سوء الفهم.. والتطاول المعيب على شيخ الأزهر

22/12/2014 - 9:50:17

د . احمد الطيب د . احمد الطيب

كتب - رجائى عطية

كنا بخير أيام أن كان كل منا يلتزم حدوده ، ولا يتحدث إلاَّ فيما يعرفه ويجيده ، ويتحوط قبل أن يتطاول على العارفين فيما لا يدركه أو يفهم مغزاه ومرامه .


ليس منا إلاَّ وطالع ما أثير أخيرًا بشأن تكفير «أشخاص» داعش ، وقليلون هم الذين أدركوا مرامه ومغزاه ، فمنذ بدأت القصة بنقل بعض وسائل الإعلام الإلكترونية الكلمة التى ألقاها الشيخ إبراهيم صالح الحسينى مفتى نيجيريا ـ بمؤتمر علماء المسلمين الذى عقد بالأزهر الشريف بالقاهرة بالأسبوع الماضى ، واستخلصت وسائل الإعلام ـ بغير فهم ـ أن ما أصدره مفتى نيجيريا هو فتوى بتكفير الأشخاص المنخرطين فى تنظيم داعش ، لأنهم لم يدركوا الفارق بين تكفير شخص ، وشجب أعمال التنظيم .


ونظرًا لأن هذا التنظيم وغيره من الجانحين ، اشتط ويشتط فى تكفير عباد الله من المسـلمين، ويعطى هؤلاء وأولاء أنفسهم الحق فى الحكم على الناس بالكفر، وهو ما يأباه الإســلام ، ويمثل خطرًا شديدًا ويشعل فتنة لا حدود لها ، لذا فقد أصدر الأزهر الشريف توضيحًا رآه واجبًا حتى لا يخطئ الناس الظـن بـه ، أو يتقوّل المتقولون بأنه يستيسر رجم الأشخاص بالكفر ، وعلى ذلك توجد محاذير يعرفها العلماء لا تبيح التكفير ، وهو ما يأخذه الأزهر على هؤلاء التكفيريين ، ولذلك فإن الأزهر أبان فى إيضاحه أن ما صدر عن الشيخ إبراهيم صالح الحسينى مفتى نيجيريا ، ليس فتوى بتكفير ، ناهيك أن تكون صادرة عن الأزهر الشريف ، وأوضح الأزهر ما يتعين إيضاحه لعامة الناس حتى لا تلتبس الأمور ، ويعطى كل جانح شارد لنفسه الحق فى التكفير ، وهو ما تدعيه لنفسها داعش ومن جرى مجراها من الجماعات المختلفة التى تفشى تطرفها وجموحها فى هذا الزمان ، ومن ثم فقد أوضح بيان الأزهر أن علماء الأمة لا يستطيعون «الحكم » على أى مؤمن بالكفر ، ناهيك بالجهلة المتطرفين الذين ينصبون من أنفسهم رقيبًا على ضمائر الناس ، ويحكمون بالكفر على من يشاءون ، بينما المسلم مسلم ولا يجوز تكفيره طالما نطق بالشهادتين ، مهما بلغت ذنوبه وسيئاته . ومع أن الغاية من الإيضاح واضحة لمن يفهم ويدرك ، أن مراده تغليق باب التكفير على من يدعون لأنفسهم ـ جهالةً ـ الحق فيه ، فإن بيان الأزهر استدرك مؤكدًا أن ما تفعله «داعش » يدخل تحت بند التطرف والبغى ، وإشاعة الفساد .


فحاصل بيان الأزهر أن ما يصدر عن تنظيم داعش ، هو جموح لا يتفق مع الإسلام وأحكامه ، وخروج مؤكد عن صحيح الدين ، وأنه تطرف وبغى ، وإشاعة للفساد فى الأرض ، وحكم الإسلام فى الإفساد فى الأرض معروف ، فإنه من أشد أنواع الجرائم جنوحًا وبُعدًا عن الإسلام ، ويشكل محاربةً لله ورسوله ، ينطبق عليها حد الحرابة ، الذى نصت عليه الآية 33 من سورة المائدة ، فيقول الحق الحكم العدل تعالت حكمته : «إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه


ما صدر عن الأزهر الشريف ليس رعاية لداعش فى مصر أو فى غير مصر ، وإنما بيان واجب نابع عن الفارق الهائل بين صاحب المرجعية الإسلامية المسئول عن بيان أسسها الصحيحة للعالم الإسلامى وغيره ، وبين تنظيم متطرف جامح لا يصدر فى أفعاله وممارساته عن قيم وأحكام الإسلام . بل إن ما صدر عن الأزهر حجة على تنظيم داعش ذاته ، وعلى كل من جرى مجراه ، وهو فى إيضاحه اللازم الضرورى الواجب ، لم يترك شجب ممارسات وأعمال داعش ، ودمغها واصفًا إياها بالوصف الصحيح النابع من ذات قيم وأحكام الإسلام .


ومن يفهم ، وتحسن نواياه ، لا يغيب عنه سداد ما أبداه إيضاح الأزهر الشريف ، فى غايته وفى مبناه ـ إلاَّ أنه قد صدمنى تطاول غير حميد على شيخ الأزهر الشريف ، زفته إلى القراء إحدى المجلات القومية ، بمانشيت ساخر على الغلاف يقول: (داعش» فى مصر برعاية شيخ الأزهر).


وفات من صك هذا المانشيت ، أنه ينطوى ـ فضلاً عن التطاول غير اللائق ـ على جريمة قذف صريح وقع علانية بطريق النشر ، تؤثمه المواد 302 ، 303 ، 171 من قانون العقوبات ، فهو ينسب إلى شيخ الأزهر أنه يرعى فى مصر تنظيمًا إرهابيًا يقدم على قتل المصريين ، وهذه جريمة معاقب عليها قانونًا ، ويؤدى الاتهام بها إلى تحقير المنسوبة إليه لدى أهل وطنه.


قد ظن من صك هذا القذف والتطاول ، أنه يستطيع الإفلات من مغبته وافتقاده للأساس والسند الصحيح ، باستطرادات تكشف فى الواقع عن تربص غير حميد بفضيلة الإمام الأكبر، وهى استطرادات كاذبة بدورها هى الأخرى ، تتعلق بالموقف من الإخوان أو من الشيخ القرضاوى الذى يجهل من صك التطاول أن الأزهر قد أسقط عضويته بهيئة كبار العلماء ، ويجهل ـ فيما يبدو ـ أن الشيخ حسن الشافعى هو رئيس مجمع اللغة العربية ، ومن ثم لا تثريب على موقعه بالمكتب الفنى لمشيخة الأزهر ، بينما انتخبه العلماء الكبار أعضاء مجمع الخالدين رئيسًا للمجمع .


يضاعف ولاشك من مغبة هذا التطاول الذى بلغ حد القذف المعاقب عليه قانونًا ، وفى حق الإمام الأكبر شيخ الأزهر ، أن يرد على غلاف مجلة قومية ، المفترض أن تكون قدوة لغيرها فى رعاية الأصول والآداب العامة وأقدار الناس !


ماذا جـرى للمصـريين ؟!!!