تونس : الإسلام السياسي يهزم أيضا بالانتخابات

20/12/2014 - 2:15:31

انتخاب التونسيين فى القاهرة انتخاب التونسيين فى القاهرة

كتب - عبد الجليل معالي - كاتب تونسي

    عسير أن تخاض معركة ديمقراطية، على الأقل في صيغتها الانتخابية الدنيا، بين تيارات تؤمن بالصراع على البرامج وتطارح المشاريع والأفكار، وتيارات أخرى تنقل الدولة إلى المسجد وتستعيض عن حل مشكلات الاقتصاد والتنمية وخبز العباد بالدعاء والتعاويذ، ولا ترى ضيرا في وصم خصومها بالعار وتأثيمهم واغتيالهم معنويا وفعليا. كانت هذه الفكرة تجول في أذهان فئات واسعة من الشعب التونسي، قبل ولوجهم المراكز الانتخابية (نهاية أكتوبر 2014)، وكانت تستحيل خوفا أو توجسا مما قد يفرزه ذلك المفصل السياسي الانتخابي؛ ماذا لو فازَ الإسلاميون؟ بل ماذا لو انهزموا؟


    لكن الخوف تلاشى، والتوجس زال، وتبددهم معهما ثوابت ومسلمات طالما رددها الإخوان وإخوانهم وسربوا رملها، إلى درجة أن صدقها لفيف من غير الإخوان وإخوانهم.


    الانتخابات التشريعية التي تقدم لها سيل من المترشحين (قوائم حزبية وائتلافية ومستقلة) بعناوين متشابهة أحيانا، ومختلفة حدّ التناقض أحيانا، أخرى، جرتْ في مناخ سياسي موسوم أولا بالاستقطاب السياسي الحادّ المترتب على آثار حكم سنوات الترويكا وعلى ما قبلها (حيث يمكن الحفر في أركيولوجيا المشهد السياسي والبدء من لحظة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية).


    لكن الانطلاق من نتيجة الانتخابات، مفيد لاستنطاق تحولات طالت المشهد المشار إليه وما غمره من جرف عارم. تقهقر حركة النهضة الإسلامية إلى المركز الثاني بعد حركة "نداء تونس"، وبصرف النظر ـ منهجيا ـ عن سبب صعود الأخير، بددت مقولة طالما هيمنت على القراءات السياسية واقتربت من المسلّمة أو المصادرة، ومفادها أن "الإسلام السياسي لا ينهزم بالانتخابات". مقولة روّجها الإخوان ومشتقاتهم طويلا، وأتقنوا وصْلَها برداء المظلومية الذي لم ينزع حتى وهم في وضع الحاكمين. " الإسلاميون لا يسقطون في الانتخابات"، "نتيجة" سياسية روّجها الإسلاميون طويلا، احتاجت دائما "مقدمة" لازمة هي أنهم تعرضوا طويلا إلى الاستبداد السياسي.


    تغير "المقدمة" تلك (مع سقوط أنظمة الاستبداد العربي) لم يصحبه تغيّر "النتيجة"، ولم يبرح الإسلاميون فضاء المظلومية؛ وفي هذا الإصرار برزت مقولة أنهم لا يهزمون بالانتخابات تبعا لإيمانهم بأن الشعب في غالبيته مصطف إلى جنبهم ومنتصر لهم، وكان اتكاؤهم في ذلك على تجارب سياسية محددة؛ التجربة الجزائرية، والتجربة التركية (لم يهزم الإسلاميون منذ 2002)، وألحقوا بقرائنهم تلك التجربة المصرية الأخيرة التي أنزلت محمد مرسي من كرسي بحكم شعبي أهمله الإخوان وركزوا فقط على الدور العسكري في العملية. استدعى الإسلاميون أيضا نجاحهم في بعض الانتخابات القطاعية، من قبيل النقابات المهنية والطلابية خاصة في مصر.


    ما حصل في تونس، بدءا من ليل الأحد (26 أكتوبر 2014)، أسقط كل تلك "المسلمات"، وقدم دلائل تفيد بإمكانية هزم الإسلاميين انتخابيا وديمقراطيا، ومن ثمة بدد وهما ظل سائدا طيلة عقود، فقط، في الأدبيات الإسلامية ولدى من يصدقها. المعطى الجديد هو أن تجربة الحكم، أعسرُ من أن تدارَ بمقولات الإيمان والتديّن وطهر الانتصار للإسلام. تجربة الحكم التي أبانت فشلا ذريعا للحكام الإخوان، جعلت فئات واسعة من الشعب التونسي (وقد تدفع غيره قريبا) إلى تغيير بوصلة الاختيار، مع الإشارة هنا إلى أن صعود النهضة في الانتخابات السابقة (لعام 2011) لم يحصل نتيجة لعملية سياسية ديمقراطية عادية مألوفة (على غرار ما نراه ونشهده في الديمقراطيات الراسخة) بل حكمته معطيات الاعتمال والحراك الشعبي، وأدت إليه ضبابية سادت الرؤية والمشهد، فضلا عن فراغ مهول (في مستوى النخب والأجسام السياسية والثقافة السياسية ودرجة المشاركة في الشأن العام وغيرها من المعايير) تكشّفَ للعيان بعد سقوط نظام بن علي.


    المعطى المُشار إليه (سقوط مقولة كبرى فاخر بها الإسلاميون وترددت إلى درجة تصديقها من قبل بعض خصومهم) أنتج بدوره سؤالا عارما مفاده؛ هل من مستقبل للإسلام السياسي في ظل عملية سياسية تبنى على الأدوات الديمقراطية لا على غيرها؟


    سؤال يحيل إلى إشكاليات كبرى تمسّ الحركات الإسلامية (التي استحال بعضها أحزابا مع العجز عن الخروج الفعلي عن عقلية الجماعة الدينية) برمّتها وحركة النهضة التونسية إحداها. أغلب الحركات الإسلامية التي اختارت خوض غمار المعترك السياسي أو جلّها (يستثنى هنا التيارات الجهادية التكفيرية التي أبتْ التخلي عن أدواتها القاتلة) عجزت عن نسيان أنها تيارات إسلامية وتبعا لذلك عجزت عن التحول إلى أحزاب سياسية فعلية بكل ما تعنيه الكلمة من تشارك. ودرءا لكل لوثة تحامل، نستدلّ على ذلك بسلوك الأحزاب الإسلامية في كل الأقطار العربية والإسلامية وأدائها السياسي وتعاملها مع خصومها، في كل الأقطار العربية التي وصلت فيها إلى الحكم أو لم تصله. حركة النهضة الإسلامية، كما غيرها من الأحزاب الإسلامية، (مع بعض التفاوت المتصل بخصوصيات كل بلد) استعملت طويلا رداء المظلومية بترديد ممجوج لتعرض عناصرها وقياداتها إلى القمع طيلة العهد البورقيبي والنوفمبري (إحالة على 7 نوفمبر 1987 تاريخ استيلاء بن علي على الحكم)، مع أن قمع العهدين طال كل الحساسيات السياسية دون استثناء. واستعملت مظلوميتها في مستويين؛ شعبيا في استمالة مزيد من الناخبين، وسياسيا في المطالبة بالحصول على تعويضات لضحايا القمع وفي فرض بعض القوانين. وكانت الحركة في هذا المسعى تسابق الزمن وتتعامل بـ "قبلية" سياسية أثارت استياء الجميع. "قبلية" النهضة تلك تحيل على عدم قدرتها الفعلية على التحول إلى حزب سياسي فعلي، من وضع جماعة دينية تتخذ لها مقرا وشعار واسما حزبيا. وهذا البعد الآخر الذي تشترك فيه مع أخواتها في البلاد العربية.


    المشترك الآخر هو عدم القدرة على الحكم وإدارة شؤون البلاد، حيث كانت الحركة وحلفاؤها يبتعدون يوميا وباطراد عن مضامين ثورة جاءت بهم ـ فجأة ـ إلى مقاليد الحكم. أهملوا قضايا التنمية والبطالة (مفيد هنا التذكير ببرنامج الــ365 نقطة الذي تقدمت به النهضة إلى انتخابات عام 2011 ولم تحقق منه شيئا، وكانت بذلك من جنس الذين يطرحون على أنفسهم مهام غير قادرين على إنجازها) وأهملوا قضايا استرجاع الأموال التونسية المنهوبة وتفعيل العدالة الانتقالية، وتراخوا (أو تغاضوا أو دعّموا سرا في روايات أخرى) عن التعامل الصارم مع التهديدات الإرهابية التي أطبقت على البلاد. الخلاصة أن سنوات حكم النهضة (كما حزب الحرية والعدالة في مصر) كان عنوانها ومختصرها الفشل الذريع على كلّ الأصعدة.


    ترافق هذا الفشل، مع سلوك سياسي خطير يقوم على بعدين؛ البعد الأول هو "العلياء" والصلف وتفضيل يسر التبرير على جرأة التشخيص الحقيقي لمكامن العوار والهنات، إذ دأب أنصار النهضة وحتى قياداتها (وهو الأخطر) على البحث عن مسوغ سريع التسويق لكل فشل عميق الأبعاد. بحثت عن ذلك لدى الخصوم (اتحاد الشغل والمعارضة) ولدى الجهات الخارجية (دول ومخابرات أجنبية) وحتى عند فئات من الشعب (كلما اندلعت احتجاجات أو مظاهرات)، الخيط الواصل بين كل أشكال التبرير هذه أن أطرافا تضع العصا في عجلة جهود النهضة ومساعيها، أما البعد الثاني فهو "تخضيب" ذلك بـ "حناء" من قاموس الهوية والدفاع عن الإسلام بالقول إن النهضة تتعرض لتآمر أعداء الدين الإسلامي والهوية العربية الإسلامية، من قبل الذين يمثلون "أيتام بورقيبة" أو "بقايا بن علي" مع "اليسار الاستئصالي" وغيرها من الألفاظ التي تلقى رواجا غريبا لدى "جمهور الإخوان". وهوما يمثل صدى لما يعرف بــ"الاغتيال المعنوي للخصوم"، وهو ركن أساسي من خطة التمكين لحسن البنا: مرحلتها الأولى نشر الرجال، والثانية نشر الأفكار (وهنا يأتي الاغتيال المعنوي للخصوم أداة لتيسير نشر الأفكار)، ومرحلتها الثالثة تنفيذ الأفكار، ويكفي هنا تتبع سلوك النهضة منذ فبراير 2011 تاريخ الندوة الصحفية التي أعلنوا خلالها تأسيس "الحزب" لتبين المرحلتين الأولى والثانية لأن المرحلة الثالثة لم يصلوها.


    هل كانت كل هذه المعطيات كافية، لوحدها، لهزم النسخة التونسية من الإخوان سياسيا وانتخابيا؟ الإجابة ستكون بالنفي، لأن هزيمة النهضة احتاجت أيضا لانتصار التونسيين لنمط مجتمعي صنع بتؤدة على مدى قرون. واصطفاء الشعب التونسي لأحزاب وقائمات أخرى غير النهضة (على ما أفرزه أيضا من اختيار لقائمات تحيل إلى النظام القديم) كان فعلا جمعيا رافضا لمسار الأخونة، ولسلوك النهضة ولفشلها الذريع. انتصر التونسيون لنمطهم المجتمعي المألوف، وصعدت جملة قائمات وأحزاب جلها يؤمن بالدولة المدنية وبالتشارك في الحياة السياسية والتداول السلمي على السلطة (حسم مسألة النظام القديم يبدو أنها مسألة أجّلها الشعب التونسي إلى حين).


    الثابت الأخير أن تدحرج النهضة الى المرتبة الثانية هزيمة سياسية كاملة الأوصاف، وكان يمكن أن تكون أكثر فداحة لو كانت نسبة المشاركة أعلى من تلك التي سجلت الأحد (26 أكتوبر 2014)، لأن الجميع يعرف أن "النواة الصلبة" لمصوتي النهضة لا تتجاوز 800 ألف صوت، وكلما كانت نسبة المشاركة أعلى انخفضت أهمية تلك النواة الصلبة.


    ثابت آخر، هو أن تدحرج النهضة سيتواصل حتى وإن اضطرت إلى مراجعة فكرية وسياسية شاملة، وهذا ينسحب أيضا على بقية التيارات الإسلامية التي يبدو أنها استفاقت على حقيقة خطيرة هي أنها تنهزم بالانتخابات أيضا، وإبعادها لا يحتاج بالضرورة "انقلابا" أو "حربا أهلية" كما روجوا لذلك طويلا.