تصور لتحالفات المنطقة في عالم متغير

20/12/2014 - 2:14:28

كتاب العقد المقبل كتاب العقد المقبل

عرض وترجمة - أحمد محمود - مترجم مصري

في كتابه "العقد المقبل: الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير" يسجل الكاتب الأمريكي جورج فريدمان أن للولايات المتحدة ثلاثة اهتمامات أساسية في الشرق الأوسط، هي الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، والتأكد من عدم تعطيل تدفق النفط، وهزيمة الجماعات الإسلاموية المتمركزة هناك والتي تهدد الولايات المتحدة. وأية خطوة تتخذها لمعالجة أي من هذه الأهداف لا بد أن تأخذ في حسبانها الهدفين الآخرين، الأمر الذي يزيد درجة صعوبة حتى واحد منها بشكل كبير.


وظل توازن القوى بين إيران والعراق قائما حتى عام 2003 عندما دمر غزو الولايات المتحدة كلا من حكومة العراق وجيشه. ومنذ ذلك الحين أصبحت القوة الأساسية التي تقيد حركة الإيرانيين هي الولايات المتحدة. لكنها أعلنت أنها تعتزم سحب قواتها من العراق، الأمر الذي سيترك إيران، في ظل حالة الحكومة العراقية والجيش العراقي، القوة المهيمنة في الخليج. ويمثل هذا تحديا أساسيا لكل من الاستراتيجية الأمريكية والمنطقة شديدة التعقد.


ومع أن تركيا قوة صاعدة عدد سكانها كبير، فهي لا تزال قوة محدودة غير قادرة على مد نفوذها حتى الخليج. ومع أنه يمكنها الضغط على العراق وإيران في الشمال، حيث تصرف انتباههما عن الخليج، فلا يمكنها التدخل مباشرةً لحماية حقول النفط العربية. ولأن العراق يعيش حالة من الفوضى، فقد لا تقاوم دول شبه الجزيرة العربية إيران حتى وإن نسقت العمل فيما بينهما. وسوف تظل إيران القوة المهيمنة في الخليج حتى وإن دُمرت أسلحتها النووية.


سيكون رد إيران النهائي على الضربة الموجهة إلى منشآتها النووية هو محاولة غلق مضيق هرمز، حيث يتدفق حوالي 45 % من صادرات نفط العالم المحمولة بحرا عبر هذه القناة الضيقة. ولدى إيران صواريخ مضادة للسفن، والأهم من ذلك أن لديها ألغاما. وإذا لغمت إيران المضيق ولم تستطع الولايات المتحدة تطهيره فقد يُغلَق خط الإمداد. وسوف يسبب هذا ارتفاعا كبيرا في أسعار النفط ومن المؤكد أنه سيجهض التعافي الاقتصادي العالمي.


وأي هجوم منفرد على منشآت إيران سيجعل إيران أكثر خطورة من أي وقت مضى. والطريقة الوحيدة لتحييد تلك المنشآت دون إحداث ضرر مصاحب هي مهاجمة قدرات إيران البحرية كذلك، واستخدام القوة الجوية لتدمير قدرات إيران التقليدية. وسوف يستغرق هذا الهجوم شهورا (إن كان يستهدف جيش إيران) وفاعليته غير مؤكدة، شأنه شأن فاعلية كل الحروب الجوية.


لكي تحقق الولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، لابد لها من العثور على طريقة لموازنة ثقل إيران دون الإبقاء على نشر قواتها الحالي في العراق ودون زيادة القوة العسكرية المخصصة للمنطقة. وليست الحملة الجوية الكبيرة ضد إيران توقعا مرغوبا فيه.


الخيار الأفضل مع إيران في العقد المقبل سيتم توصيله من خلال خطوة تبدو غير متصورة في الوقت الراهن. وقد كان الخيار الذي اختاره روزفلت ونيكسون عندما واجهتهما أوضاع استراتيجية تبدو مستحيلة هو إقامة تحالفات مع بلدان كان يُنظَر إليها من قبل على أنها تهديدات استراتيجية وأخلاقية؛ فتحالف نيكسون مع الصين الماوية وتحالف روزفلت مع روسيا الستالينية.


لكي يحقق الرئيس الأمريكي أهدافه الاستراتيجية، لا بد له من السعي إلى تسوية الخلافات مع إيران، للحفاظ على تدفق النفط عبر مضيق هرمز. والسبب الذي يمكن معه لإيران قبول عقد اتفاق هو أن ترى الولايات المتحدة على القدر نفسه من الخطورة وعدم التوقع. ولا بد أن تتحاشى تدخلا أمريكيا ساحقا، مع ضمان ألا يصبح العراق تهديدا مرة أخرى. وفي الوقت نفسه، لا بد أن تزيد إيران سلطتها داخل العالم الإسلامي في مواجهة المسلمين السُّنَّة الذين ينافسونها وفي بعض الأحيان يهددونها.


عند محاولة تخيل الوفاق الأمريكي الإيراني، ليكن في ذهننا التداخلات في أهداف هذين البلدين. فالولايات المتحدة تخوض حربا ضد بعض السُّنَّة، وهؤلاء السُّنَّة هم كذلك أعداء لإيران الشيعية. وكما تريد الولايات المتحدة رؤية النفط يواصل تدفقه عبر مضيق هرمز، تريد إيران الاستفادة من التدفق وليس تعطيله. وأخيرا، يفهم الإيرانيون أن الولايات المتحدة بمفردها تمثل التهديد الأكبر لأمنهم. وتفهم الولايات المتحدة، أو ينبغي أن تفهم، أن بعث الثقل الموازن العراقي لإيران ليس خيارا على المدى القصير. وما لم تكن الولايات المتحدة تريد تقديم تعهد ضخم طويل المدى بالقوات البرية في العراق سيكون الواضح للمشكلة في المنطقة هو تسوية الخلاف مع إيران.


التهديد الكبير الذي يمكن أن ينشأ عن استراتيجية تسوية المشكلات هذه هو أن تتجاوز إيران حدودها وتحاول احتلال البلدان المنتجة للنفط في الخليج بشكل مباشر. غير أنه في ظل القيود اللوجستية المفروضة على الجيش الإيراني، سيكون من الصعب تحقيق ذلك. وبما أن هذا سيؤدي إلى تدخل أمريكي سريع، فسيكون هذا العمل العدواني على جزء من الإيرانيين بلا معنى وضارا للذات. فإيران بالفعل قوة مهيمنة في المنطقة. والولايات المتحدة ليست مضطرة إلى التصدي للنفوذ الإيراني غير المباشر على جيرانها. وسوف تتراوح جوانب نفوذ إيران بين المشاركة المالية في المشروعات الإقليمية والتأثير القوي على حصص أوبك ودرجة من التأثير في السياسات الداخلية لبلدان جزيرة العرب. وبمجرد بيان قدر صغير من ضبط النفس، قد يكسب الإيرانيون تفوقا لا شك فيه وميزة اقتصادية ما، وهم يرون نفطهم يشق طريقه إلى السوق. وقد يرون كذلك استثمارا كبيرا يبدأ في التدفق إلى اقتصادهم من جديد.


حتى عند التفاهم مع الولايات المتحدة، ستكون للهيمنة الإيرانية على المنطقة حدود. وسوف تتمتع إيران بمنطقة نفوذ تعتمد على تحالفها مع الولايات المتحدة بشأن قضايا أخرى، وهو ما يعني عدم عبورها أي خط يدفع إلى التدخل الأمريكي المباشر. وبمرور الزمن، سوف يفيد نمو القوة الإيرانية داخل إطار هذه التفاهمات الواضحة كلا من الولايات المتحدة وإيران. وكشأن الترتيبات مع ستالين وماو، سيكون هذا التحالف الأمريكي الإيراني كريها لكنه ضروري، وسيكون مؤقتا كذلك.


سيكون الخاسرون الكبار في هذا التحالف بطبيعة الحال هم السُّنَّة في شبة جزيرة العرب، بمن فيهم آل سعود. فهم بدون العراق عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، ومادام النفط يتدفق ولا تسيطر قوة واحدة بشكل مباشر على المنطقة بكاملها، لن يكون للولايات المتحدة اهتمام طويل المدى بمصلحتهم الاقتصادية والسياسية. وبذلك سوف يعيد الوفاق الأمريكي الإيراني كذلك تحديد العلاقات التاريخية للولايات المتحدة مع السعوديين. وسوف يتعين على السعوديين النظر إلى الولايات المتحدة على أنها ضامن لمصالحهم وهي تحاول التوصل إلى تسوية سياسية مع إيران.


سوف تكون إسرائيل كذلك مهددة، وإن لم يكن ذلك بقدر تهديد السعوديين والإمارات الأخرى على الخليج. فعلى مر السنين كان خطاب إيران المعادي لإسرائيل مبالغا، لكن أفعالها اتسمت بالحذر. وفي النهاية، سوف تقع إسرائيل في الفخ بواسطة قرار أمريكي. وتفتقر إسرائيل إلى القدرة التقليدية اللازمة لذلك النوع من الحملة الجوية الموسعة اللازمة لتدمير البرنامج النووي الإيراني. ومن المؤكد أنها تفتقر إلى القوة العسكرية اللازمة لتشكيل التحالفات الجيوبوليتيكية لمنطقة الخليج. وعلاوة على ذلك فإن إيران قد تصبح تصالحية إلى حد كبير.


حتى الآن، مازال لدى الإسرائيليين الخيار المحتمل الخاص بضرب إيران من جانب واحد، أملا في توليد رد إيراني في مضيق هرمز، وبالتالي جر الولايات المتحدة إلى الصراع. وإذا تحرك الأمريكيون والإيرانيون نحو التفاهم لن يكون لدى إسرائيل تلك السطوة على السياسة الأمريكية.


سوف تعزز الضربة الجوية موقف الرئيس أوباما السياسي أكثر من الاتفاق القائم على المصالح. إذ سوف تكون التسوية مع إيران بالغة الصعوبة بالنسبة له، لأنه سوف يُنظَر إليها على أنها نموذج للضعف وليس الشدة والمكر. وسوف يحتاج الرئيس الأمريكي إلى قدر كبير من المهارة السياسية لوضع التحالف كمُعين للحرب على القاعدة، وهو ما يوضح أن إيران التي يهيمن عليها الشيعة معادية للسُّنَّة مثلما هي معادية للأمريكيين. وسوف تعارضه جماعتا ضغط، هما السعودية وإسرائيل. وسوف تغضب المناورة إسرائيل، لكن السعودية سوف يصيبها الفزع. وسيمكن التعامل مع إسرائيل على نحو أكثر سهولة، فقط لأن الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ينظرون منذ فترة طويلة إلى الإيرانيين على أنهم حلفاء طارئين ضد التهديدات العربية، حتى عندما يؤيد الإيرانيون حزب الله ضد إسرائيل. وسوف يدين السعوديون هذه الخطوة، لكن الضغط الذي تمارسه على العالم العربي سيكون جذابا لإسرائيل.


المعروف أن إيران بلد دفاعي بطبعه. فهي ليست قوية لما يكفي لأن تكون أساس السياسة الأمريكية في المنطقة أو القضية طويلة المدى الحقيقية. وسوف يمنح التحالف مع أمريكا ميزة لإيران بشكل مؤقت في العلاقات مع العرب، لكن بعد بضع سنوات سوف يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد تأكيد توازن القوى. فباكستان عاجزة عن مد نفوذها غربا. وإسرائيل أصغر وأبعد كثيرا من أن توازن ثقل إيران. وشبه جزيرة العرب على قدر كبير من التشظي. والبديل الأكثر واقعية هو تشجيع روسيا على مد نفوذها إلى الحدود الإيرانية.


البلد الوحيد القادر على أن يكون ثقلا موازنا لإيران وقوة محتملة طويلة المدى في المنطقة هو تركيا، وسوف تصل إلى هذه المكانة خلال السنوات العشر المقبلة بغض النظر عما تفعله الولايات المتحدة. فتركيا تحتل المركز السابع عشر بين أكبر اقتصادات العالم، وهي صاحبة أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط. وهي كذلك لديها أقوى جيش في المنطقة، وباستثناء الروس، وربما البريطانيين، قد يكون أقوى جيش في أوروبا. وكشأن معظم البلدان في العالم الإسلامي، تركيا منقسمة حاليا بين العلمانيين والإسلامويين داخل حدودها. لكن صراعهم مقيد على نحو أكبر مما يجري في أنحاء أخرى من العالم الإسلامي.


ليست الهيمنة الإيرانية على شبه جزيرة العرب في مصلحة تركيا لأن لتركيا شهيتها الخاصة بنفط المنطقة، مما يقلل اعتمادها على النفط الروسي. خلال العقد المقبل سوف يتعين على إيران تغيير مسار موارد كثيرة كي تتعامل مع تركيا. وفي الوقت نفسه، سوف يبحث العالم العربي عن بطل في مواجهة إيران الشيعية، وعلى الرغم من التاريخ المرير للنفوذ التركي في العالم العربي أثناء الدولة العثمانية، فإن تركيا السُّنِّية هي الأفضل على الإطلاق.


في السنوات العشر التالية، لابد للولايات المتحدة أن تتأكد أن تركيا لن تصبح معادية للمصالح الأمريكية، وأن إيران وتركيا لن تشكلا تحالفا من أجل السيطرة على العالم العربي واقتسامه. وكلما زاد خوف إيران وتركيا، كان احتمال حدوث ذلك أكبر. وسوف تتم ترضية إيران على المدى القصير بوفاق مع أمريكا، لكنها ستكون على علم تام بأن هذا تحالف مصلحة، وليس تحالف صداقة طويلة المدى. أما الأتراك فهم المستعدون لتحالف ذي مدى أطول مع الولايات المتحدة، ويمكن أن تكون تركيا ذات قيمة للولايات المتحدة في أماكن أخرى، وبشكل خاص في البلقان والقوقاز، حيث تكون بمثابة حائل أمام التطلعات الروسية.


وعلى مدى العقد المقبل سوف نرى بداية صعود تركيا إلى الهيمنة في المنطقة. واللافت للنظر ملاحظة أنه بينما لا يمكننا التفكير في القرن المقبل بلا قيام تركيا بدور شديد الأهمية، فسوف يكون هذا العقد عقد الإعداد. وسوف يتعين على تركيا تسوية صراعاتها الداخلية وتنمية اقتصادها. وسوف تستمر السياسة الخارجة الحذرة التي اتبعتها تركيا موخرا. وهي لن تغرق في الصراعات وبالتالي سوف تؤثر على المنطقة لكنها لن تحددها. ولابد أن تكون للولايات المتحدة رؤية طويلة المدى لتركيا وتتحاشى الضغط الذي قد يقضي على تطورها.


(من كتاب: "العقد المقبل: الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير"، تأليف: جورج فريدمان، ترجمة: أحمد محمود. ويصدر قريبا عن المشروع القومي للترجمة بالقاهرة)