نجيب محفوظ واستلهام الأسطورة

20/12/2014 - 1:57:56

الف ليلة و ليلة لنجيب محفوظ الف ليلة و ليلة لنجيب محفوظ

كتب - زياد فايد - كاتب مصري

اعتمد نجيب محفوظ فى كثير من رواياته على التراث والأسطورة سواء الفرعونية أو اليونانية، ففى روايته "كفاح طيبة" استوحى أسطورة الإله ست الذي قتل أخاه أوزوريس حسدًا وظلمًا وقطع جسده ونثره فى أقاليم مصر ثم جاء الإله حورس بن أوزوريس وخاض صراعًا مع عمه. وهذه القصة تلقى بظلالها على رواية كفاح طيبة لا سيما الصراع بين الهكسوس ممثلاً فى "أبوفيس" و"المصريين" أهل طيبة ممثلاً بالفرعون سقنن رع ثم كاموس وأخيرًا أحمس الذي طرد "أبوفيس" من مصر.


في رواية "ألف ليلة وليلة" نجد العالم الصراع الأسطورى بين الإنسان والكائنات الخرافية والأشباح والعفاريت واضحًا، فالسندباد ينتصر على طائر الرخ الأسطورى ويستغله لمصلحته، وشهريار يواجه ماردًا جبارًا بعد أن فتح الباب المحرم الدال على عالم الأسطورة الذي دخل إليه من صخرة فى الخلاء ويدرك أنه لا طاقة له بمقارعة المارد. وصنعان الجمالى يصارع عفريت القمقم.


كما استلهم نجيب محفوظ قضية البحث عن الخلود من الأسطورة القديمة ـ التي جاء فيها أن جلجامش ملك أورك القديمة خرج فى رحلة أسطورية يبحث عن عشبة الخلود ومر برحلة صعبة قابل فيها كائنات أسطورية ثم حصل جلجامش على عشبة الخلود لكن الأفعى الشريرة اختلست العشبة ـ عند صياغته لملحمة الحرافيش حيث عنى محفوظ بأسطورة البذل والعطاء التي تخلد الإنسان وتحول تجربته الحياتية من مسيرة مادية إلى مسيرة روحية يفنى فيها الجسد وتبقى هى مرتبطة بعالم الروحانيات والموجودات، وما استحضاره لهذه الأسطورة إلا صرخة تقول: لا تصدقوا بخرافة الخلود بل اصنعوها بالعمل والحب والبذل واسموا على الأنانية والمادية.


التراث الشعبى في "زقاق المدق"


لم تكن رواية "زقاق المدق" مجرد رواية لحقبة زمنية محددة بل كانت أشبه بتوثيق لمجتمع القاهرة الفاطمية من خلال شخوص ومكان وأحداث الرواية فى تلك الحقبة الزمنية.


لقد لعب محفوظ في رواية "زقاق المدق" دور الإخبارى الذي ينقل إلينا التراث الشعبى لمجتمعه، فيخبرنا عن عاداته ومعتقداته وفنونه وثقافته المادية من عمارة وأزياء وفنون ووسائل النقل وغير ذلك.


لم يكتف محفوظ بتسجيل هوية الزقاق التاريخية وموقعه الجغرافى، فالزقاق والحارة فى زمن الفاطميين عبارة عن قسم من المبانى يضم عددًا من البيوت والحوانيت وتغلق على نفسها ببوابة ضخمة حماية لأهله من اللصوص ليلاً، البيوت لا ترتفع لأكثر من طابقين أو ثلاثة. وقد سجل محفوظ وجود بيتين من ثلاثة طوابق فى الزقاق، كما سجل وجود عدد من الحوانيت وهى: وكالة العطارة التي "تزدان جدرانها بالأرابيسك"، وليس لها من مطارح المجد إلا تاريخها، وعدة آرائك تحيط بها وتفرق نفر قليل بين مقاعدها يدخنون الجوزة ويشربون الشاى ويتخذ المعلم كرشة صاحب المقهى مجلسه المعتاد وراء صندوق الماركات.. وانكب زبائن المقهى على الدومينو والكومى.


وهكذا نجده يلتقط عددًا من الصور الفوتوغرافية (واقعية) لمقهى الزقاق، وبالطبع نجد الكثير من مفردات هذه الصورة قد اندثر وحل محله ما هو مناسب للعصر الحديث. وهنا يعطى محفوظ صورة واقعية عن المقهى حيث هو ملتقى الأفراد ليلاً بعد ما ينتهى كل الناس من أشغالهم، ويكون جوه دافئًا عن الخارج بسبب الدخان المتصاعد من الجوز، وبسبب النار المشتعلة فى الوابور الموضوع فوق (النصبة) حيث يتم تسخين الماء وتجهيز المشروبات للحاضرين الذين يتربعون على الأرائك الخاصة بها يتحدثون ويتناولون المشروبات غير منصتين للمذياع (الراديو). وصبى المقهى فى حالة عمل مستمرة ينادى بطلبات الزبائن على العامل الذي يقوم بتحضير المشروبات. ويؤكد محفوظ أحد المتغيرات الثقافية فى مجتمع الزقاق من خلال تمرد أفراده على شاعر الربابة الذي كان يتردد على المقهى لتسلية الرواد فى ذلك الوقت حيث يحكى لهم القصص الشعبى من حكايات أبو سعدة الزناتى، وما إن تم تركيب المذياع حتى استغنوا عن هذا الشاعر، وجاء على لسان الشيخ درويش وهو يقول: ذهب الشاعر وجاء المذياع، هذه سنة الله فى خلقه..


أصحاب الحرف والمهن الشعبية


لما كانت رواية "زقاق المدق" تحاكى المجتمع الشعبى فى القاهرة الفاطمية، لم يبخل نجيب محفوظ بتعريف القارئ بعدد لا بأس به من أصحاب المهن والحرف الشعبية نساء كانوا أم رجالاً من أهل المنطقة، إضافة إلى القهوجى وشاعر الربابة، والقباقيبى، والرفاء، وأم حميدة الخاطبة، وحسنية الفرانة، والقرداتى و"الماشطة" و"القصاب" و"العجلاتى" و"الحوذى" و"الدكتور بوشى" حلاق الصحة.. وشيخ الحارة والمأذون" وغيرهم.


لم يكن لـ"حلاق الصحة" مكان معروف لمزاولة المهنة، بل هو ينتقل بين الأفراد من مكان لآخر، وتعد عيادته المتنقلة متمثلة فى حقيبته التي يحملها معه أينما يذهب، وبها أدوات العلاج التي قد يستخدمها، كما أن ارتباط الناس بـ(حلاق الصحة) كان نتيجة لقلة قيمة الأجر الذي يتقاضاه مقابل العلاج الذي يقدمه مقارنة بالنسبة لما يتقاضاه الأطباء من جهة ونتيجة للاعتقاد الدينى لدى الناس فى أن الضرر والشفاء من عند الله وحده من جهة أخرى، رغم المخاطر التي قد يتعرضون لها نتيجة علاجه البدائى، لذلك كان الناس فى مجتمع القاهرة الفاطمية يعتبرون أمثال هؤلاء الممتهنين لمهنة الطب - بأسلوب بدائى بعيد عن العلم - أطباء محل ثقتهم وتقديرهم، لأنه لم يكن لديهم وعى بالتطور العلمى والحياتى خارج نطاق مجتمعهم المغلق عليهم.


الأزياء الشعبية


كان للأزياء فى مجتمع زقاق المدق حظ كبير فى التسجيل، فلقد كان للأزياء القاهرية فى ذلك الزمن طرازها المميز ومن خلال وصف نجيب محفوظ للدكتور بوشى (حلاق الصحة): كان الدكتور يرتدى جلبابًا وطاقية وقبقابًا! أما زي الأثرياء من التجار أمثال السيد علوان صاحب الوكالة فيصفه محفوظ قائلاً: يرفل فى جبته وقفطانه.. وكانت العمامة فى مجتمع القاهرة الفاطمية رمزًا للهيبة والوقار لهؤلاء التجار. ويصف محفوظ المعلم كرشة وهو يلقى التحية على النجار حوله قائلاً: فرفع المعلم يده إلى عمامته.. أما ما كان يميز الأفندى أو الموظف فهو ارتداء الطربوش.


كما ذكر محفوظ عدداً من المفردات المميزة لأزياء النساء فى ذلك الزمن فنجده يصف حميدة قائلاً: بيد أنها تلف الملاءة لفة تشى بحسن قوامها الرشيق.. كما يصف زوجة المعلم كرشة فى زيارتها للسيد رضوان الحسينى فيقول: "وأقبلت فى ملاءتها مبرقعة.." أى ترتدى البرقع الذي يغطى منطقتى الأنف من وجه المرأة.


ومن الطريف فى الرواية أن محفوظ لم يكتف بتسجيله للقبقاب كرداء للقدم لدى البسطاء من الرجال بل أسمعنا صوته أيضًا من خلال وصفه للشيخ درويش عند مغادرته مقهى الزقاق ليلاً فيقول: يخرق السكون بضربات قبقابه على بلاط الزقاق.. كما يسجل من خلال وصفه لعباس الحلو ارتداء هذا القطاع من المجتمع بدلة قديمة مستصلحة حيث يقول: كان يرتدى بدلته الرمادية، وهى الوحيدة أيضًا وكان قد قلبها منذ عام، ثم رفا الرفاء بعض أطرافها.


وسائل النقل.. من الكارو للحنطور


يسجل محفوظ أهم وسيلتين للنقل فى مجتمع القاهرة الفاطمية فى ذلك الوقت فها هو ذا السيد سليم علوان اتجه نحو الحنطور الذي ينتظره على باب الزقاق ويصعد إليه فى وقار.. "ودق الحوذى الجرس فرن بقوة، وانحدرت العربة ذات الحصان الواحد إلى الغورية فى طريقها إلى الحلمية". فهنا يسمعنا محفوظ رنين جرس العربة مع بدء تحركها، ويحدد نوعها بأنها ذات الحصان الواحد حيث كانت توجد أيضًا العربة ذات الحصانين. ولما كانت هذه العربة من الفخامة لدى المجتمع الشعبى آنذاك، فلم يكن يركبها إلا الأثرياء منهم، بينما كانت العربة الكارو هى وسيلة النقل لدى فقراء الزقاق.


المظاهر الشعبية في القاهرة الفاطمية


ورد في رواية "زقاق المدق" عدد من المظاهر الشعبية من عادات ومعتقدات واستخدامات فى الحياة اليومية، فمجتمع القاهرة الفاطمية فى زمن الأربعينيات من القرن العشرين، مجتمع زاخر بالموروثات الثقافية الكثيرة والمميزة له وفقًا لتأثره بالبيئة المحيطة به حيث وجود الكثير من المساجد وأضرحة أولياء الله الصالحين ومن تلك المظاهر التي دونها محفوظ الزيارة للأضرحة والنذر للولى والرقية من شر العين والذكر والتسبيح وتقاليد خاصة بالحج ودفن الموتى.


المصادر:


ü استهام عناصر الفولكلور - صفوت كمال - مجلة الفنون الشعبية 1987 .


ü الشكل الروائى والتراث - تأليف: محمد حسين أبو الحسن - هيئة الكتاب.


ü السينما المصرية والثقافة الشعبية - بحث غير منشور - مقدم من عبد الحميد حواس - المجلس الأعلى للثقافة.