مهرجان القاهرة السينمائي.. كاميرات العالم تبحث عن الهوية

20/12/2014 - 2:19:35

فيلم الحزن الابدى فيلم الحزن الابدى

كتب - محمد السيد

    الكثير ممن لا يستطيعون متابعة المهرجانات الدولية ينتظرون مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لمشاهدة الأعمال التي تأتي من بلدان العالم، حيث تتاح مشاهدة مدارس وتيارات سينمائية محتلفة.


    ربما جاءت الدورة السادسة والثلاثون (9 ـ 18 نوفمبر 2014) مختلفة بكل ما قدمته، بدءا من حفل الافتتاح الذي انتقده البعض رغم احتوائه علي الشكل السينمائي  المطلوب والذي افتقده المهرجان في السابق، ففي هذا الحفل ـ وبحكم متابعتي السابقة للمهرجان ـ رأيت افتتاح مهرجان سينمائي بكل ما قدمه من فقرات، رغم وجود أخطاء وسلبيات، أما بخصوص عدم عرض فيلم الافتتاح فى ليلة الافتتاح، فربما لأن محكى القلعة لا يصلح لعروض سينمائية.


    اتسم بعض أفلام المهرجان وبخاصة الأعمال العربية بالملل الذي ظهر في آراء البعض تجاه بعض الأعمال، فنجد في (باب الوداع) وهو الفيلم المصري الوحيد المشارك في المسابقة الدولية محاولة التقرب من أفلام مثل أعمال يوسف شاهين وشادي عبد السلام، ولكن مع افتقاد الخبرة وقوة الأداء والمعني والبطء في إيقاع العمل والتطويل في بعض المشاهد، ورغم وجود بعض الأغاني التراثية القديمة وبعض الجمل البسيطة التي جاءت بصوت رزين وأضحت المعاني، فإن كل هذا لم يغن عن الحوار. فيلم حالم يحاول أن يوصل رسائل متشابكة للجمهور بشكل اعتمد علي السينوغرافيا وكأنك تشاهد ألبوم مسرحي من الصور البصرية والديكور الرائع بتقنية (ثري دي).


    تكرار صدمات الموت للأبطال فى العمل أوجد سحابة من الحزن تفرض شكلها علي أسرة العمل التي شاهدت الكثير من حالات الموت فنجد الاشتياق والحزن يغلف المظهر العام للفيلم، حاولت الكاميرا مرارا أن تستغني عن الحوار، ولكنه بالفعل لم يصل للمشاهد العادي الذي يعتبر الحوار مهما ولا يأتي مكملا، ولا أرجح نظرية نجوم الشباك في العمل فهناك أعمال كثيرة نجحت دون مشاركة نجوم الصف الأول. شارك في العمل كل من سلوى خطاب وأحمد مجدي وآمال عبد الهادى وشمس وإخراج كريم حنفي.


    من الأفلام العربية التي شهدت إقبالا كبيراً (عيون الحرامية)، وهو العمل الفلسطيني المشارك فى المسابقة الدولية، إخراج نجوى نجار، وبطولة خالد أبو النجا والجزائرية سعاد ماسي، وهو أول فيلم فلسطيني يستعين بممثل مصري. ورغم إتقان أبوالنجا للهجة الفلسطينية ـ بشهادة بعض الزملاء العرب ـ فإنه لم يستطع إقناعي بأنه شاب فلسطيني، وقد وقعت منه جمل حوارية كشفت هويته الأصلية. ازدحم العمل بالأغاني المختلطة ربما في محاولة لإثبات هويتنا وترابطنا كعرب وأن القضية واحدة، وتوسعت المخرجة فى الأحداث فأفقدته الرسالة الرئيسية، كما أن إضافة ملامح عدوانية على طفلة لم يضف لها شيئا بقدر ما أفقد المشاهدين تعاطفهم معها.


    انتهى الفيلم  بصورة جميلة لم تشعرنا بانتهاء العمل فمازال البعض ينتظر النهاية الحقيقية للعمل وليس اختلاق صورا جميلة ربما لا يراها البعض من فلسطين فأتذكر كلمة صديقي (رياض): ليست هذه  البلد التي أعرفها!


    أما فيلم (زي عود الكبريت) الذي أخرجه حسين الإمام فجاء أشبه (بالكولاج) الفني الذي اقتطع مشاهد أهم نجوم السينما الذين تعاملوا مع والده حسن الإمام: فاتن حمامة، وليلى فوزي، وهند رستم، وقام بتركيبها على أحداث أخرى ليخرج فيلمه إلى النور بعد وفاته. كان حسين يريد بالفيلم أن يكرم والده فقدم تأبينا لنفسه في حفل اختتم به العرض قبل أن يبدأ.


    أما الفيلم الأكثر تعبيرا عن ظروف النساء فهو (الحزن الأبدي) للمخرج المكسيكي خورخي بيريز سولانو، وعرض في قسم (مهرجان المهرجانات) ويحمل دعوة للعالم ليقف في صفوفهن ومساعدتهن على ما يتعرضن له قهر وتحرش. حاول المخرج في الكثير من المشاهد التي فرضها الواقع الدرامي الرومانسي أن يخرج عن المشاهد الجنسية التقليدية. سلط العمل الضوء  بشكل مباشر على وقوع المرأة ضحية، حتى إننا نجد إحدى بطلات العمل، السيدة الصغيرة، يائسة وتهرب في النهاية لأنها فاقدة للأمل، ولكنها لم تستطع أن تترك رضيعها.


    لم يفتعل المخرج مشاهد الحرب التي تتعرض لها المرأة لأن هذا بالفعل موجود في الطبقات الفقيرة بكثرة، أما في الطبقات الوسطى فنجد فيها إلى حد ما الأمل في غد أفضل. وفسر المخرج وجود الملح في أعمال القرية بأنه نوع من التطهير لكل الشخصيات فى العمل، وخصوصا الفتاة الصغيرة التي يغتصبها زوج أمها، لذا نراها أكثر الشخصيات استخداما للملح حيث تضع الكثير منه على الرضيع فيلفظه بعيدا مثل الزيت والماء لا يختلطان، وتأتي النهاية مثل بعض الأعمال المصرية بالاستقرار.


    (ملكة وبلد).. فيلم بريطاني للمخرج جون بورمان الذي جذب الجمهور من المشاهد الأولى لفيلم مدته 115 دقيقة عن صديقي عمر، منذ فترة التجنيد حيث يتبادلان الخبرات، وتمر الأحداث داخل المعسكر خلافاً لبعض المشاهد في فترة الإجازة. اتسم الفيلم بطابع كوميدي عربي، فشعور الجمهور وإحساسه بخفة ظل البطل ينم على أنها كوميديا مصرية بلهجة بريطانية. ولكن سوء الحظ يوقع أحدهما في مشكلة تنتهي به إلى السجن ولكن دون أن تهتز صداقتهما.


    نجح المخرج والعاملون في تشكيل لوحة شديدة الإبهار سواء من حيث المناظر واختيار أغلب المشاهد الخارجية للعمل والتي أضافت جمالا زادته الطبيعة سحرا.


    أما فيلم الافتتاح الألماني (القطع) للمخرج فاتح أكين فاتسم ـ رغم أهميته ـ بالإطالة في الأحداث التي أفقدتنا التعاطف مع البطل. هذا عمل متفرد يناقش مذبحة العثمانيين ضد الأرمن في الحرب العالمية الأولى، ويستعرض جانبا من معاناتهم، وطاف المخرج في بلدان عدة ليخرج في النهاية برحلة مأسوية للبطل الذي كانت محطات حياته مصادفات فلم يكتب له الموت، ولكن خسر صوته، ربما يكون رمزا أن تقضي حياتك دون تستطيع التعبير عن ذاتك، كما وضع المخرج نهاية ربما أراد فيها أن ينال تعاطف المشاهدين وهي وفاة إحدى ابنتي البطل دون أن يراها.


    ولكن التعاطف الأكثر كان بمشهد خروج العثمانيين بعد هزيمتهم في الحرب، في مشهد رفض فيه البطل رجم تلك الأسر رغم كل ما عناه من جيوشهم، فلم يستطيع أن يمارس الظلم، حيث ما زال الإنسان والأب بداخله ولم تقتله قسوة الغير. ولا أعلم لماذا يحاول دائما إثبات أفضليته برفضه ظلم البشر وخاصة في مشهد محاولة بعض العمال اغتصاب عاملة من الهنود، وقد ناله أذى شديد بضربه بقسوة حين حاول الدفاع عنها، وكان ذلك سببا في لا مبالاته طالما أن الظلم لا يمسه.


    في فيلم للمخرج رولف دي هير من استراليا (بلد شارلي) بطل يبحث عن البيت، فالبيت بالنسبة له الطبيعة والأرض والعادات والتقاليد، فهو لا يبحث عن وسائل حديثة بل يعشق الطبيعة، هو بدائي بطبعه، تلقائي نجده ساخرا من الحياة، النقود بالنسبة له ليست هدفا بل وسيلة للعيش، يساعد الشرطة التي تراقبه وتعترضه رغم إدلائه بمعلومات عن الخارجين، يدخن مرة ويقلع عن التدخين مرة أخرى، يخرج في رحلة للصيد فتصادر الشرطة كل ما يملك.. بندقيته وسيارة صديقة وفوقها جاموسة قاما باصطيادها من الغابة. وعندما يصنع رمحا للصيد تصادره أيضا الشرطة، يسافر عبر الغابة ويدخل المستشفى، ويخرج ليعيش فى الغابة، وفى كل مرة نجد رفيقه ينتظره، يحاول الضحك لأن طبيعته ساخرة، ولكنه يسخر من كل شيء، في كوميديا سوداء. لم تكن رحلة شارلي مملة رغم طولها ولكن أعجبني رمز الصداقة الذي تكرر في أكثر من عمل وخاصة فيلم (ملكة وبلد) وأسلوب الكوميديا أيضا.


    أفلام عديدة في هذه الدورة فيها رحلة للبحث عن الهوية والوطن والأسرة والاستقرار والذات.


    شاهدت رمزا للصداقة في أكثر من عمل اتفق معظم المخرجين علي روعة التصوير الخارجي وما يقدمه من إبهار وإضاءة تجذب الأنظار. أعمال كثيرا كانت تستحق أن تدخل المسابقة الدولية وأعمال أخرى لم يكن لها طابع تنافسي، بل خرجت بتصويت الجمهور وليس بحكم لجنة التحكيم.