كتابة مؤجلة .. نصوص مُستطرِقة

20/12/2014 - 2:03:25

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - مها حسن - روائية سورية تقيم في باريس

1


تقف الصبية الحسناء في شرفة منزلها، تسقي النباتات وتدندن لفيروز "بقطفلك بس هالمرة". تبدو نظراتها هائمة في مكان ما، غالباً تتركز باحثة خلف زجاج النافذة المغلقة في الشرفة المقابلة لها، ولكن في الطابق الأسفل. تبتسم لعصفور حطّ قبالتها بغتة، فراشات كثيرة تلّون فضاء الشرفة، تنفتح نافذة الشرفة قبالتها، في الطابق الأسفل، ويطلّ ذلك الشاب الوسيم مرتدياً منامته، تنظر إلى ساعة يدها وتقول بصوت مرتفع، وهي تعبث بورقة نبتة الريحان، وكأنها تتحدث إليها: على الوقت تماماً، إنها الساعة السادسة صباحاً.


يعود الشاب سريعاً ليجلس خلف طاولة يبدو أنها مخصصة للكتابة، تراها الصبية من شرفتها، يحتسي قهوة أو مشروباً صباحياً ما، وينغمس في الكتابة على الورق، دون أن ينتبه للحظة، لوجود الفتاة.


تعود الصبية الواقفة بضع خطوات نحو الخلف، تسحب كرسيها، تجلس وتفتح جهاز آيباد صغير بيدها، تعبث بالأزرار، وتتابع حديثها بصوت مسموع:


«ولكن ماذا يفعل هذا الشاب بالكتابة! فعل الكتابة لا يليق بالشباب، بالشباب الوسيمين خاصة. لماذا لا يقف على الشرفة للحظة، يستمتع بهواء الصباح المنعش! لماذا لا يشرب قهوته على الشرفة ويُصغي للعصافير الساحرة في الصباح! يتفرج على هذا الخليط المدهش لألوان الفراش الربيعي، يسمع أغنية مرِحة تليق باليقظة. بل يعتني ولو للحظات بهذه النباتات المسكينة على شرفته. ها هي شجرة الياسمين تناديني لأقفز من شرفتي وأذهب إليها، أسقيها، وأنزع أوراقها اليابسة. إنها تنمو بقدرة قادر، دون ماء، دون لمس صاحبها. شجيرة الريحان في شرفتي تشعر بي، تلومني إن لم أداعبها وأتحدث إليها، كيف يُضحي هذا الشاب الوسيم بجمال العالم من حوله، ليغرق منذ الصباح في أوراقه، فيكتب معزولاً عن العالم، كأنه يعيش في غابة. كأن شجرة الياسمين غير موجودة، ولا العصافير، ولا هذه الفراشات، ولا الشرفة حتى! كأن الشرفة فقط هي مكان عالق، يفتح نافذته عليها، ولا يشده الفضول لحظة للوقوف عليها، وإلقاء نظرة على الشارع. أستطيع أن أرى أرضية الشرفة من هنا، الكثير من أوراق النباتات اليابسة المتساقطة، ورق محارم مستعمل مرمي من الجيران، أعقاب سجائر، فضلات الطيور، تحط وتغادر غاضبة من لا مبالاة الساكن هنا... لو أنني أقفز من شرفتي في الطابق الثاني، إلى شرفة الطابق الأول قبالتي، أنظفها، أغني لشجرة الياسمين الحزينة، أمسح عنها الغبار والوحدة!


ماذا تفيد الكتابة هذا الشاب الوسيم الضاجّ بالصحة والشباب! الكتابة للعجائز، هكذا كانت تقول أمي. كانت أمي تحلم بالكتابة، تجلس هنا في كل صباح، تمسح على وجنات شجيرة الريحان، في كل الفصول، حتى وهي يابسة تنتظر الربيع، كانت تهمس لها كطفل غافٍ تنتظر استيقاظه، تغني لفيروز، وتغسل الشرفة في كل صباح، ثم تذهب إلى العمل، بل تصحح لي: "أذهب إلى الحياة".


عاشت أمي حياتها، وأجّلت حلم الكتابة. لكنها ماتت شابّة في الأربعين وتركتني شابة في العشرين. ماتت أمي في السنة الفائتة دون أن تحقق حلمها بالكتابة. لكنها عاشت حياتها.


أنا الآن في العشرين، أتأمل صباحات كاتب شاب، ينفق حياته في الكتابة، الكتابة التي تليق بالعجائز...


إنها الساعة الثامنة، عليّ الذهاب إلى العمل، بل كما تقول أمي: إلى الحياة».


تغلق الصبية باب الشرفة...


2


حان وقت ذهابها إلى العمل.


يا إلهي، ماذا تفعل صبية حسناء بشبابها المهدور منه ساعتان على الأقل في كل صباح، تتأمل ذلك الشاب!


من هنا، من شرفة غرفتي حيث أجلس وأكتب، أراها. أسكن في الطابق الأول، تحتها مباشرة، أراقبها عبر انعكاس شرفتها على زجاج بيت الشاب. هذا الشاب الذي ترقبه دون أن يشعر بها، تترقبه، منتظرة أن يرفع رأسه ذات لحظة.


لو أنني أسكن هناك، فوق، قبالتها، لتوقفت عن الكتابة، وابتسمت لها، ربما قبلتْ النظر إلى كاتب عجوز مثلي.


صادفتها عدة مرات على الدرج، وفي مدخل العمارة، لكنها صارمة الملامح، حادة السلوك، مبتسرة بالكلام، حتى أنها ترد السلام بتردد وتلعثم... ماذا تفعل صبية حسناء بصباحاتها المهدورة خلف الشرفة، متأملة الكاتب الشاب الذي لا يهتم سوى بالكتابة!


حين كنت في سنه، ارتكبت حماقاته ذاتها. ثلاثون سنة وأنا غارق في الكتابة. عشرون كتاباً والكثير من المقالات والدراسات البحثية التي استغرقت شبابي وعينيّ، منتظراً لحظة التكريم. أن تقول لي الحياة: أحسنت، لقد كتبت طويلاً، وحان وقت الاعتراف بك! لكن هذا لم يحصل.


في كل كتاب أنكبّ عليه، يمتلكني إحساس أن هذا الكتاب سيقلب حياتي، سيُخرجني من الظلمة إلى الضوء. لكن هذه المرة فعلاً يبدو الأمر مختلفاً. قال لي ناشري، بعد أن قرأ الصفحات الأولى من الرواية، وعيناه تلمعان بضوء لم أره فيهما من قبل: يا إلهي، هذا رائع، أنا متأكد أن هذا الكتاب سيقلب المشهد الروائي، هذا هو الكتاب الذي كان عليك أن تكتبه في كل مرة، وتأخر كل هذه السنوات.


أكتب في كل صباح، حتى الظهيرة، أتناول طعاماً خفيفاً لا يسبب لي النعاس، ثم أعود إلى الكتابة. أكاد أنتهي منه، بقي لي فصلان فقط، حين أنهي هذا الكتاب سأتفرغ للحياة. سأغادر هذا البيت الكئيب، بيت الكتابة المزدحم بأشباح الشخوص. سأخرج إلى الحديقة.. ربما أقتني شجيرة ريحان كجارتي الصبية الحسناء في الطابق الأعلى، التي أراها تعتني بنباتاتها، وتتحدث إلى ريحانتها، أسمعها تدندن، لكنني لا أسمع حديثها الذي تمارسه في كل صباح، أجل، إنها تمارس الكلام، ساعتان في كل صباح، منذ لحظة فتح نافذة الكاتب الشاب، حتى لحظة إغلاق باب شرفتها... لو أنني أنهي هذا الكتاب فقط!


ولكن فعلاً، ماذا يفعل هذا الشاب بالكتابة! الكتابة تليق بالعجائز لا بالشباب، تأخرت حتى اكتشفت هذه الحقيقة. الحقيقة التي كلّفتني ثلاثين سنة من الكتابة. ثلاثون سنة كتبت فيها، وكأنني أمهّد لهذا الكتاب. لو أنني لم أكتب، لو أنني عشت ثلاثين سنة مستمتعاً بالحياة، لكان هذا الكتاب أهمّ، أكتبه دون شعور أنني فوّتُ عليّ الحياة.


أيها الكاتب الشاب، أراك من شرفتي، أسكن قبالتك ولا تشعر بي، بل لا أجرؤ على النظر إلى بيتك استحياء وأدباً، عيناي في أوراقي، أو تأخذني تلك الحسناء وأنا أتفرج إليها عبر زجاج غرفتك المجاورة للصالة. أرى صورها المعكوسة عندك.. يتحول بيتك إلى شاشة سينما أتفرج فيها على الفتاة، وأحسدك! لو أنني أسكن في بيتك، لتوقفت عن الكتابة، ونظرت إلى تلك الحسناء، ربما أذهب إليها، ويكون للحياة طعم آخر.. يا إلهي لقد تأخرت كثيراً في اكتشاف الفوات الذي سببته لي الكتابة، والآن في هذه السن، ليس عليّ سوى أن أكتب، أن أتابع خياري حتى النهاية، ربما يكون هذا الكتاب مكافأة فواتي وتفويتي للحياة.


3


ماذا يفعل هذا العجوز بالكتابة!


الكتابة تليق بالشباب.


أراه من غرفتي هذه، غارق في أوراقه، يرفع رأسه أحياناً يستلهم أفكاره، وبالمصادفة أشعر أن عينيه تقعان على غرفتي المجاورة لهذه... كأن وحيه يأتي من ذلك الفراغ المرسوم على بيتي المهجور. بيتي الذي أسكنه كشبح... ربما لا يعرف هذا العجوز أن هذا البيت مسكون، حيث أنا غارق في مواضيع كتابتي، أؤجل الحياة، لحين انتهاء هذا الكتاب.


لا تليق الكتابة بالعجائز. بينك وبين الموت خطوات أيها الشيخ، لماذا لا تنتهز سنواتك الباقية لتستمتع بالحياة؟ أما أنا، حين أصير في عمرك، سأتوقف عن الكتابة.


الكتاب الذي أشتغل عليه، هو مشروع حياتي، ورقة الحظ الكبرى التي أُراهن عليها. صحيح أنه كتابي الأول، لكنني قرأت كثيراً قبل أن أكتب، وفهمت ذائقة الشارع الثقافي، هضمت الإنتاج الروائي في السنوات الأخيرة، وتيقّنت من أن لدي الجديد والمُضيف، وإلا ما كتبت.


هذه الرواية ستكون إضافة مهمة على المشهد الروائي. حتى صديقي الناشر، وهو صديق قديم للعائلة، ويفهم في أمور الكتابة والتسويق، تحمّس كثيراً ووقّع معي عقد النشر على السيناريو الأولي للرواية، أو المسودة التي لخصت فيها الأحداث والحكاية والشخصيات..


أتوقع الانتهاء من الكتابة في غضون شهرين، ثم أعيش حياتي. كتاب واحد مهم، يختصر سنوات من الكتابة والنشر. هناك كتاب كثيرون أصدروا كتاباً واحداً لفتوا الأنظار إليهم، ثم توقفوا نهائياً عن الكتابة، أو توقفوا لسنوات. لا أعرف إن كنت سأتوقف نهائياً بعد نشر هذه الرواية، أم سأعود للكتابة مجدداً، قال ناشري إن الكتابة فيروس يُصيب الكاتب، ولا يمكن الشفاء منها. لا يهم، المهم أن أنهي كتابي الأول، ثم أستمتع بالحياة، وبجميع الأحوال، لن أفعل كهذا العجوز الذي يسكن قبالتي، يحرم نفسه من مُتع الحياة، ليغلق عليه باب شقته ويكتب. إنها فترة قصيرة، أعود فيها إلى الحياة.


الكتابة تليق بالشباب أيها الكاتب الجار، أما العجائز فعليهم العيش!


4


مات الكاتب العجوز دون أن


يُنهي روايته.


رفض الناشر رواية الكاتب الشاب، التي لم تكن بمستوى المسودة، وندم لأنه وقّع عقد نشر، على مسودة أفكار وخطة عمل.


لا تزال الصبية تقف على الشرفة في كل صباح، تنتظر أن يفيق الكاتب الشاب، الذي لم يفتح نافذة الشرفة منذ شهور، وكأنه تبخّر من المكان، أو رحل دون أن يشعر به أحد، أو مات.


لا تزال شجيرة الريحان غضّة وممتلئة بالحياة، ولا يزال ثمة عصفور يحط على الشرفة، إلا أن الصبية لم تعد تغلق باب الشرفة، بل كانت تسحب ذلك الكرسي، وتكتب محدثة شجيرة الريحان: لا أعتقد أن أمي كانت على صواب، ربما تليق الكتابة بالشباب، من يدري متى يأتينا الموت، دون أن نعرف الجواب!