اللص والكلاب.. حين يصبح الإعلام تضليلا

20/12/2014 - 2:12:35

فيلم اللص و الكلاب فيلم اللص و الكلاب

كتب - د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

أصبح الإعلام قوة حيوية تحرك كل شيء على سطح الكرة الأرضية، هو القوة الطاغية التى لا يقف أمامها أى قوة أخرى.. وإذا كان هناك من قال إن الإعلام والمشتغلين فيه سحرة فرعون فهم على حق؛ فالإعلام لديه القدرة أن يقيم الدنيا ولا يقعدها، وإسقاط أنظمة وهز إمبراطوريات. الإعلام هو المارد الذى يسيطر على الزمن المعاصر.


وفى عالم نجيب محفوظ سنجد أن للإعلام دورا بارزا داخل أحداث رواياته ولديه قدرة فى رسم خطوط الحدث الدرامي، بل يمكن القول إنه مهندس الحدث الدرامى وهو مدرك لأهمية الواقع فى رسم أحداث الرواية. من تلك العناصر الأساسية التى تسهم فى الأحداث الصحافة والإعلام، فعلى الإعلام تقع كل المسئولية فى تصوير الأحداث وعن طريق الإعلام يمكن أن يتشكل الموقف الجماهيرى تجاه أى قضية أو رأى أو موقف أو حدث أو حتى الجريمة، ولعلنا فى واقعنا نلاحظ أن أى جريمة إذا سلط الإعلام عليها الضوء تتحول من مجرد حدث إجرامى أو جنائى إلى حدث رأى جماهيرى أو رأى عام على سبيل المثال مقتل سوزان تميم لعب الإعلام دورا لا يستهان به فى تشكيله. والأحداث فى جوهرها شخص يقتل فى ظروف معينة أو تحت ظروف معينة ولأسباب معينة.. وعلى الجهات المختصة التحقيق فيها..هذا كل ما فى الأمر. ولكن الإعلام يدخل فتتحول القضية من مجرد قتل إلى قضية رأى وقد تتداخل فيها النواحى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


ثمة قضايا وأسئلة أفضل من يجيب عنها هو الأدب وخاصة نجيب محفوظ. من هذه الأسئلة: رجل الإعلام هل هو صادق كل الصدق فيما يكتب وينشر؟ أم هو ينطلق من رؤاه الشخصية ومواقفه وقناعاته؟ هل يمكن لرجل الإعلام أن يوجه المجتمع إلى حيث يريد؟ ألا يعنى ذلك أننا إزاء ذلك الأمر علينا أن نحترس فى كل ما يقدمه الإعلام وأن نثق أن أغلب ما يقولوه كاذب إلا أقله؟


مثل تلك الأسئلة وغيرها يمكن أن نجد إجابتها فى عرضنا للصحفى ورئيس التحرير «رءوف علوان» في«اللص والكلاب». وقد استوحى نجيب محفوظ قصته من حادث السفاح محمود أمين سليمان الذى شغل الأذهان يوما، ثم كانت نهايته بواسطة الكلاب البوليسية التى اقتفت أثره أو رائحته، حتى فر إلى كهف فى الجبل كما تفر الضوارى أمام كلاب الصيد. (د. فاطمة موسى: أخبار اليوم: 7فبراير 1962).


يصور نجيب فى أحداث الرواية رجل الإعلام رءوف علوان صديق سعيد مهران فى أيام عمارة الطلبة.. فرقهما الزمان ودخل سعيد مهران السجن وأصبح رؤوف علوان رئيس تحرير جريدة الزهرة.


تنصب فكرة الرواية على فكرة أساسية (الخيانة) والمعروف والمفهوم لدى الجميع والعامة خاصة أن الخيانة شىء ردىء وبشع ومرفوض والكل ينظر إلى الخيانة ويقصرها على مفهوم الخيانة الزوجية.. لكن الحقيقة أن تلك الخيانة تعد هينة إلى أنواع الخيانات الأخرى.. فهناك خيانة الوطن وخيانة الصداقة وخيانة الأمانة وخيانة المبادئ والقيم.. وفى الخيانة فإن الأمر من السهل أو قل من الممكن علاجه وإدراكه بل يمكن أن نمحيه بمعنى خيانة الزوجة تكون بالطلاق وانتهى الأمر واعتبار الأمر كأن لم يكن.. فهنا من السهل علاج ذلك بالانفصال، لكن الخيانات الأخرى علاجها يكاد يكون مستحيلا بمعنى خيانة الصداقة.. كأن يخون أحد صديقه فيزج به للسجن. أو أن يشى به فتكون النتيجة القتل.. ففى القصة الشعبية أدهم الشرقاوى يشى به صديقه، والنتيجة هنا مأساوية.. الموت.


تجمع رواية «اللص والكلاب» بين الخيانة الزوجية وخيانة الصديق لمبادئه وأفكاره.. الأولى من السهل أن يقضى عليها أما الثانية فتلك مأساة بكل المقاييس. وعندما يخون الصحفى والمفكر والإعلامى مبادئه وأفكاره وقيمه هنا تكون الكارثة لأن تلك الخيانة لا تقف عند الفرد ذاته وإنما تنسحب إلى كل من تأثر بها وناضل من أجلها. وأظن محفوظ فى أوائل الستينيات كان بعيد النظر. فالرواية إذا كانت تتناول قضية خيانة زوجية لكنها تحتوى على خيانة أمر وأقصى.. فدائرة الأولى صغيرة محددة بينما دائرة الثانية كبيرة وغير محدودة... «رءوف علوان» إعلامى وصحفى مشهور يخون مبادئه وقيمه وشعاراته لكن الجماهير القارئة له تعجب به ويمكن أن تقتدى به فما أفظع وما أبشع أن تكتشف تلك الجماهير مدى خيانة ذلك الإعلامى والصحفى والنجم للمبادئ والقيم والشعارات والأخلاق.


تلك هى القضية التى أراد محفوظ أن يعرضها عبر «اللص والكلاب» إن الرواية لا بد أن تقرأ بشكل مختلف ولا بد أن تركز على ماهو معنوى أكثر من التركيز على ما هو مادى محدود.


الصحفى وسقوط المبادئ


تتناول الدكتورة لطيفة الزيات جدلية العلاقة بين الداخل والخارج أى أن الواقع الخارجى يؤثر على الداخل، جدلية الواقع الخارجى مع الذات الداخلية هى التى تحدد مسار الأحداث. يلجأ سعيد إلى رءوف علوان وهو يتوهم أنه واصل لا محالة إلى نقطة البداية، إلى وصل ما مضى بما هو كائن. ويكتشف أن ما توهمه نقطة بداية هو نقطة نهاية فى محاولة للانتماء وإيجاد المعنى. ففى انتظاره يجد سعيد خيانة أفدح من تلك التى وجدها عند نبوية وعليش. فرءوف قد تخلى فى غيبة سعيد فى السجن عن مبادئه وكفاحه لقاء قصر على النيل ومركز مرموق كصحفى فى جريدة الزهرة. وهو قد خلق سعيد وارتد تاركا وراءه مخلوقه "ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل".


ويدخل التوجس قلب سعيد مهران وهو يقرأ مقالة لرءوف علوان فى مجلة الزهرة ويتساءل عن مدى التغير الذى طرأ أثناء غيبته فى السجن: "ترى ماذا حدث للدنيا؟ وماذا وراء هذه الأعاجيب والأسرار؟" وتتحقق مخاوف سعيد يلقى رءوف، وينهدم "الركن الوحيد الباقي"


بعد يوم من خروج سعيد مهران من السجن فكر فى صديقه ومعلمه رءوف علوان وفكر أن يذهب إليه فى الجريدة. ثم قرر أن يقابله فى فيلته حتى يكون هناك متسع من الوقت بعيدا عن ضغوط العمل والتقيا. خرج سعيد من فيلا رءوف بعد أن تيقن أنه الخيانة مجسدة.. لقد انهار الكون بأكمله فوق رأسه.. ما أصعب أن يندك البناء فوق رأسك فجأة وبلا أدنى إنذار.. هذا هو رءوف علوان الحقيقة سافرة بلا مواربة.. خيانة فجة.. وصديق الأمس هو عدو اليوم.


مبادئ رءوف علوان غرسها داخل سعيد مهران، الذى هو نتاج وصنيعة رءوف، وفى اللحظة التى يتخلى فيها رءوف صاحب المبادئ عن الذات التى خلقها وسواها وأبدعها هنا تكون الكارثة وهنا يكون العبث.. كيف للعقل أن يحتمل ذلك.. لا كلمات يمكن أن تفسر الموقف ولا سلوك يمكن أن يعيد المندك والمنهار ولا يبقى إلا القتل كى تصبح للأشياء معنى وقيمة.


الإعلامى يرتدى أقنعة التزييف.


الإعلامى يرتدى القناع لكى يخفى الحقيقة البشعة والمفزعة، الوجه الحقيقى لا يحتمل النظر إليه لأنه مقزز لأبعد الحدود ومن ثم لا بد من الاختفاء وراء الأقنعة، هو قناع للاحتماء وكى يتمكن من الوجود فى الواقع.. لكنه يعلم علم اليقين فى اللحظة التى يسقط فيها القناع هى لحظة موته المحتم.. ولذلك رأينا كيف استخدم رءوف كل إمكاناته الإعلامية من أجل القضاء على سعيد حتى لا يسقط القناع وسينتصر الإعلامى لأنه يتقن ارتداء الأقنعة المناسبة.. ومن ثم يظل فى خداع الجماهير. "جميع الجرائد سكتت أو كادت إلا جريدة "الزهرة". مازالت تنبش عن الماضى وتستفز البوليس، إنها توشك أن تنادى ببطولته سعيا وراء القضاء عليه. ولن يهدأ رءوف علوان حتى يطوق عنقه بحبل المشنقة. ومعه القانون والحديد والنار. وأنت هل لحياتك التالفة معنى إلا أن تقضى على أعدائك. عليش سدرة مجهول المكان ورءوف علوان فى قصر من حديد. ولكن ما معنى حياتك إن لم تؤدب أعداءك؟ ولن تحول قوة دون تأديب الكلاب. أجل لن تحول دون ذلك قوة. وبصوت مسموع تساءل:


رءوف علوان، خبرنى كيف يغير الدهر الناس على هذا النحو البشع؟! الطالب الثائر. الثورة فى شكل طالب. وصوتك القوى يترامى إلىّ عند قدمى أبى فى حوش العمارة قوة توقظ النفس عن طريق الأذن. عن الأمراء والباشاوات تتكلم. وبقوة السحر استحال السادة لصوصا... وعلمتنى حب الكتاب وناقشتنى كأنى ند لك. وكنت بين المستمعين لك عند النخلة التى نبتت عند جذورها قصة حبى وكان الزمان ممن يستمعون. الشعب.. السرقة.. النار المقدسة. الثروة.. الجوع.. العدالة المذهلة. ويوم اعتقلت ارتفعت فى نظرى إلى السماء. وارتفعت أكثر يوم حميتنى عند أول سرقة. ويوم رد حديثك عن السرقة إلىَّ كرامتي. ويوم قلت لى فى حزن "سرقات فردية لا قيمة لها، لابد من تنظيم". ولم أكف عن القراءة والسرقة بعد ذلك. وكنت ترشدنى إلى الأسماء الجديرة بالسرقة. ووجدت فى السرقة مجدى وكرامتي. وأغدقت على أناس كان من بينهم للأسف عليش سدرة. وبصوت غاضب قال فى الحجرة المظلمة:


أأنت حقا رءوف علوان صاحب القصر!؟ أنت الثعبان الكامن وراء حملة الصحف؟! تود أن تقتلنى كما كان الآخرون.وكما تود أن تقتل ضميرك.وكما تود أن تقتل الماضي".


تمكن رءوف من إحداث ثورة وضجة عن طريق المقالات اليومية.. تلك هى الصحافة لا يهمها إلا إحداث الضجة سواء عن حق أو باطل هذا أمر ليس فى حساباتها.. الضجة وسخونة المواقف وزيادة التوزيع.. إنه الإعلام بكل أشكاله سواء الصحافة أو الإعلام الإلكتروني.. ولعل ما نعيشه اليوم فى مصر منذ ثورة 25 يناير ثم ثورة 30 يونيو حتى الآن البطل الأساسى هو الإعلام المقروء والمسموع والمرئي.