فى وداع حامد عمار

22/12/2014 - 9:43:35

د . حامد عمار د . حامد عمار

كتب - إيمان رسلان

والمصور ماثلة للطبع الأسبوع الماضى وصلنى خبر وفاة أستاذ الأجيال أو كما أطلق عليه شيخ التربويين العرب د.حامد عمار عن عمر يقترب من 94 عاما كان سيحتفل بها فى الأيام القادمة .


شعرت بحزن حقيقى لمغادرته حياتنا قبل أن أتناقش معه حول كتابه الأخير الذى صدر فى أوائل العام الحالى 2014 .


كانت المفارقة التى أشعرتنى بالحزن الحقيقى أنى كنت انتهيت فى الأيام الماضية من قراءة آخر أعماله وهو كتاب التعليم الذى كان فى أغلبه تجميعاً لمقالاته التى نشرها منذ ثورة يناير 2011 وحتى بداية العام الحالى التى أعتقد أنه توقف للكتابة بعدها، وسر الحزن أننى كنت أنتوى أن أسأله وهو العلامة الحقيقى صاحب ليس فقط الخبرة وإنما الرؤية العلمية والاجتماعية لشئون التعليم عما يحدث الآن فى التعليم خاصة بعدما شهدت الساحة التعليمية، وجود ما أطلق عليه المجلس التخصصى الاستشارى للتعليم والذى أطلق شرارته الرئيس السيسى فى سبتمبر الماضى خاصة أن أحد تلاميذه وهى د. ملك زغلول عضو فى هذا المجلس .


وكنت أريد أن أستمع لرؤيته وتشخيصه خاصة أننى بعد أن استمعت فى حوار أقرب إلى المحاضرة لعدد من أعضاء هذا المجلس الاستشارى خرجت "مكهفرة" إن صح التعبير أو بالأدق فى حالة ضيق نفسى ليس بسبب وجود هذا المجلس التخصصى - الاستشارى بل على العكس رحبت به ولكن لأن الأمر خاصة بعد أن استمعت لعدد منهم يبدو منه أننا ندور فى الدوامة نفسها التى أصابت التعليم المصرى منذ عقود طويلة، وهى "العربة قبل الحصان" أى أننا نتحدث دائما عن تطوير التعليم وننشىء له المجالس ثم لانعرف على وجه الدقة ماهو دور هذا المجلس وماهى مهامه والأهم ماهى الرؤية أو الاستراتيجية التى من أجلها ننشئ المجلس ثم نختار له الشخصيات التى تنفذ ذلك .


ولكن دوامة الحياة أجلت الحوار الذى لم يتم حتى جاء خبر وفاته، ليشعرنا بالخجل من التأجيل والحجج الدائمة التى نتذرع بها للهروب من خطأ الاعتراف بالتقصير حتى إذا فقدنا شخصيات مهمة فى حياتنا سواء الشخصية أو العملية، نتذكر مدى الخجل من التقصير .


وزاد من خجلى أن الفقيد رغم قامته العالية علمياً وتربوياً وثقافياً لم تقم له وسيلة إعلامية واحدة حلقة تستضيف فيها تلاميذه للحديث عنه وعن دوره المهم فى الفكر التربوى الاجتماعى للتعليم، وكانت فرصة لن تتكرر ليفتح الإعلام المصرى ولو مرة واحدة ملف أوضاع التعليم المصرى المنهار قولا وفعلاً بعيدا عن مناسبات الحوادث والتكريم إلى آخره، وقلت إذا كانت وسائل الإعلام كلها من المقروء إلى المرئى ترغى وتزيد فى استضافة "المسئولين ووزراء التعليم" رغم أن بعضهم للأسف الشديد تولى المنصب ولم يعرف قيمة واسم د. حامد عمار الفكرية والتربوية، بل أعرف أن بعضهم تولى منصبه الوزارى ويظهر كثيرا فى وسائل الإعلام ولم يسع إلى لقائه أو الاستماع الى رؤيته .. فهل يمكن لأى أحد مشتغل وليس مسئولاً عن جامعاتنا أن لايسعى لمعرفة ولقاء د. حامد عمار، الذى أتوقع على الأقل من كليات التربية وعلى رأسها كلية تربية عين شمس، وهو كان الأستاذ المتفرع بها وتخرج على يده المئات إن لم يكن الآلاف من طلابها عمل ورشة عمل وسيمنار حول العالم الجليل على الأقل حتى تتعرف الأجيال الجديدة من الأساتذة والطلاب على فكره الاجتماعى التربوى ومعاذ الله أن نقول ذلك عن مسئولى التعليم فى المناصب الرسمية !


أول مرة سمعت اسم د. حامد عمار كنت فى بداية عملى بالمصور فى التعليم واقترح علىّ أستاذى مكرم محمد أحمد إجراء حوار معه والاستماع إليه .


ثم توطدت علاقتى به بعد أن تولى د. حسين كامل بهاء الدين منصب وزارة التعليم حيث عمد هذا الوزير المثقف - صاحب الرؤية - لدور التعليم فى تكوين العقل والشخصية المصرية -وهذا ليس مجاملة لهذا الوزير المثقف فقد ترك منصبه، وبالتالى فليس هناك شبهة للمجاملة ولكن هذا حقه، لأن د. حسين كامل تعمد أن يجمع حوله كوكبة من المفكرين المصريين المثقفين وعلى رأسهم د. إسماعيل صبرى عبدالله بقامته الاقتصادية والثقافية والسياسية، أيضا د. عبدالفتاح جلال عميد التربية ، و د. على الدين هلال "قبل مرحلته الأخيرة"، وعلى رأسهم كان د. حامد عمار وتلاميذه الذين قدمهم للساحة التعليمية وأصبحت أسماؤهم معروفة الآن مثل نادية جمال الدين - شبل بدران - كمال مغيث - كمال نجيب - محمد السكران وغيرهم كثيرون .


وأذكر أنه عندما دب الخلاف الشهير بينه وبين اسم تربوى لامع آخر لن أذكر اسمه استغربت الخلاف وعندما عرفت الحقائق توقفت أمامها كثيرا فهى لاتمس صميم العمل التربوى !


هذا الخوجة الحقيقى د. حامد عمار كان صبوراً للغاية بل أحياناً أكثر من اللازم فى الاستماع لآراء الآخرين ومداخلتهم حتى لو كانت ساذجة بل كان يقوم بأسلوب إنسانى - تربوى - للغاية بدحض الأفكار ويطرح الرؤية الصحيحة.


لم يكن كتابه عن مشوار حياته الذى بدأ بقرية سلوا وليس سلوى، كما صحح لى، دراسة اجتماعية عميقة لأحوال المجتمع منذ بداية القرن وحتى منتصفه عندما التحق بالجامعة فى مصر أقصد القاهرة.


فكان ماكتبه عن قريته والفقر "الدكر" أو المدقع الذى يعيش فيه المصريون ثم النقلة الكبرى إلى القاهرة ثم لندن ثم بيروت وغيرها من العواصم العربية والأجنبية موسوعة مهمة فى دراسة المجتمع المصرى ليس على مستوى مؤسسات التعليم فقط بل على المستوى الاجتماعى والثقافى والإنسانى.


ولعلى لن أزيد فى شىء عندما أقول إنه كان أول من ربط بين أهمية التعليم والبعد أو التفسير الاجتماعى له ولظواهره وكان فى ذلك صاحب رؤية جديدة للدور والتفسير الاجتماعى لقضايا التعليم، وظل طوال حياته مدافعاً شرساً عن مجانية التعليم الحقيقى وليس الوهمى كما هو "موجود الآن"، وقال إن المجانية ليست المسئولة عن تدهور مؤسسات التعليم بل غياب التمويل والرؤية وغيرها هو المسئول .


طالب بمشروع القرش أو الجنيه فى السنوات الأخيرة لدعم تطوير التعليم وغيرها من الاقتراحات المهمة.


وأذكر أننى فى آخر مرة زرته فى منزله وكنت مخنوقة قبل ثورة يناير مما يحدث فى التعليم ووزرائه، هون علىّ الأمر - وجعلنى أتجول فى بيته ومكتبه، وهو بالمناسبة بيت يحمل ذوقاً خاصاً بصاحبه، ذوقاً يجمع بين "رمز الحضارة الفرعونية" والأساس الرحب رمز الحضارة العربية، وبعدها التقيته مرة وحيدة بعد الثورة فى مؤتمر عن محو الأمية التى مازالت - رغم مرور قرن ونصف القرن على صدور أول قانون لمحاربتها- تلتهم طبعاً بالأرقام الرسمية 26% من الشباب تحت 45 عاما و60% فوق هذا السن، وأعتقد أنها ستصل إلى أكثر من 70% من الشعب إذا أضفنا أعداد المتسربين ومن لايجيد القراءة والكتابة ومقيدين بالمدارس.. رحم الله د.حامد عمار وعذرا عن التقصير فى محادثته مؤخراً أو الالتقاء به ولكن عزائى أنه ترك لى تراثا فكريا وإنسانيا أتعلم منه .