحمسهم لأحد من أبطال تلك السير الشعبية الشعراء - رواة تلك «السِيَرْ» علي الربابة - يتعمدون التوقف عند موقف/ مأزق يحيط بأبطالها - حتي اليوم التالي - وربما كان هذا مولدا مبكِّراً - للمسلسلات!


..


وإلي جانب المقاهي كان هناك عدد من صالونات الأدب والطرب «صالون عباس باشا المهدي - باب الخلق - صالون حلمي المانسترلي - المعادي و... صالون بهيجة حافظ - قصر النيل...»


....


سباق الحمير!


...


شهدت في طفولتي أغرب سباق للحمير في بني سويف - ثم عرفت أن هذا السباق - كان أحد ملامح القاهرة - الشعبية:


كان أصحاب الحمير يتفننون في تزيين حميرهم واحاطة أعناقهم بعقود من الخرز الأزرق لمنع الحسد.


....


مقاهي شارع محمد علي


أشهرها كان مقهي التجارة - ومقاهي حارة العوالم - المقر الرسمي! للمطربات والراقصات - حيث يقمن بعد الاتفاق مع «الأسطي» بإحياء الأفراح - والليالي الملاح - وزفِّة المطِّاهر - والسبوع .. وكانت وسيلة انتقالهن - الحناطير أو عربات الكاروِّ تسبقها فرقة حسب الله الشهيرة.


و... سلام مرَّبع ياجدع


...


في الموالد الكبري - كان يتم ختان الأطفال «من الذكور» - وكان للمزين «الحلاق» - وكان له ستارة بيضاء يجري خلفها عملياته وخلالها تنطلق زغاريد النساء..


بعدها كان الأطفال - بالذات أبناء المعلِّمين الكبار -


....


يغادرون دكان الحلاق «بزفة» وهيصة حيث كان الأهل يرشون الملح - والملبِّس «حلوي اللوز» علي الجمهور «الملح لمنع الحسد».


....


وبالنسبة للحَسَدْ:


كان إطلاق البخور في الدكاكين والمحال والبيوت لمنع الحسد تقاليد وأهازيج:


بخُّروا السلالم من عين أم سالم


بخُّروا اللحاف من عين أم إنصاف


بخُّروا الكتكوت ليطق ويموت


بخُّروا «المغرفة» من عين أم مصطفي


بخُّروا الدكان من عين الخواجة سمعان


....


أما باعة البخور، فكانوا يضعونه علي طبلية خشبية مزينة بنشارة الخشب الملَّون أما «المنجراتية» فكانوا - ولا يزالون خصوصاً في حيّ الحسين يطوفون بالمباخر - ولكن .. بلا أغاني أو أهازيج ولكن مجرد وسيلة للرزق.


...


ولم تكن مهنة المنجراتية قاصرة علي الرجال - إذ كان بعض النسوة يستخدمن البخور - داخل البيوت - لوقاية الذكور من الأطفال من الحسد «الرقية».


حيث تقوم السيدة التي تمارس «الرقية» بوضع البخور في مبخرة، يخطو فوقها الغلام - بالقدم اليمني سبع مرات وهي تردد:


أرقيك من عين اللي حسودك


أرقيك من عين فلانة ثم علاّنة ثم..


..


إلي جانب الوقاية من الحسد والعين الشريرة - كان هناك من يدّعي أو تدِّعي شفاء المرضي - نتيجة للجهل الذي كان سائداً وقتها:


ضربة الشمس كانت تعالج بوضع محلول الملح في أذن المريض ويتم «عَصْبْ» رأسه بمنديل كبير يوضع في وسطه مفتاح..


أما أمراض العيون «خاصة الرمد الطبيعي» فكان علاجها مسحوق أبيض يذاب في الماء «الششم» وكان من أشهر ماركاته «ششم الديك».


وكم من عيون ضاع بصرها بسبب هذا الجهل - ومن أشهرها عيون «الدكتور طه حسين».


....


طقسا آخر من طقوس القاهرة كاد يندثر:


الزار


والزار كانت له تقاليد وأسباب:


السيدة التي لم تنجب


السيدة التي تتوهم أن أسيادا من الجن قد ركبوها


السيدة تعاني من حالات عصبية تنتابها


..


وكان هناك نوعان من الزار:


الزار المصري


الزار السوداني


إلي جانب الزار المغربي


..


وكانت حفلات الزار خاصة في الطبقات الارستقراطية، كانت أشبه بحفلات التعارف بين السيدات


..


«الكودية» في تلك «الحفلات» الارستقراطية، كان لها طلبات غريبة:


ديك أبيض فى رأسه نقطة سوداء


خروف أسود علي ظهره دائرة بيضاء


.. هدهد يتيم!


..


وكان من أشهر الكوديات في الأربعينيات الحاجة «زينب السودانية» بحّي القلعة - وكانت «خبيرة!» بأعمال الزار والجن والعفاريت والشبشبة.. وكان أحد طقوس الزار.. «الأحجبة»:


وكان للأحجبة أسرار وكتب خاصة بكتابتها ومنها «أبو معشر الفلكي».


و... أنهي هذه الذكريات والمشاهدات الغريبة عن القاهرة بالوعد بكتابة ما هو ما هو أغرب منها في العدد القادم.