الراقصة .. والسياسى

22/12/2014 - 10:54:45

د . مصطفى مدبولى د . مصطفى مدبولى

كتب - مجدى سبلة

على سلم مسكنى أثناء ذهابى لعملى صباحاً قابلت جارى فوجدته مكتئباً.. سألته مالك.. فرد على «أوكسانا خرجت»، فقلت له من أوكسانا؟ ومن أين خرجت؟!.. فقال: أوكسانا راقصة روسية تعلمت الرقص الشرقى ودخلت مسابقة الرقص الشرقى مع بريندا «الأرجنتينية» وألا الأوكرانية وثريا اليونانية التى كانت تنقلها قناة القاهرة والناس فى برنامج «الراقصة» الذى جذب المصريين والعرب فى الأيام الماضية، وأخرجتها لجنة تحكيم المسابقة المكونة من «الراقصة دينا وتامر حبيب السيناريست وفريال يوسف».


نظرت إلى جارى الشاب المشغول بالبرنامج وانصرفت ضاحكاً إلى مترو الأنفاق للذهاب إلى عملى، ففوجئت بالشباب والبنات داخل المترو يتحدثون عن خروج أوكسانا، وعن دقة الملاحظات والمعايير للراقصة والرقص الشرقى التى لاحظتها دينا وفريال وتامر أثناء وصلات الرقص المقررة لاختبار هؤلاء الراقصات.


وأيضاً وأنا فى المترو وجدت دكتوراً جامعياً تعرفت عليه يأخذ طرف الحديث من الشباب قائلاً لهم يا ابنى أنا شاهدت البرنامج وانبهرت من دقة التحكيم والملاحظات والمعايير التى كانت تطلقها دينا ولجنتها فى الراقصة، ويؤسفنى أن أقول إن هذه الدقة لم نعد نلاحظها فى مناقشات الرسائل والأبحاث العلمية فى الجامعات التى تعتمد معظمها على السرقات العلمية وضعف الأبحاث والباحثين.


تركت المترو وذهبت إلى عملى فلاحظت معظم أرباب مهنتى من الشباب الجدد خالين من المعايير والتدريب المهنى والأخلاقى أحياناً، وللأسف يتم اعتمادهم وتعيينهم كمهنيين معترف بهم رسمياً والنتيجة هى التراجع الملحوظ فى مهنتى فى الوقت الذى تركز فيه «دينا» على تطوير معايير مهنة الرقص الشرقى.


خرجت من عملى متوجهاً إلى الحزب السياسى الذى أنتمى إليه فوجدت كوادره لا يتكلمون عن قانون تقسيم الدوائر، رأيت كل كادر منهم يرقص على أوتار مرشح رأسمالى لديه أموال، ويتكلمون معه عن كيفية شراء الأصوات وتحديد «القبيضة» والقبضايات الذين سيتواجدون عند اللجان الانتخابية، ولم أجد كادراً منهم يتكلم عن خطة تنظيمية نشطة لا تسويق سياسى للمرشح ولا كيفية مواجهة مرشحى الأيديولوجيات التى هدمت مصر ومازالت، ولم أسمعهم يتحدثون عن اختيار مرشحين لديهم معايير تناسب الفترة الاستثنائية التى تمر بها مصر وحاجتها إلى نواب جادين، تلتف حولهم الجماهير العريضة التى عانت من نواب مجلس الإخوان الإرهابى، فخرجت من الحزب بلا عودة بعد أن وجدت كلٍ يرقص على طريقته ولكن ليس على طريقة «دينا» ومعاييرها الدقيقة، لدرجة أشعر معها أن معايير اختيار وأداء الراقصة أصبحت أكثر دقة من معايير وأداء السياسى والموظف والباحث.


من الحزب توجهت إلى دائرتى الانتخابية التى وجدت فيها راقصين وراقصات ليسوا كأوكسانا ولا بريندا أو «ألا» أو «ثريا».. راقصو الدوائر يريدون النجاح بأى طريقة مشروعة أو غير مشروعة على جثث الناخبين المهم النجاح، الدائرة بها 50 مرشحاً كل مرشح له لون وطيف، لا يبحث أى منهم عن الكفاءة.


تركت دائرتى وعدت إلى القاهرة فى اليوم التالى وذهبت إلى نقابتى التى أنتمى إليها فوجدت زملائى مشغولين بتشريع مقترح طبقاً للدستور، كل ما يهمهم أنهم معنيون بأن يتضمن التشريع الجديد تعيين رئيس وهيئة مكتب الهيئة المقترحة لإدارة مهنتنا من مجلس النقابة، والتى سيكون بدورها توزيع المناصب والكراسى داخل مؤسسات الدولة المعنية بهذه المهنة، فخرجت من النقابة ولاحظت أن كل طيف سياسى يرقص على تمكين فصيله دون الاعتماد على معايير.. هنا تذكرت على الفور معايير دينا التى تعد من وجهة نظرى أكثر إحكاماً من المعايير التى ألاحظها فى مهنتى.. ومن النقابة إلى الوزارة التى أتابعها، وجدت وزيرها يرقص على أنغام مشروع الإسكان المتوسط وسعر الشقة الذى يبدأ من 300 ألف جنيه إلى 640 ألف جنيه، والذى يبدو أنه فكر فى بنائها لـ «دينا» وأوكسانا وبريندا وألا وثريا، ونسى الغلابة الذين ينتظرون مشروع المليون وحدة الذى أعلنته الدولة للفقراء الذين يسكنون عشش الصفيح والمناطق العشوائية والمهمشة، فخرجت من الوزارة غاضباً ناسياً ملاحظات الراقصة،.. متذكراً كلام المفكر مصطفى الفقى تعليقاً على حديث الأستاذ هيكل مع لميس الحديدى، أن البلد مازالت فى حاجة إلى تغيير ثقافى وهيكلى فى حياة المصريين، وأن المؤسسات المصرية مازالت تعمل بالإيقاع القديم، وأصبحنا نحتاج إلى هزة كبيرة لأن الغالب الأعم من وزاراتنا ودواويننا مازال يعمل برتابة وإيقاع غريب، ولم نعد نشعر بأن أحداً يعمل فى هذا البلد سوى الرئيس.