الإنسان والطبيعة في أفلام مهرجان أبوظبي

20/12/2014 - 2:07:20

الفيلم الروسى تجربة الفيلم الروسى تجربة

كتب - أحمد شوقي - ناقد مصرى

أي فيلم جيد هو بشكل أو بآخر يمثل علاقة الإنسان بالطبيعة، ففي النهاية الدراما ـ أية دراما ـ هي تفاعل لشخصيات مع العالم المحيط، سواء كان هذا العالم متمثلا في شخصيات أخرى أو كيانات أكبر أو قوى مطلقة، طبيعية أو خارقية. تعريف يمكن تطبيقه على غالبية الأفلام السينمائية، لكن إذا ما أردنا أن نكون أكثر دقة وإنصافا، فسنقول إن هناك أفلاما تناقش فكرة العلاقة مع الطبيعة بشكل واضح ومباشر، وهي النوعية التي كان من الغريب أن نشاهد عددا كبيرا منها يعرض في مهرجان واحد، دون أن توضع داخل برنامج خاص يناقش الفكرة.


المهرجان هو مهرجان أبوظبي السينمائي الثامن (23 أكتوبر ـ 1 نوفمبر 2014)، وقد ضم برنامجه عددا من الأفلام التي تناولت هذه العلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة، التي تكون أحيانا حانية، وفي أحيان أخرى شديدة القسوة والبطش. علاقة بها قدر ضخم من القدرية والتسيير، يقابله جهد واضح لإيجاد صيغ للتعايش والبقاء، تباينت بين عدة الأفلام التي سنتناولها في هذا الرصد.


جزيرة حتى حين


أول الأفلام وأفضلها هو الفيلم الجورجي "جزيرة الذرة" للمخرج جورجي أوفاشفيلي، واحد من أكثر المخرجين الواعدين والمميزين بصريا في سينما أوروبا الشرقية، والذي غاب لمدة خمس سنوات عاد بها بهذا الفيلم البديع الذي حصل على الجائزة الكبرى من مهرجان كارلوفي فاري، قبل أن يعرضه مهرجان أبوظبي للمرة الأولى في الشرق الأوسط.


يلتقط أوفاشفيلي ظاهرة طبيعية نادرة يحولها لدراما بصرية بديعة. الظاهرة هي الجزر التي تظهر في النهر الفاصل بين جورجيا وإقليم أبخازيا لعدة شهور سنويا في موسم انحسار النهر، ليتجه إليها بعض المزارعين ليعيشوا فيها خلال هذه الشهور، يزرعون الذرة ويحصدونه، قبل أن تهطل الأمطار ويأتي الفيضان لتختفي هذه الجزر من الوجود تماما، حتى تمر الشهور وتعود الكرة مجددا. هذه المرة لم تسر الأمور بصورتها المعتادة للمزارع العجوز بطل الفيلم وحفيدته، بفعل قوى بشرية متمثلة في الدوريات الحدودية التي تشغل المنطقة المليئة بالقلاقل السياسية، وقوى طبيعية أزلية هي الطبيعة الباطشة، بكل عنفها وجبروتها الذي لا يقف في وجهه شيء.


الفيلم يربط بصريا الرجل بالأرض، التي يمد يده في ترابها ويبذل فيه جهده وعرقه وروحه ليزرع فيه الحياة. صورة تقليدية للعلاقة بالجذور، لكن الجديد أن هذه الجذور هشة يعلم الجميع مسبقا أنها لن تبقى، حتى لو لم يأت الجنود ولم تقم العاصفة، ففي النهاية الجزيرة محكوم عليها بالغرق والرجل محكوم عليه بالرحيل. حقيقة مقبضة تجعل الأمر يتخطى حدود الرمز الكلاسيكي ليصبح ممثلا لحياة البشر على وجه الأرض، المليئة بالشقاء والجهد من أجل العيش، بينما يعلم الجميع أن كل هذا إلى زوال. ولا يوجد ما هو أبدع من مشهد النهاية، الذي تهدأ فيه العاصفة بعد رحيل الرجل وحفيدته، وتبدأ الجزيرة في الظهور من جديد، ليصل إليها مزارع آخر، يدب يده في ترابها، يخرج دمية الحفيدة التي دفنتها العاصفة، ويمسكها ليبدأ دورة جديدة من العبث.


بين الغياب والخلود


إذا كانت الحياة الفردية فكرة عبثية كما يظهرها الفيلم الجورجي، فإن الفيلم التسجيلي المصري "أم غايب" أول أعمال المخرجة الشابة نادين صليب يرتبط بالوسيلة التي توصل إليها الإنسان منذ قديم الأزل ـ والمصري القديم تحديدا بحكم موقع أحداث الفيلم ـ لمواجهة هذا العبث. فإذا كان الجميع سيفنى والأعمار ستنتهي، فإن السيرة أطول من العمر، والشخصية الرئيسية في الفيلم السيدة الصعيدية "حنان" تدرك هذا بشكل غير واع، لذلك فهي تتمزق في كل يوم يمر عليها دون أن تحمل.


"حنان" التي مرت عليها اثنتا عشرة سنة وهي تحاول الإنجاب، مستخدمة كل طرق الطب والدجل المتاحة لها، لا تفعل ذلك إرضاء لزوج أو عالم محيط، ولكن في رغبة داخلية بالأساس مفادها أن تحافظ على بقائها في أثير الكون. كيف؟ بابن أو ابنة تكمل مسيرتها، تماما كما تذهب هي مرارا وتكرارا لزيارة القبور، رابطة أواصر الصلة بينها وبين من سبقوها، من جيل الأب والأم وصولا لأول من عمروا هذه الأرض منذ فجر التاريخ، في بقعة تشهد منذ آلاف السنين توالدا مستمرا يحتضن الطبيعة وتحتضنه، تخشى حنان أن تكون سببا في توقفه رغما عنها.


الهاجس نفسه يظهر في الفيلم التسجيلي الإماراتي "صوت البحر" للمخرجة نجوم الغانم، ولكن بمستوى جودة أقل بكثير. ترصد المخرجة تغير شكل العلاقة بين سكان إمارة أم القيوين وعالمهم المحيط. الإمارة التي كانت قديما تعتمد على رزق البحر: الصيد واللؤلؤ، لتنشأ في تراثها أغاني البحر كملمح ثقافي يشكل علاقة السكان بالبحر مصدر رزقهم الوحيد. اليوم وفي الجيلين الثاني والثالث لما بعد النفط، يأخذ الأمران في الانقراض تدريجيا: رزق البحر وصوته، ليقوم بالصيد عمال هنود بينما تصبح الأغنيات مجرد ذكريات.


ثلاث كوارث تهدد الطبيعة


ثمة أفلام يحتوي كل منها على ثلاث كوارث تهدد الطبيعة بشكل مختلف، اثنان منها في نهاية الفيلم وواحدة في بدايته. الكارثة في البداية هي احتلال الجماعات الإسلامية المتطرفة لمدينة تمبكتو الهادئة في "مالي" في فيلم المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو "تمبكتو"، الذي عُرض في مسابقة مهرجان كان، ومنه إلى أبوظبي. المدينة البسيطة التي عاشت قرونا في تعايش مع مفاهيم كالطبيعة والآخر والإله والدين، قد لا يكون تفاهما ذا إطار نظري واضح لكنه موجود وناجح. حتى يأتي من يهدمه رأسا على عقب بزعم قيامه بتطبيق الشريعة من أجل إصلاح المجتمع.


ولعل أكثر لحظات الفيلم إيلاما هي تلك اللحظة التي يتهم فيها أحد أبناء المدينة بالقتل ويطالب بتسديد الدية من بقراته، تلك البقرات التي يطلق عليها أسماء محددة ويتعامل معها كذوات كاملة وشركاء في الحياة، فيجد الثقافة الجديدة التي تريد أن "ترتقي به روحيا وتقربه إلى الله بالقوة" تتعامل معها كمجرد أرقام. في هذه الصدمة التي لا تتجاوز ثواني على الشاشة يمكن الفارق بين طبيعة تمبكتو وطبيعة الشريعة ومرتزقتها.


كارثتان أخريان تنهيان أحداث فيلمين، الأول هو "تجربة" للروسي ألكسندر كوت، والآخر "الوادي" للبناني غسان سلهب.


الأول فيلم صامت بالكامل، بينما الثاني شعري به الكثير من المقاطع الصامتة. الأول فيه المكان والزمان محددان بدقة: وقت تجربة تفجير أول قنبلة هيدروجينية في التاريخ بالاتحاد السوفييتي، والآخر الزمن فيه مبهم، نعلم أننا في وادي البقاع فقط دون ربط زمني، قبل أن تؤكد النهاية أن الزمن خيالي تماما بعيد عن أية مرجعية واقعية.


كلا الفيلمين تجربة لبطل يجد نفسه يعيش حياة لم يعتد عليها، الشاب الآتي من موسكو إلى مزارع كازاخستان، والرجل الذي يفقد الذاكرة فيجد نفسه يعيش وسط مجموعة غريبة من منتجي المخدرات. في الفيلمين تيمة التفتح واكتشاف العالم، سواء كان اكتشافا للمرة الأولى في أبطال "تجربة" الذين يخطون لعالم النضج، أو إعادة اكتشاف كما هو بطل "الوادي" الذي يشاهد كل شيء بعين مندهشة تحركها ذاكرة صفرية. في الفيلمين عالم متصدع، وشعور عام باقتراب القيامة، وتمهيد خافت على مدار العمل للنهاية الكارثية التي تهدم كل شيء وتعيده لنقطة الصفر أو ما قبلها، سواء كان التفجير في الفيلم الروسي أو الاجتياح الإسرائيلي في الفيلم اللبناني.


تفتح فى عالم يتغير


إذا كان العالم المتصدع في الفيلمين يحتاج لكارثة تجهز عليه، فإن العالم المحيط ببطل الفيلم الأردني الرائع "ذيب" للمخرج ناجي أبو نوار ليس متصدعا، ولكنه يمر بمرحلة تحول تاريخية محورية. الطبيعة هنا حاضرة بقوة، متمثلة في صحراء الأردن، التي يعيش فيها الصبي ذيب مع قبيلته التقليدية، في واد معزول، امتلكوا صيغة تفاهم تاريخية معه، لكنه وضع لم يعد من الممكن أن يبقى هكذا في خضم عالم يتغير وحرب هائلة امتدت معاركها للصحراء.


"ذيب" الطفل الذي يخوض رحلة تفتح ونضج يكتشف فيها حقيقة عالم الكبار بأصعب طريقة ممكنة، هو في الحقيقة يخوض رحلة مخاض زمن جديد تشهده المنطقة بأكملها. والطفل البدوي ليس بطلا وحيدا كأبطال أفلام الويسترن ـ التي ينتمي الفيلم لها بصورة أو بأخرى ـ لكنه نموذج مصغر لجيل شهد انقلاب التوافق مع الطبيعة الذي عاشه هؤلاء السكان منذ قرون، جيل خرج من عباءة حياة الخيمة والبادية وأدلة الحجاج، ليتعرف على خطوط السكك الحديدية والأسلحة النارية، ومعارك الدول العظمى المادية والأخلاقية. مغامرة "ذيب" إذن كانت حتمية حتى لو لم يخرج للصحراء، فالصراع المشتعل في أرضه وتغير معايير الحياة فيها وعلاقة سكانها بعالمهم المحيط، هي أمور كانت ستصله بحكم الزمن عاجلا أم آجلا.


سبعة أفلام من ثلاث قارات، حملت كلها صورا للعلاقة الممتدة والمعقدة والأزلية بين الإنسان والطبيعة، تلك العلاقة المليئة بلحظات التوافق والهدوء والتكامل، والمزدحمة بأوقات الغضب والبطش والفواجع، وبين هذه الأوقات وتلك، تتوالد الدراما الإنسانية التي اقتبسها مخرجو الأفلام ونقلوها للشاشة الكبيرة.