«حمورزيادة» الفائز بجائزة نجيب محفوظ للأدب .. الدرويش المشتاق للحب والحرية

22/12/2014 - 10:30:43

الروائى السودانى حمور زيادة الروائى السودانى حمور زيادة

تقرير- شيرين صبحى

«نادانى الله يا فاطمة. أما ترين ما أصاب الدين من بلاء؟ تغير الزمان. ملئت الأرض جوراً. التُرك، الكفار، بدّلوا دين الله. أذّلوا العباد. ألا أستجيب لداعى الله ورسوله إذا دعانى لما يحيينى؟ سنجاهد فى سبيل الله. فى شان الله. نغزو الخرطوم. نفتح مكة. نحكم مصر. ننشر نور الله فى الأرض بعد إظلامها. وعدُ اللهِ سيدنا المهدى عليه السلام. وما كان الله مخلفاً وعده مهديه يا فاطمة. واجبة علينا الهجرة. واجب علينا نُصرة الله. عجلت إليك ربى لترضى. عجلت إليك ربى لترضى. عجلت إليك .. وتركت فاطمة ورائى»..


فى تلك البلاد التى أطلق عليها اليونان قبل قرون طويلة اسم إثيوبيا، وتعنى «الرجال ذوى الوجوه المحترقة»، وذلك لسواد لونهم. ثم جاء العرب بعدهم ليسموها "بلاد السودان". ولد حمور زيادة عام 1977، فى بلاده يقدسون الحكي. فهى ترتمى بين غابة وصحراء. تثقلها جبال ويرطبها نيل. لا يحدث فيها شىء. ويحدث فيها كل شيء. يتغير وجهها ولا تتغير. يأتيها اليونان والفرس، العرب والترك، والرحالة الفرنجة والجيوش من خلفهم. تخنقها عواصف الصحراء، ويبطش بها فيضان النيل. تبنى أهرامات ومعابد، كنائس ومساجد. ثم يجتمع أهلها ليقصوا القصص ويروون الحكايات، فلولا الحكايات لكانوا أكثر عزلة وأشد وحشة.


«الونس هو ما يكسر عزلتنا. تراث متراكم من الحكى، والمرويات، والأساطير، والتاريخ الثقيل. نحكيه لأجل الونس. لنتجاوز الشعور بالوحدة".. هكذا أكد حمور وهو يقف أمام لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ للأدب، التى منحته جائزتها عن روايته «شوق الدرويش»، التى حاول فيها تقديم قبس من حكايات بلاد الرجال ذوى الوجوه المحترقة. عن معاناتهم، أحلامهم، طموحاتهم، هزائمهم، تاريخهم، وأساطيرهم. يقول «حاولت «شوق الدرويش» أن تكسر حواجز العزلة. أن تقدم شيئاً من الونس لقارئها. أن تلتقى بوجداننا السودانى المخضب بالأساطير مع وجدان الجماعة الإنسانية».


ينضم «حمور» إلى قائمة من الأسماء اللامعة فى الأدب العربى حصلت على هذه الجائزة، أمثال يوسف إدريس، خيرى شلبي، إدوارد الخراط، إبراهيم عبد المجيد، وغيرهم، كأول كاتب سودانى. وقالت رئيس اللجنة تحية عبدالناصر، حفيدة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، إن الجائزة منحت للرواية لأنها "تتألق فى سردها لعالم الحب والاستبداد والعبودية والثورة المهدية فى السودان فى نهايات القرن التاسع عشر".


وجاء فى تقرير لجنة التحكيم: «تتناول الرواية لوحة متعددة الألوان واسعة النطاق من الشخصيات والأحداث فى غنى ما بين السرد والشعر والحوار والمونولوج والرسائل والمذكرات والاغانى والحكايات الشعبية والوثائق التاريخية والترانيم الصوفية والابتهالات الكنسية وآيات القرآن والإنجيل والتوراة». وتابعوا "أنها تتشابك علاقات القوى على المستويين الإقليمى والمحلى منذ اندلاع الثورة المهدية وحتى سقوط الخرطوم، وتتناول لوحة متعددة الألوان وواسعة النطاق من الشخصيات والأحداث لتسم صورة لزمان ومكان غير مألوفة لمعظم القراء. والرواية تصور الدمار الذى سببته الانتفاضة المهدية، وهى حركة دينية متطرفة عنيفة، وهى بمثابة تجسيد قوى للمشهد الحالى فى المنطقة حيث تعم الفوضى نتيجة للتطرف الدينى".


وتدور أحداث الرواية الصادرة عن «دار العين للنشر»، فى خضم الثورة «المهدية» (1885-1899) التى قامت فى السودان بزعامة محمد أحمد المهدي، ردًا على مظالم الحكم التركى المصرى وقتها، وترصد الرواية أحداث تلك الثورة من خلال رحلة العبد بخيت منديل الذى تم استعباده بعد خطفه وهو طفل، فنتنقل مع هذا العبد لنرى مشاهد كثيرة مغايرة لتلك الثورة وعلاقتها بمصر. ومن خلال ثلاث شخصيات كانوا شهوداً على عبثية الحياة التى تلقى بهم فى نهايات متشابهة، يطرح حمور أسئلة جدلية تتعلق بالحياة والموت والحب والحرية.


"حمور" كان لديه احتياج شخصى للكتابة عن هذه الفترة، ففى السودان يتوارثون الحكايات جيل بعد أخر، وقد سمعت من أمه وجداته حكايات كثيرة عنها، وله جدة سميت بـ "المهدية" على اسم الثورة، فقضى فترة ليست بالقصيرة مشغول بالبحث العلمى والتاريخى عن تلك الثورة. يقول "ربما جعلنى حال ثورات الربيع العربى وصعود نجم الإسلاميين أتجه لكتابة رواية عن فترة ثورة دينية تحول فيها الرافضون للظلم إلى حال مشابهة لمن ثاروا عليهم، وهو تحول درامى ملهم وإنسانى جداً. إلى جانب ذلك فإن الثورة المهدية ليست حكاية تاريخية مندثرة فى الوعى السوداني، بل هى حاضرة بقوة لأنها شكلت المجتمع السودانى الحالي».


حمور الذى عمل فى مجال حقوق الإنسان والصحافة وانتقل إلى القاهرة عام 2009، يرصد فى روايته "قدم الثورة الثقيلة مثل قدم الطغيان"، محاولا الاقتراب من الإنسان الذى شهدها، فكل الروايات السودانية التى عالجت"المهدية" إنما تناولتها من جانب احتفائي، متناسية ذلك البعد الإنسانى وهؤلاء البشر الذين تأثروا سلبًا بهذه الثورة ومن دهستهم هذه الثورة حتى لو كانوا مؤمنين بها..!