نحو استخدام مركب للطاقة الشمسية

20/12/2014 - 1:54:55

مشروعات تحلية المياه المالحة مشروعات تحلية المياه المالحة

كتب - د. نبيل حنفى محمود - كاتب مصرى

تعددت خلال السنوات الأخيرة الظواهر المنذرة بنقص حاد فى إمدادات الطاقة، ونظراً للنفاد المتوقع أثناء القرن الحالى أو التالى لمصادر الوقود الحفرى (الفحم والبترول والغاز الطبيعي) واليورانيوم (المستخدم فى المحطات النووية)، فقد توالت مؤخراً أبحاث تسعى لاستغلال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وعلى الأخص الشمس والرياح، ولما كانت قيمة التحسينات التى قدمتها تلك الأبحاث قليلة، فإن الحاجة تبدو اليوم ماسة لاستخدامات مبتكرة لمصادر الطاقة المتجددة، وخصوصا طاقة الشمس، التى تتجلى استخداماتها المركبة فى تقنيات تخزينها، لتسترجع بعد ذلك فى ساعات الليل أو عند افتقاد السطوع الشمسي.


تقدر بعض المصادر ما يسقط على سطح الأرض من طاقة الإشعاع الشمسى فى كل عام بقرابة عشرة أمثال الطاقة الكامنة فى كل مخزون الأرض من مصادر الوقود الحفرى الثلاثة بالإضافة إلى اليورانيوم (هوكلاند: الطاقة الشمسية، العلوم، المجلد 13، أكتوبر 1997)، إلا أن ما يستغل بالفعل من هذا الفيض السرمدى من الطاقة ما زال فى طور البدايات، وذلك إلى الحد الذى لا يمكن القول معه بإمكانية الاعتماد على هذا المصدر وقرينه الآخر من مصادر الطاقة المتجددة -طاقة الرياح- فى تلبية الاحتياج المعاصر والشره للطاقة، فمن المعروف أن نسبة إسهام طاقات الشمس والرياح والكتلة الإحيائية (وهى مخلفات الغابات والحقول والصرف الصحي) تبلغ حالياً حوالى 3% من إجمالى الطاقة الكهربية المنتجة عالمياً (د. محمد مصطفى الخياط: الطاقة لعبة الكبار)، وتعد الطاقة الشمسية أكثر أنواع الطاقات المتجددة استغلالاً خلال النصف الثانى من القرن العشرين، لتعدد ما ابتكر خلال تلك الفترة من تقنيات لاستغلالها، والتى تضمنت: المجمعات السطحية - المركزات الشمسية - الخلايا الكهروضوئية (السيليكونية) والبرك الشمسية، وتعد الخلايا الكهروضوئية أفضل تلك التقنيات وأكثرها انتشاراً، لأنها تنتج التيار الكهربى بشكل مباشر، وهو الوسيط الأمثل لاستخدامات الطاقة فى شتى مناحى الحياة.


تعتمد الخلايا الكهروضوئية على ظاهرة التأثير الكهروضوئى أو الفوتوفولتي، والتى صيغت بالنص التالي: "عندما تسقط فوتونات الضوء (نبضات من الطاقة) على سطح مصنوع من السيليكون، فإن سيلاً من الإلكترونات سوف ينبعث من هذا السطح، وبما يخلق تياراً كهربياً عبر سلك موصل يوضع أمام السطح السيليكوني"، استخدمت الخلايا الكهروضوئية الأولى فى الخمسينيات ببرنامجى غزو الفضاء للاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة، وقد صنعت النماذج الأولى من تلك الخلايا من السيليكون البللورى البالغ النقاء والمستخرج من الرمال، وتم تطوير صناعة تلك الخلايا بطرق عدة، ويعد تنويع ما تصنع منه الخلايا من مواد أهم ما استحدث من تطور فى صناعتها، حيث أنتجت خلايا كهروضوئية من مواد مختلفة مثل كادميوم وسيلينيوم وكبريتيد النحاس وكبريتيد الكادميوم (د. عصام بن عبد العزيز العمار: مبادئ الطاقة الشمسية الكهروضوئية، عالم الفكر، المجلد 41، العدد 3، يناير / مارس 2013).


أثمر التطوير المستمر للخلايا الكهروضوئية فى خفض تكلفة الطاقة الكهربية المنتجة منها، ولكنها لم تبلغ بعد حد منافسة تكلفة مثيلتها المنتجة من أنواع الوقود الحفري، وتمتاز الخلايا الشمسية بإنتاجها للكهرباء دون الحاجة لأجزاء دوارة أو لاستخدام أى نوع من الوقود، وذلك فضلاً عن عدم تلويثها للبيئة، إلا أن أهم ما يعيبها هو عدم انتظام تغطيتها لما يتصل بها من أحمال، وذلك لأنها لا تستطيع تلبية هذه الأحمال فى ساعات الليل وعند احتجاب الشمس وراء السحب، لذا تطلب الأمر استنباط وسيلة لتخزين جزء من طاقة الشمس الساقطة فى الأيام الشموس، وهو ما ترجم إلى عدة طرق تقنية لاكتناز الطاقة الشمسية واختزانها، ومن هذه الطرق: التخزين الحرارى الكهربائى والميكانيكى والكيميائى والمغناطيسي.


كما تم اعتماد طريقة التخزين الحراري، والذى يتبع بالاسترجاع الحراري، فى كثير من أنظمة الطاقة الشمسية، بغية خفض التكلفة الاقتصادية لتلك الأنظمة إلى الحد الذى يمكنها من منافسة التكلفة الخاصة بمصادر الطاقة التقليدية.


تعد تقنية إعذاب ماء البحر من أبرز التقنيات الواعدة لاستغلال طاقة الشمس، لإسهامها فى استغلال طاقة الشمس جنباً إلى جنب مع توفير الماء العذب اللازم لشتى الأنشطة الحيوية،وتتجسد هذه التقنية فى المقطر الشمسى الذى يتكون فى أبسط صوره من صندوق معزول حرارياً، يزود الصندوق بغطاء زجاجى أو من مادة شفافة منفذة للإشعاع الشمسي، يطلى قاع الصندوق الداخلى بلون أسود، ويملأ فراغه الداخلى بماء البحر، وعند سقوط أشعة الشمس على غطاء الصندوق الزجاجي، فإن أشعة الشمس النافذة من الغطاء الزجاجى سوف تخترق كمية الماء الملح وتمتص فى القاع الأسود للصندوق، وعندما يسخن الماء نتيجة التصاقه بقاع الصندوق الساخن جراء امتصاص أشعة الشمس النافذة، فإن درجة حرارة الماء سوف ترتفع لتصبح أكبر من درجة حرارة الهواء المنحصر فى الفراغ الواقع بين سطح الماء الملح والغطاء الزجاجي، فيرتفع ضغط طبقة بخار الماء المتكونة على سطح كمية الماء الملح، وبالتالى يبدأ الماء الملح فى التبخر ليعادل ضغط بخار الماء على سطحه، فتتصاعد كميات من الهواء المشبع ببخار الماء الساخن من سطح الماء الملح وتتجه إلى الغطاء الزجاجى البارد (نسبياً إذا ما قورن بالهواء الساخن)، وعند ملامسة الهواء الساخن المشبع ببخار الماء لسطح الغطاء الزجاجى البارد، فإن ما يحويه من بخار سوف يتكثف على السطح الداخلى للغطاء الزجاجى متخذاً نمط التكثف بالقطرات، لتنحدر قطرات الماء المتكثف على السطح الداخلى للغطاء الزجاجى صوب مجرى جانبى يجمع الماء المتكثف.


ويبلغ متوسط إنتاجية المقطر الشمسيّ من الماء حوالى من ثلاثة إلى أربعة لترات لكل متر مربع من مساحة قاع الصندوق فى اليوم الواحد، مع أخذ الحقائق التالية فى الاعتبار: مجمل الإشعاع النافذ من الغطاء الزجاجى للمقطر والممتص بمنطقة الحوض يعادل من 20 - 30% من مجمل الإشعاع الساقط، فإذا استهلك من تلك الكمية من الطاقة الممتصة بمنطقة الحوض نحو 30 إلى 40 % فى تبخير الماء، فإن قرابة 30 إلى 40 % من الطاقة الممتصة بالحوض تضيع فى الإشعاع الصادر من الماء الملح الساخن ومع الحرارة المفقودة بالحمل الحرارى عبر الزجاج وجدران المقطر (د. سعود يوسف عياش: تكنولوجيا الطاقة البديلة).


تبين التقديرات السابقة التى استنبطت بموجب مبادئ علميّ الديناميكا الحرارية وانتقال الحرارة أن الشطر المهدر من طاقة الشمس الساقطة على وحدة المساحة لذلك النظام الشمسيّ يزيد على النصف (أكثر من 50 % من طاقة الإشعاع الساقط)، لذا فلا مناص من ابتكار تقنيات جديدة تزيد من مقدار الطاقة المقتنصة فى الأنظمة الشمسية.


لو ألحق نظام ثانوى لاختزان الطاقة بالمقطر الشمسيّ، لأمكن بذلك اجتناء جزء من شطر الطاقة المهدر جراء الإشعاع والحمل الحرارى فى حوض المقطر، فإذا ما غابت الشمس بحلول المساء أو ظهور السحب، أمكن من خلال استرجاع الجزء المختزن من الطاقة فى هذا النظام، استمرار المقطر فى مهمته لفترة زمنية إضافية ترفع من إنتاجيته، ويتكون نظام كهذا من أنبوبة ملتفة تثبت على قاع الحوض، وعند إمرار مائع جيد التوصيل للحرارة داخل الأنبوبة أثناء فترة السطوع الشمسيّ، فإن تجميع المائع بعد تسخينه فى خزان ذى عزل حرارى جيد، سيتيح حال إعادة إمراره فى الأنبوبة الملتفة بعد المغرب أو عند احتجاب الشمس، تبخير كمية إضافية من الماء الملح، ومن ثم زيادة إنتاجية المقطر من الماء العذب، ونظراً للطبيعة الخاصة لاسترجاع الحرارة من المائع الناقل لها، والتى تتطلب زيادة السعة الحرارية للمائع وتوصيليته الحرارية، فإن استخدام الموائع النانوية فى هذا النظام وغيره من الأنظمة الحرارية، عُدّ خلال العقدين الماضيين أحد الحلول الناجعة لمثل هذه المشكلة


والمائع النانوى يعنى خليط من حبيبات صلبة ذات قطر يتراوح بين 1 إلى 100 نانومتر ومائع طبيعى (كالماء أو الزيت)، والمقصود بالصفة "نانوي" هنا هو وحدة النانومتر التى يقاس بها قطر الجزيئات المتناهية الصغر، والنانومتر يعادل جزءاً من ألف مليون جزء من المتر.


يمثل مضمون الفقرة السابقة خلاصة خطة الدراسة لرسالة الماجستير الخاصة بالطالب المصرى محمد عبد الرحمن فرحات، المعيد بقسم هندسة القوى الميكانيكية فى كلية الهندسة بجامعة المنوفية، تلك الخطة التى تقدمت بها لجنة الإشراف على الطالب إلى مجلس القسم فى جلسة بتاريخ 1 يونيو 2014، ونالت الخطة موافقة المجلس، وتكونت لجنة الإشراف من كل من كاتب هذه المقالة والدكتور موسى محمد موسى والدكتور أشرف أمين حسين (من أعضاء هيئة التدريس بالقسم)، ويعكف الطالب الآن على بناء نماذج معملية لمقطر شمسيّ ذى أبعاد مناسبة وتصميمات خاصة، وفى الوقت نفسه يضطلع الطالب بتصميم نموذج رياضى يمكنه التنبؤ بأداء المقطر فى جميع الأحوال، إن هذه الرسالة العلمية تمثل خطوة على الطريق الطويل إلى استخدام مركب للطاقة الشمسية.