المهجريون الجدد

20/12/2014 - 2:00:18

جانب  من مهرجان المربد الشعرى الحادى عشر بالبصرة جانب من مهرجان المربد الشعرى الحادى عشر بالبصرة

كتب - عاصم عبد المحسن - كاتب مصري

المفارقة أن نظام صدام الطارد لمعارضيه إلى حد القتل كان جاذبا لأدباء عرب معارضين


الجاذبية المغناطيسية بين المثقف والاستبداد منذ العصر الأموي حتى الآن تحتاج إلى تفسير


أن تكون العينان مفتوحتين لا يعني بالضرورة أنهما تريان كل شيء. وإن رأتا فليس من المحتم أن تدركا حقيقة ما تريان.


العدد السابق (نوفمبر 2014) من مجلة "الهلال" فتح الأعين على أمر ربما كان كامنا في أذهان البعض بشكل ضبابي، وربما لم يتوقف عنده البعض، وربما لم يدركه من البداية خيال البعض، وربما رآه البعض لكنه لم يستشف كنه أبعاده.


هذا الأمر الذي كشف عنه عدد نوفمبر هو أن هناك أدبا مهجريا جديدا - عراقيا هذه المرة - ربما لم يكن كثيرون مدركين له بهذا الشكل.


عرفنا أدب المهجر شاميا - سوري لبناني بالأساس - منذ أواخر القرن التاسع عشر خجولا في البداية ومتوهجا وملهما حتى ستينيات القرن العشرين، ثم شاحبا ويكاد يكون متواريا بعد أن دخل مرحلة الذبول الآن انعكاسا وصدى في علاقة طردية لما يحدث في الوطن الأم.


لكننا لم نعرف بهذا الشكل المتسق شيئا عن أدب المهجر العراقي الذي ربما كانت بداياته مع بدايات حكم صدام حسين وما صاحبه من صدمات وتصفيات طالت من بين من طالت المفكرين والأدباء العراقيين الذين لجأ من استطاع منهم إلى بلدان أوروبية غربية في معظمها، فرارا بأفكارهم من أن يسحقها طغيان صدام. بعض أصحاب الفكر الماركسي وجد بعضهم ملاذا في الاتحاد السوفييتي السابق والدول التابعة له.


محنة المفكرين والأدباء العراقيين لم تنته بسقوط صدام، بل لعل رقعتها ازدادت مستهدفة هذه المرة كل من رفض الغزو الأمريكي للعراق من ناحية وكل من وجد نفسه غريبا في بلده نتيجة سياسات حكام وزعوا الأرزاق وهوامش الحريات على الناس على أسس طائفية ومذهبية وعرقية.


كان حتما والأمر كذلك ليس فقط أن يستمر المهجر العراقي الذي كان قائما أيام صدام بل أن تتسع رقعته كذلك.


الملف الذي نشرته "الهلال" تحت عنوان (نصوص من تجليات الإبداع العراقي خارج أرضه) يكشف عن مهجر متوزعة شريحة منه وليس كله من النرويج والدنمارك شمالا حتى مصر وتونس جنوبا مرورا بهولندا وسويسرا وبريطانيا.


الاختلاف بين المهجرين - الشامي والعراقي - أن الأول كان الدافع الأساسي لمعظمه اقتصاديا بحثا عن رزق أوفر في العالم الجديد، وكان أقله فكريا هربا من سطوة استبداد الحكم العثماني المباشر. الساعون إلى الرزق انحصر وجودهم مكانيا في أمريكا الجنوبية وإلى حد ما أمريكا الشمالية، وكانوا وكانت هجرتهم عامل استقطاب لآخرين من الأقارب للحاق بهم. أتاح لهم تجمعهم القدرة على إصدار صحف ومجلات وتنظيم ندوات والتواصل مع الوطن الأم.


أما الفارون بأفكارهم من عسف الطغيان العثماني فكانت مصر ـ التي لم تكن خاضعة بشكل مباشر للسلطنة العثمانية وإن كانت لا تزال اسميا جزءا منها ـ هي الملاذ لمعظم هؤلاء ومن بينهم مؤسس "الهلال" جرجي زيدان.


كان محرك المهجر العراقي في الأساس النجاة بالنفس من الهلاك. المفارقة أن نظام صدام الذي كان طاردا لمعارضيه إلى حد التصفية الجسدية كان هو نفسه الجاذب لأدباء عرب معارضين لنظمهم. كما كان مهرجان المربد الشعري بؤرة استقطاب لأدباء من كل الدول العربية سنويا (بلغ عدد المدعوين إليه في بعض السنوات ألفا أو يزيد) يسبحون بحمد صدام ويتلقون هباته وأعطياته.


على خلاف المهجر الشامي فإن المهجر العراقي يحمل عنوان الشتات بكل ما يعنيه حيث أفراده موزعون حيث رمت بهم الأقدار وسمح لهم به كرم دول لجأوا إليها وما لا يزالون.


هذا الشتات الفردي في المنافي والمهاجر حال بين الأدباء العراقيين وبين استنساخ التجمع الذي كان سمة أدباء المهجر الشوام، وأدى إلى عدم تسليط الضوء على تواجدهم وإبداعاتهم حتى قامت بذلك مجلة الهلال.


ملف الهلال سلط الضوء على مبدعين عراقيين في المنافي لكن هناك أدباء ومفكرين عرب من كل الدول العربية بلا استثناء يكتوون أيضا بنار النفي وحرقة البعد عن الوطن.


قد تكون الهبات والأعطيات التي أغدقها صدام قد جعلت عيون أدباء ومفكرين عربا من الطاعمين على موائده كليلة عن رؤية مثالب وعيوب نظامه، وهو أمر ينصرف إلى كل موقف مماثل من أمثال هؤلاء الأدباء والمفكرين من أي نظام شبيه بنظام صدام الذي لم يكن بدعا ولم يكن وحيدا.


لكن ما المبرر أو التفسير لاستمرار مثل هذا الموقف بعد زوال نظم صدام ومبارك وزين العابدين بن علي والقذافي وغيرهم؟ ولماذا استمرار استباحة دماء مفكرين ومبدعين بل التحريض على مثل هذه الاستباحة من قبل بعض من حملة الأقلام؟


هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من تسليط الضوء على علاقة "الهيام" ذات طبيعة الجذب المغناطيسية بين المثقف العربي والسلطة الاستبدادية تحديدا منذ بداية العصر الأموي حتى الآن، وهي علاقة شبيهة بما تحدث عنه نزار قباني في إحدى قصائده عن الحب الذي لو لم يكن موجودا لتم اختراعه.


السؤال هو هل المثقف العربي - أديبا ومفكرا - مخترع للاستبداد أم منجذب إليه؟