لحظة تاريخية

20/12/2014 - 2:02:20

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

قصة - فؤاد حجازى - كاتب مصري

جافاه النوم ..


يتقلب من جنب لآخر.. وتتقلب معه الأفكار .. لايريد فى كلمته أن يظهر كصاحب فضل أو أن يفهم أحد أنه يمهد للترشح للانتخابات النيابية القادمة.. لتنساب كلماته متواضعة ليست فيها رنة الانتصار الذى حققه .. وهل كان أحد يصدق أنه يستطيع حل المشكل ..؟!


حفرة على الطريق الزراعى المترب تسده، فى مدخل البلدة، يقع فيها دائما الناس.. أعيتهم الحيل.. نسفلت الطريق، وهو يؤدى إلى خمس قرى تابعة للمجلس المحلى في البلدة و،بصفته رئيسا للمجلس أخبرهم أنه لابد من دخوله خطة سفلتة الطرق. وقال الفلاحون.. ومن يعلم متى يدخل..؟! .. وقال أعضاء المجلس.. اسم الله عليكم.


نشترى عربة إسعاف. ضحك الرئيس وقال .. وهل توفر بند فى الميزانية للشراء.. ونحن تقاعسنا..؟! وعلق عضو من المجلس .. والطريق غير ممهد لانطلاق عربة إسعاف بالسرعة الواجبة لإنقاذ مصاب .


وتردد همس فى أنحاء البلدة.. على المقاهى .. وفى جلسات المساء أمام الدور لتبادل الحديث.. ننقل المستشفى من موقعه خارج البلدة إلى جوار الحفرة.. وسارع أصحاب الأراضى المجاورة له بالقول.. هذا ليس حلاً.. ومن أين الاعتماد لهدم مستشفى وبناء آخر ..؟!


اعتدل على سريره، وقد اتسعت ابتسامته.. كان صداعاً.. والحمد لله نحن على وشك التخلص منه. وعندما قال إنه بسبيله لتوفير مادة للردم.. سخروا منه .. ومن الذى سيجرف أرضه إن شاء الله .. ليعطيك ماتحلم به .. ألم تسمع ومجلسك عن الشكاوى الكثيرة من تجريف التربة وبيعها لمصانع الطوب الأحمر ... آه .. لو عندهم صبر ليروا ماتفتق عن ذهنه ..


لكنهم بدلاً من ذلك رموا فى الحفرة مايتخلف من درس محاصيلهم .. من قش وحطب.. ياجماعة ستنتشر أمراض لاقبل لنا بها خاصة لو تعطن الردم من نشع المياه الجوفية التى تتصاعد أحيانا .. ياجماعة الأمور لاتتم هكذا .


لابد من مهندس يشرف على عملية الهدم.. وليست أية مواد صالحة للردم.. حتى لاتكون الأرض هشة بعد ردمها .. ويسقط مصابون أفظع ..


ألم تسمعوا عن ابتلاع التربة للناس فى الإسكندرية .. أرض رملية، ليست مدكوكة جيدا.. لن أسمح بتكرار الأمر هنا ..


عاد للاضطجاع بظهره على شباك السرير ، واضعاً مخدة صغيرة خلف رأسه . لا داعى لأن يذكرهم فى كلمته الافتتاحية بكل ماعاناه .. هم سيشيدون به فور رؤيتهم لما أنجزه .


أحضر مصورين، والتقط صورا للحفرة، ليوثق الأمر، ولتكون الصور فى أيدى القائمين على الحفر، حتى تأتى الحفرة الجديدة مطابقة للقديمة.. وبدلا من توجيه الشكر لأنه نقل الحفرة إلى جوار المستشفى لسرعة إسعاف المصابين، أخذوا يلمزون أنه فعل ذلك وحول الطريق من خلف البلدة، لأن أقاربه يملكون أرضاً هناك ، سيسقعونها.. ويحولونها إلى أرض للبناء، وتباع بالشىء الفلانى . والذين خرموا دماغه بالشكوى من سقوط الفلاحين والجواميس، يتباكون الآن على الحفرة .. لقد قطع عيش أصحاب أكشاك القهوة والشاى، ينتظر على دككهم الخشبية أهل المصابين، لحين انتشالهم.. وينتظر عليها شباب يسترزق من حمل الساقطين إلى المستشفى .. وجلبت بعض الأكشاك حلوى ومصاصات للأطفال والصبية الذين يتجمعون للمشاهدة.. ويتصاعد الدخان من البوارى المتداولة بين الأهالى وأفراد شرطة المعاينة .


فرد جسده على السرير، وأبقى رأسه مرفوعاً فوق مخدته الصغيرة. سيختفى تباكيهم فور إعلانه عن مزاد علنى لتأجير أكشاك أمر ببنائها حول الحفرة الجديدة. ليته أخبرهم ليستريح من نقرزتهم.. لكن لا.. المفاجأة سيكون وقعها أفضل.. وتجعلهم يطيعونه فى أى أمر مستقبلا .


التقط ساعة يده عن كومودينو لصق سريره. يوشك الليل أن ينقضى .. لابد أن يستريح قليلا حتى يكون يقظاً فى الافتتاح .. وغبط نفسه لأنه نحا صور الحفرة القديمة جانباً .. وأخبر المهندس الذى أحضره ليشرف على الحفر، أنه رجل عصرى ، ولايريد حفرة تقليدية.. يقع فيها السائر على حافتها المهترئة، فيتدحرج جسده على جانبها الترابى .. وقد يستنشق بعضه .. ولايخفى عليك تصاعد روائح كريهة من تعلق الكلاب والقطط النافقة فى الجوانب ، التى يلقيها الجهلاء .


أريد تسوية جوانبها لتكون الدحرجة سهلة ميسرة. وسأعين خفيراً ليمنع من إلقاء أية قاذورات ، لنريح الساقط من أى تقزز أو غم .


أريد الشكل النهائى للحفرة مقبولاً، يسر الناظرين.. ولن أقول كيف.. وهل سأرشدك إلى عملك الذى تعرفه خيراً منى ألف مرة.. لن أزيد .. وعلى بركة الله .


هز رأسه حتى لا يغفو.. وقام مسرعاً يتأكد من خريطة الموقع.. اطمأن حين وجد مساحة خالية، لتقام عليها نقطة شرطة مستقبلا، حتى لايضيع الوقت فى استدعاء من يعاين من المركز، ثم العودة لتحرير المحضر، وحتى نعفى الأهالى من إرهاق الذهاب والعودة بصورة من المحضر .


وحمداً لله أنه تنبه لتخصيص أحد الأكشاك لتوضع به مكنة تصوير ..


عاود فرد جسده، وخشى لو ترك رأسه على المخدة العادية، أن تأخذه نومة. وهو الذى تحمل وصبر فى انتظار هذا اليوم .


لقد أحاط الحفرة الجديدة بقطع الخيام التى يستخدمونها فى إقامة سرادقات العزاء، وأصر أن تكون تكلفة إيجارها من جيبه الخاص، خدمة لبلدته، لقد أستوحى فكرته من رؤيته لأصحاب المحال فى البندر يغطون واجهاتها بالقماش، حين يشرعون فى تجديدها، يفاجئون الجمهور عندما يرفعون الغطاء بالمحل مدهونا وقد أعيد تصميم مايحتويه. ونبه على الخفراء بنهر الفضوليين، وإثناء من يحاول رفع الخيام .


ولكنه سلم أنه لن ينجح تماما..


فكم مكر الفلاحون بخفرائه .. يأخذونهم فى الحديث، ويعزمون عليهم بالسجائر.. وغير بعيد يكون من يرفع طرف الخيمة.


انزلق عن سريره ، لاعنا الكسل.


سيرفع الخيمة من حول الحفرة، وسيدعو الضيوف لمشاركته فى رفع أطرافها ، بعد أن يطلب منهم الإحاطة بدائرتها..


وعندئذ يمسك بمكبر الصوت..


أهل بلدتى الكرام.. أهل القرى المجلس الطيبون (الطيبون .. لتكن كلمة أخرى .. دعها كما هى .. لماذا صعبت الكلمة عليك وكأنك غرمت فى شرائها) .. لقد جاهدنا طوال الأسابيع الماضية لحل المشكل الذى رزئنابه.. واستطعنا أن ندبر مادة لردم الحفرة القديمة دون أن نغرم جنيهاً واحدا .. فكما تعلمون .. ميزانية المجلس ليس بند للصرف على هذا الأمر.. وشكرى الخاص للمتطوعين فى الحفر.. خاصة أبنائنا الطلبة.. أبناء الفلاحين (لاداعى لأبناء الفلاحين حتى لايطمعون فينا).


وعندها يشير إلى التل الكبير الذى نجم عن الحفرة الجديدة.. هذا التل الذى سمع بسببه ما سمم دمه.. المجلس يسرق عينى عينك التربة ، وسيكلف - مجاملة له - بعض الأجزاء بعمل قوالب من الطوب النيىء ليبنى داراًِ جديدا يزوج فيها ابنه ..


وبالتأكيد سوف تكون اللحظة القصوى لانتصاره عندما يشير إلى التل.. وحين يتأكد من استعداد المصورين الذين أحضرهم لتسجيل تلك اللحظة التاريخية التى سيتوقف عندها الزمن، سيطلب من الفلاحين جميعا ملء المقاطف، التى كان قد أخفاها وراء الخيمة والذهاب معا فى زفة جماعية لردم الحفرة القديمة.


نقرت كلمة «المقاطف» رأسه بشدة.. كيف عدت عليه ..؟! .. وأمامه المقاطف المجدولة من الخوص.. وكيف ستظهر تلك المصنوعة من الكاوتشوك بأسودها المجير فى الصور..؟ .. هل سيلفت ذلك نظرهم.. ويسخرون منه .. ألم يجد إلا تلك التى يضع فيها الحوذية علق حميرهم.. لعله فى خبيئته استرخص ثمنها .. هل فات الوقت لاستبدالها ..؟!


نظر فى ساعته وهو يتساءل .. كيف سيحصل بسرعة على ما يريده من الهوصية ..؟


هل أفسد - دون أن يدرى - نجاح زفته ..؟!