عوامل النحر.. كيف تسللت إلى الجامعة؟

20/12/2014 - 2:06:16

جامعة القاهرة جامعة القاهرة

كتب - رجائي عطية - كاتب مصري

إبان أن كان أسلافنا معنيين بالانتماء، كانوا معنيين أيضًا بالتعليم، وبصناعة التفوق.. كانت العملية التعليمية بأضلاعها الثلاثة: الأبنية، والمعلم، والتلميذ، تشكل حجر الأساس في بنية الأمة أفرادًا وجماعات.. هذه البنية لم تكن في نظر جيل الرواد مجرد بنية وكفى، وإنما تفطنوا إلى أنها يجب أن تنهض على «روح التفوق».. بغير هذه «الروح» تفقد الأمم بوصلتها، في التعليم، وفي الثقافة، وفي العمل، وفي الرياضة، وتفقد العملية التعليمية التي تصب مادتها وقيمها في كل هذه الأنشطة وغيرها، تفقد أهم أركانها، وتهدر الأثر السحري الذي تعطيه روح التفوق لدفع التلميذ في طلب العلم، ودفع المدرس والمدرسة على بذل العلم والحرص على الوصول به إلى أعلى المستويات العلمية والمعرفية والثقافية.


كان الرواد ملتفتين ـ طلبًا لهذه «الروح» ـ إلى إحياء المنافسة بين الطلاب والمدارس والمعاهد والفرق الرياضية، وهى منافسة كانت محوطة بطلب التفوق وصناعة ورعاية مخصباته، وتحريك دوافعه.


حتى عهد قريب، قبل أن تزحف عوامل النحر، كانت جامعاتنا تحتل مكانةً متقدمة بين جامعات العالم، بيد أنها طفقت تتراجع وتتراجع حتى صدمنا تقرير نشر في فبراير 2008، حمل إلينا أن مكانة جامعاتنا تقهقرت تقهقرًا مزريًّا بما فيها جامعة القاهرة التي كانت في مقدمة الترتيب العالمى أيام أن كنا نباهي بها الدنيا. خرجت جامعة القاهرة وباقي جامعاتنا من قوائم الترتيب العالمي في سباق الأفضلية، وسبقتها جامعات لم تُنْشأ إلاّ بعدها بسنوات عديدة.. حتى جامعتنا الأولى العريقة، جامعة القاهرة المنشأة سنة 1908 رجعت القهقرى ليصير ترتيبها 3293، وترتيب جامعة المنصورة 4392، وترتيب جامعة عين شمس 5062، وجامعة الزقازيق 6180، وترتيب جامعة أسيوط 6198. هذه النكبة لم تحدث بين يوم وليلة وإنما هي تراكمات سنوات.


فالتقرير الصادم كشف عن حقيقة قديمة بَحَّت الأصوات بالتحذير من تداعياتها، ومن أن معنى أن تتقدم عليها جامعات مستحدثة بالشرق الأوسط، ومن آثارها أن يفقد خريجو الجامعات المصرية مكانتهم ويبوروا في إطار المنافسة في سوق العمالة التي كانت تطلبهم وتسعى إليهم إقرارًا بتفوقهم!


الواقع المر أننا تراجعنا عن صناعة التفوق في كل مجال، في التعليم وغير التعليم، وليس معنى ذلك أن مصر قد خلت تمامًا من المتفوقين أو العباقرة، وإنما ظل ذلك اجتهادات فردية خارج السرب، وتعتمد على الملكات الشخصية والكفاح الشخصي والإصرار الشخصي، يجنيها أصحابها رغم قعود الأداء العام عن بذل العناية الواجبة لصناعة التفوق.


تستطيع أن ترى ذلك التفوق والعبقرية في نماذج كالدكتور مجدى يعقوب والدكتور أحمد زويل وغيرهما، بيد أنها محصلات فردية، قوامها الفرد لا النظام العام وما يكفله ويوفره.


كنا نرى الجامعات المصرية تتباهى ويتباهى خريجوها بمكانتها العالمية، وكنا نرى المدارس تتبارى بعدد المتفوقين الأوائل منها ضمن المجموع العام، ولم نرصد عليها اصطناع نتائج مفتعلة تتباهى بها وتستجلب الرضا والتباريك بلا حصاد حقيقي.


من أكثر من عشر سنوات أصدرت الهيئة العليا للتعليم بالولايات المتحدة تقريرًا عن نتائج ما أجرته من دراسات وبحوث لمعرفة مستوى التعليم هناك، وكان المدهش أن يتضمن التقرير رغم سمعة التعليم الأمريكي التي تضعه في مقدمة مستويات التعليم بالعالم تراجعا في مستوى التعليم لديهم بالقياس إلى مستوى التعليم في اليابان، وأورد التقرير الأمريكي أن «الانتماء» هو السبب الرئيسي في تقدم التعليم باليابان، وتراجعه بالولايات المتحدة.


فما الذي حدث لدينا؟! ولماذا لم نواجه أنفسنا بالتراجع المسكوت عنه والنحر الشديد اللذين أصابا التعليم في بلادنا؟ ولماذا نفترض افتراضًا أن كل شىء بخير مع أنه ليس بخير؟ وكيف لم يعن أحد بعقد دراسات حقيقية واقعية جادة تبين حال التعليم وما أصابه في مصر؟ ما الذي جعلنا نتخلى عن «صناعة التفوق» التي رعاها جيل الرواد، ولماذا حلت الصورية وشاعت المظهرية اللتان أصابتا العملية التعليمية، ومثلها الثقافية، إصابات غائرة في الصميم؟!


لم تكن صناعة التفوق مطلبا تعليميًّا فقط، وإنما كانت هذه الروح سارية في الثقافة، وفي العمل والإنتاج، وفي التقاليد والخدمات، وفي الرياضة التي كانت روح المنافسة فيها تُزْرَع بدءًا من مراحل التعليم الأولى، وفي «حضانة» قائمة على المحبة والأخلاق والتقاليد والمنافسة التي لا تفسد الأواصر والصلات، وإنما تبنى وتعمر.. ونحن نستطيع أن نفهم مكمن العلة التي أصابت الرياضة كمثال، حين نقارن بين ما كانت الروح والأعراف والتقاليد تجري عليه أمس في المنافسات الرياضية بكل الأصعدة، وبين أساليب التشجيع أيامها، وبين تردي ذلك كله الآن، وتحول روابط التشجيع الرياضي إلى عصابات بلطجة تسب وتشتم، وتدمي وتدمر، وتنحط بالسلوكيات إلى حد ارتكاب الجرائم التي بلغت شناعتها حد قتل ثلاثة وسبعين متفرجا بمباراة رياضية، في مأساة استاد بورسعيد في أول فبراير سنة 2012!!


إن روح «التفوق» التي كانت تُغْرس في مراحل التعليم، وفي ميادين الرياضة والعمل، كانت مجدولة بالمنظومة الأخلاقية المستمدة من الدين بعامة، إسلامي ومسيحي، ومن القيم والتقاليد الموروثة التي حفظت مصر على مدار التاريخ. وهذه الروح ـ روح التفوق ـ خاصية مانحة ذات أثر ممتد، تصاحب الشخص طوال رحلة حياته بما يتخللها من أنشطة وأعمال ومهام.


قيمة هذه الروح، بالإضافة إلى حصادها المعنوي الهائل، أنها تقترن باعتياد الجدّ والالتزام وإرادة السبق الشريف، وتقترن أيضا بمجافاة أمراض المظهرية والاصطناع والفهلوة، وتربي الاعتداد بقيمة الذات، المستمدة من عناصرها ومقوماتها ومكناتها الحقيقية وارتباطها بالأمانة والكرامة التي تنشد التفوق حقيقةً وفعلاً، وتأبى الادعاء بما ليس فيها. وعلى هذا ينهض الأفراد وتنهض الأمم وتتقدم الدول.


دون وزارة للثقافة، أو مجلس أعلى للثقافة والفنون والآداب، خرج من مصر أجيال الرواد في الفكر والأدب والفنون، على أكتافهم قامت نهضة مصر في جميع المجالات، بدءًا من رفاعة رافع الطهطاوي، ومرورًا بالأستاذ الإمام محمد عبده، وأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والبارودي، وزكي مبارك، وقاسم أمين، والدكتور محمد حسين هيكل، وعباس العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، والمازني، ويحيى حقي، وزكى نجيب محمود، ومحمد فريد وجدي، وسلامة موسى، وحسين فوزى، والسنهوري، وأمين الخولي، وأحمد نجيب هاشم، ومحمود تيمور، وأحمد رامي، ومحمد مندور، وأحمد أمين، وشوقي ضيف، وبنت الشاطئ، وخالد محمد خالد، وعبد الحميد يونس، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، ويوسف إدريس، وسهير القلماوي، وصلاح عبدالصبور، وغيرهم.. وفي الموسيقى والغناء سيد درويش، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، والسنباطي، والقصبجي، وزكريا أحمد، ومحمد فوزي، وسيد مكاوي، والموجي، والطويل، وكارم محمود، وغيرهم.. وفي المسرح سلامة حجازي، وعزيز عيد، ويعقوب صروف، وجورج أبيض، ويوسف وهبي، والكسار، والريحاني، وطليمات، وبديع خيري، ونعمان عاشور، وألفريد فرج، ومدبولي، والمهندس، وفتوح نشاطي، وأردش، وأمينة رزق، وحسين رياض، وحسن البارودي، وشفيق نور الدين، وغيرهم.. ومن رواد الإخراج السينمائي كمال سليم، ومحمد كريم، وبركات، وبدرخان، وعز الدين ذو الفقار، وصلاح أبو سيف، وفطين عبد الوهاب، ويوسف شاهين، ونيازي مصطفى، وكمال الشيخ، وتوفيق صالح، وغيرهم.


قس على ذلك في الفن بعامة، وفي كل الأصعدة والمجالات. كانت روح التفوق قاسمًا مشتركًا بين هؤلاء الرواد، يحفزهم للترقي بأنفسهم وبإنتاجهم وبأعمالهم، ويحركهم بدوافع ذاتية تتجه بهم بلا دفع من أحد، نحو المجد الذي تعانقت فيه طموحات الذات مع الواجب نحو الوطن وأجياله، ومن ثم كان غريبا ولا يزال أن تتراجع كل الأمور في ظل الوزارة والآليات التى دُفِع بها، وبالميزانيات والجوائز، لرعاية الثقافة وتوابعها، فإذا بالأداء يجهض الغايات، ويأخذ الأمور إلى تفريعات ما أنزل الله بها من سلطان!


إن النخب في كل مجال، صارت تتآكل ولا تتزايد!


وصارت «صناعة التفوق» فى خبر كان!


هل صدق المثل القائل من قديم «باب النجار مخلّع»؟! شيء مؤسف حتى النخاع أن نقيم الكيانات لرعاية وصناعة التفوق، فتأخذ الأمور إلى أسفل، ويضيع منا ما أقامه وبناه الرواد وفطمونا عليه من عشرات السنين!


ظنى أنه صار واجبًا علينا أن نتقدم إلى ما كنَّا عليه!