كل هذا الحب ..

22/12/2014 - 11:02:52

صورة تجمع فريق العمل في الاصدار التذكارى للمصور صورة تجمع فريق العمل في الاصدار التذكارى للمصور

كتب - عادل سعد

من اللحظات الأولى حاصرتنا الوجوه النبيلة في دار الهلال.


وقالت الدكتورة شهيرة رئيس تحرير سمير : " ربنا معاكم" وابتسمت فنانة الأطفال الجميلة آمال خطاب وهي تردد : " مبروك مقدما .. وكلنا ثقة " ونظر مجدى سبلة دينامو التحقيقات لمجموعات المقاتلين ، وقال ضاحكا : " والله زمان"


المهمة كانت مستحيلة ،والمطلوب قبل الكتابة ، قراءة 90 عاما من عمر مجلة المصور ،تبدأ من اكتوبر 1924 وتنتهي في 2014،وبلغة الأرقام، 90عاما في متوسط 55 عددا سنويا ،في كل عدد مائة صفحة ،أي أن المطلوب على الأقل – قبل أن نبدأ الكتابة – أن نقرأ نصف مليون صفحة، في أسبوعين ،هذا غير مئات الكتب والملاحق .


 تطوع لإنجاز العدد،نصف دستة شباب ،كانوا يحضرون يوميا في الثامنة صباحا، لينفضوا الغبار، عن مجلدات المصورالقديمة،وفي آخر النهار، وعند السادسة مساء، يعودون ، ,وأيديهم مكللة بشرف تراب البحث،الشاق، بين الأوراق الممزقة الصفراء ،وقد حل التعب.


من اللحظات الأولى هيأ لنا الله سبحانه وتعالى جناحين،لا غنى عنهما ، محمد أبوطالب رائد الإخراج الصحفي في الوطن العربي ،والفنان التشكيلي الكبير،وكنت أعرفه من زمن بعيد، طورنا خلاله مجلات دار الهلال ومجلات أخرى شهيرة في الوطن العربي،تفخر بوجوده بينها،وهاهو بعد كل السنوات،يعود شابا ومتحمسا ويقظا لكل كبيرة وصغيرة من أجل المصور ودار الهلال.


أبو طالب كان يعمل يوميا في هذا العدد من الثامنة مساء وحتى الثامنة صباحا،ليعرض علينا الروائع عندما يحل وقت الظهيرة .


الجناح الآخر الأستاذ الكبير، عادل عبد الصمد رئيس تحرير مجلة الهلال الأسبق،وحارس بوابات ما تبقى من أرشيف وكنوز دار الهلال، وهو كثير جدا، برغم كل سرقات وعبث اللصوص.


عادل عبد الصمد يوميا من الثامنة صباحا في دار الهلال،ومكتبه جسر لا ينقطع عن الإمداد والتموين، بالكنوز والذخائر،مع المتابعة والتدقيق،واستخراج الأعداد الخاصة والذهبية ،إلى درجة أنني كنت أهتف من زحام ضغط المادة : " كفاية يا عم عادل .. كفاية " وهو يفاجئنا بصورة لا تنسى أو مقال نادر المثال،فنلهث جميعا لجمعه وتوفير الصور.


أما نصف دستة الأشرار،أصدقائي وزملائي، من المقاتلين فهؤلاء حكاية أخرى.


وطوال الوقت كان يلتقط ملامحهم مصور موهوب ومحترف،هومحمد فتحي ، الذي أعرفه منذ سنوات،كنموذج للأدب والتفاني وحب العمل ،وكان المفترض أن يلاحقنا جميعا ، لتصوير كل كبيرة وصغيرة.


داخل كاميرا محمد فتحي ، صورة لصلاح البيلي،وهو يحفر في المجلدات الأثرية، ويدس بين صفحاتها أوراقا صغيرة وبخيلة،ونحن نصرخ،وهويكتب لوغاريتمات في دفتره الخاص،لا يعرف كيف يفكها أحد غيره، ويبدأ في ترجمتها على ورق صالح للنشر،في آخر المساء.


ومحمد السويدي كعاصفة،لا يهدأ ،وكان مكلفا بملفات الحروب والإرهاب،وكان معنى ذلك أن يشتبك مع ال90 عاما كل يوم.


أما رانيا سالم فتلك قصة أخرى،كنت أخاصمها تقريبا، أعرف طاقتها الواعدة، وعملنا سويا لدار الهلال لإنجاز مجلد فخم عن قناة السويس،حقق إيرادات هائلة، وخرجنا في النهاية بلا فخر ولا مال.


ومن اللحظة الأولى قالت رانيا : " سأكون معك .. تعبت من الركود "


وكانت بالفعل مدير دوران العمل،وطاقة من العمل هائلة.


مروة سنبل كانت تحضر يوميا من آخر الدنيا كل صباح وترحل في آخر المساء بعد أن تضع بصماتها على العدد .


وولاء جمال تجاهد لتجد وقتا من بين مسؤليات تربية طفلتيها الصغيرتين لتحضر وتختاروتشارك.


أما ابنتي بالتبني راندا طارق وآخر عنقود بنات المصور فقد كانت تحضر قبلنا جميعا ، في السابعة صباحا ،وتطاردنا لإيقاظنا بالتليفونات.


طوال الوقت كانت راندا بذكائها وشطارتها تشيع جوا من المرح،بمشاغباتها مع الجميع.


وكان السؤال : من يكون هذا المستحيل ، وانت تعمل مع هؤلاء؟


وكانت الإجابة بلا تردد،سننجح وبتفوق ساحق بإذن الله.


وهتف حسن عمار كبير السعاة : " أهو كده " مهللا بعودة الحياة.


وجاء زميله صلاح الصغير بابتسامته الدائمة ليقول لكل من يراه من مجموعة العمل: " تحت أمرك".


كانت الكراسي تتحرك ، والمكاتب تتوفر في غمضة عين،والنظافة لا تتوقف ، لرعاية العمل.


احتلت مجموعتنا على استحياء مكتب كان مخصصا لإصدار الموقع الاليكتروني .


كان بداخل المكتب ولد وبنت ، البنت نهى عبد العزيزالخجولة ، ارتبكت برموشها، عند رؤية هؤلاء الغزاة ، لكنها انتصرت علينا ،وبقدرة قادر صارت مرجعنا الإليكتروني في كل تنظيم،وصاحبة الترتيب الأخير ، وهمزة الوصل بين كل الأقسام،والمصدر الوحيد الثابت لكل ما نجمع من آلاف التحقيقات والمقالات والصور،والغريب أنها اندمجت وقامت بعملها، إلى جوار العمل بالموقع الإليكتروني بلا غلطة واحدة.


أما زميلها محمد زيدان فقد كان مسؤلا عن مطاردة الفيروسات ،والتعامل مع الأجهزة وتنظيم الاشتباكات.


في منتصف المسافة ،هاجمتنا الفيروسات ،وطارت المعلومات،بعد أيام من العمل ،وصعد المهندس محمد صلاح ، كبير المهندسين ليحل المشكلة، وينقذنا.


وفي المكتبة كان عادل عيسى ومعه هشام ،يواصلون الليل بالنهار ويحضرون في أيام الأجازات، لتوفير المجلدات والأعداد الخاصة ، بينما عبدالله يلاحقنا بالشاي والقهوة.


صار بالمكتب خمسة مكاتب أخرى ،بعد أن تقرر الاستعانة بالقوة الضاربة ، في الإخراج الفني : المخرج الكبير وائل عفت والمخرج الموهوب حيدر وصديق العمر عصام حاكم ، المراقب الأخير لكل تصرفاتنا والمسؤول عن ضبط العدد - قبل الطبع - من حيث الزوايا والحسابات وجودة الصور والأبناط .


وبدأت تتخلق معالم المولود الجديد .


ووصلتنا رسالة من الرئيس السيسي ، بخط يده ، تعضد المصور ودار الهلال ،رفعت معنوياتنا في السماء .


وسرت رعشة في دار الهلال.


واعترضني محمد مختار رئيس قسم أرشيف الصور،ليضع مع صديقنا الشيخ ممدوح ، لمسات لاتنسى ، وصور لا تنسى داخل العدد.


يفتخر هؤلاء - من حراس الارشيف - بأنهم قاوموا سرقة كنوز دار الهلال،وكانوا لا يأبهون بقرارات رؤساء مجلس الإدارة باستنساخها لجهات أخرى سرقتها بلا مقابل،وكانوا يستخرجون ربعها ، ويخفون ثلاثة أرباعها من أجل دار الهلال،وهاهو الوقت قد حان لإعلان ذلك .


أيضا ومن الآخر أريد أن أشكر - بلا نفاق - غالي محمد رئيس تحرير المصور ورئيس مجلس إدارة دار الهلال ،فقد وافق بلا تردد على ألا يتدخل أحد في عملنا ، ولا توجهاتنا ،وعانى من أجل ذلك ضغوطا هائلة ، ووفر لنا كل الامكانات ، برغم ظروف دار الهلال الصعبة.


وكل الشكر لأبطال الإعلانات الذين نجحوا في توفير مصادر للتمويل وصفحات غير مسبوقة ضمانا لنجاح العدد.


ولا أنس زملائنا في المطابع، سامي وهمام الذين كانوا يصعدون كل ثلاثة أيام، ووجوهم تشع بالتصميم،للاتفاق على نوع الورق ومواصفات الغلاف والتجليد والأحبار وأعداد الملازم وتجهيز المطبعة .


اعترضتنا مشكلة جمع كل هذا العدد من الصفحات،وسط إصدارات لا تتوقف من المؤسسة،وكان المطلوب فصل العدد عن كل ما يجري في دار الهلال، مع أقصى سرعة،وطلبنا عددا من الجميعة وبدأ العمل، بطيئا بطيئا ،وكان واضحا أننا سننتهى من العدد يوم القيامة ،وأصابني اليأس وكنت في حاجة لمصباح علاء الدين.


في اليوم التالي كان يقف أمامي مارد بالفعل،قال : " أنا محمد رمضان " شاب عملاق مفتول العضلات،وأردف قائلا : " هل تتذكرني .. أنا عملت معك في عدة أماكن " وأنا أعمل في دار الهلال، وكنت أخجل من اقتحام مكتبك ، لكنني حضرت بعد أن عرفت أن هناك مشكلة.


كنت كالغرقان الذي تعلق بقشة، وقلت لمحمد رمضان أن لدينا ستمائة صفحة ،فنظر باستهانة قائلا : " تحت أمرك أنا وأخي سـ " نضرب"  كل ذلك الورق خلال ثلاثة أيام .


وحضر شقيقه أحمد ، العامل بالمطبعة، عملاق رياضي مثله تماما ،وانحنى كلاهما في أدب بالغ،وعلى طريقة شبيك لبيك ، انتهى الموضوع.


واكتشفت أن كلاهما أولاد رمضان أحد الأسطوات الكبار في دار الهلال.


هل أتحدث عن محسن الذي هرول لتجهيز ملصقات الإعلان عن العدد التذكاري في دار الهلال، وعاد مزهوا بأن الناس تقف بالصفوف ، في شارع المبتديان أمام دار الهلال لمشاهدة الصورالنادرة ؟


أم عن زملائنا رؤساء تحرير الإصدارات ، الذين حرصوا على نشر إعلانات عن العدد التذكاري طوال شهر من قبل الصدور؟


أم عن هؤلاء الذين طاردتنا نصائحهم واقتراحاتهم وانتقاداتهم، وتمنياتهم عبر الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي ،باقتناء نسخة من العدد؟


أم عن هؤلاء الزملاء الشباب الذين طوقوا رقبتي ، وبدلا من توفير مواد صحفية لانتاج 600 صفحة وفروا أكثر من 6000 صفحة لأنتقي منها كيفما أشاء ؟


عموما،كنت ولا زلت أردد أنه لا ينبغى الحديث عن هذا العدد غير المسبوق،بدون شكر كل هؤلاء ،الذين شاركوا في هذا العدد،بكل الحب والحماس.


وأنا شخصيا أكتب هذه الكلمات ، حتى لا يفوتني أن أشكرهم ،ولانني سأظل مدينا لهم دائما !