نجيب محفوظ وأنشودة البجعة! .. محمد حجى .. كيف جسد .. أحلام فترة النقاهة؟

20/12/2014 - 1:52:29

رسم حجى لاحلام محفوظ رسم حجى لاحلام محفوظ

كتب - محمد رضوان

قيل إن البجعة تنشد أجمل أناشيدها وأعذبها عندما تستشعر قرب نهايتها !


وهذا ما نجده فى «أحلام فترة النقاهة» التى نشرها نجيب محفوظ مسلسلة فى مجلة «نصف الدنيا» قبل رحيله بست سنوات كاملة!


ورغم إصابة يده بعد المحاولة الآثمة لاغتياله فى أكتوبر عام 1994 إلا أنه قاوم ضعفه ووهنه وإصابته وظل يكتب حتى آخر رمق فى حياته !


وعندما صدرت «أحلام فترة النقاهة» فى كتاب اختلف النقاد فى تفسيرها وفك رموزها وطلاسمها فبينما رأى البعض أنها مجرد رسائل لإيقاظ وتحفيز الذاكرة ليقول فيها أديبنا نجيب محفوظ ما لم يستطع أن يصرح به فى حياته رأى البعض الآخر أنها جاءت بمثابة محاولة علاجية لكثير من الأفكار والسلبيات والتصورات السائدة إضافة إلى كونها رؤية فلسفية للإنسان والحياة متعددة الجوانب والمستويات.


وفى «أحلام فترة النقاهة» قدرة على مزج العقلى بالحدس التخيلى بالاستشراف الشفاف بالوجدانى بالروحى بالغيب وكانت المحصلة فى النهاية نصاً مكثفا متعدد الروافد والمستويات يتخطى الحدث العادى المسرود إلى ما هو أبعد وأعمق وأخصب !


كانت الأحلام قصيرة مبسطة فى جمل قصيرة لأنه فى هذه المرحلة من حياته صار فى غنى عن التفاصيل والحواشى والزوائد لأنه عمد إلى اللب والجوهر مباشرة ليقود المتلقى إلى أقرب الدروب بما يتناسب مع تلك المرحلة الأخيرة من عمره والتى شعر فيها أن ما بقى من عمره قليل وأن اللحظات أصبحت ثمينة وعزيزة وأصبح العمر لا يحتمل رفاهية السرد المطول، فضلا عن يده المصابة من جراء الحادث الإجرامى لاغتياله وما ناله من ضعف ووهن فجاءت تلك الأحلام كرسائل تلغرافية عميقة ونافذة ووضعت أسسا لفن أدبى جديد هو فن «أدب الأحلام» إن صح المصطلح!


يذكر نجيب محفوظ أن أحلامه كانت مصدر إلهامه فهو بهذا يؤكد ويجسد ما عرف علميا بالتزاوج بين الحلم والحقيقة وبين الحقيقة والخيال وبين الشخصى والعام وبين الفردى والجماعى وبين الذاتى والموضوعى.


والغريب أن هذه الأحلام كانت آخر ما كتب فى رحلة عمره التى امتدت خمسة وتسعين عاما فجاءت أشبه بلوحات تجريدية رمزية رأى البعض أن بعضها يمكن فهم مغزاها والبعض الآخر رأى فيها غموضا فلسفيا رغم لغتها البسيطة التى تمتلئ بالإيحاءات والرموز والألغاز والدلات لكنها فى النهاية تدعو إلى التأمل والعمق باعتبارها الخلاصة والجوهر فى القرب والبعد والعمق لأنها خلاصة العمر وحصاده فى سطور تلغرافية وهو يرى ما لا نراه بحسه وشفافية روحه ووجدانه حيث وصل إلى درجة عالية من الشفافية، فكتب يقول :


«فى كلمة أو كلمتين تعرف سر الدنيا والآخرة.. حقاً إن المخاوف كثيرة الظلمات محدقة ولكن الله رحمن رحيم ينشر عنايته الإلهية فتحيط بكل شىء وقد يسر لنا مفتاح الأمن والأمان بالآية نتلوها بالصلاة نقيمها، بالصوم نتقرب إليه، فتصفو الدنيا وتحلو وتهب الخير والبركة ويتقهقر إبليس وجيوشه وننتظر هناك الجنة ونعيمها، ولا بأس أن نستزيد من الأمان بزيارة ولى أو تعليق تميمة بالطاقية أو بحرق قليل من البخور.. ما أيسر السعادة فى الدارين لمن يشاء»!


هكذا لخص نجيب محفوظ أحاسيسه وهو على مشارف الدار الآخرة بتلقائية وبساطة وصدق، وهكذا جاءت «أحلام فترة النقاهة» تعبيراً أمينا وصادقا عن أفكار نجيب محفوظ وفلسفته ومشاعره فى محطته الأخيرة فى رحلة عمره الخصبة الثرية.


محمد حجى: جسد الأحلام


وعندما بدأ نجيب محفوظ فى نشر أحلام فترة النقاهة فى مجلة نصف الدنيا زارت الأديبة الكاتبة سناء البيسى الفنان محمد حجى لتطلب منه أن تجسد ريشته تلك الأحلام التى تتطلب نوعية خاصة من الفنانين التشكيليين الذين يمكن أن يعالجوا مثل هذا اللون الأدبى الممتلئ بالرموز والإيحاءات والدلالات.


وهكذا بدأ يرسم محمد حجى تلك اللوحات ولمدة ست سنوات كاملة ولذلك كان لابد أن تلتقى الهلال بالفنان الكبير محمد حجى لنتعرف على حكاية رسم هذه اللوحات وكانت شهادته على تلك الحقبة هى :


- عندما بدأت يرسم حجى لوحات هذه الأحلام عايشتها وعايشت جو الأحلام الذى عشته فى بلدتى سندوب عندما كنت صغيرا واسترجعت ذكرياتى فى قريتى الخضراء المطلة على نهر النيل والقريبة من المنصورة وما اختزنته من مناظر وصور، فجاءت لوحاتى مزجا بين تعبيرى عن فكرى وذاتى وبين رؤى وأفكار وفلسفة وأحاسيس نجيب محفوظ فى هذه المرحلة العمرية من حياته وبالرغم من أننى لم ألتق بنجيب محفوظ إلا مرة واحدة فى الطريق بالمصادفة إلا أننى كنت أستشعر رضاه عما كنت أجسده فى تلك اللوحات.


ومن المواقف الطريفة التى مازلت أتذكرها أن السيدة سناء البيسى اتصلت بى ذات يوم فجراً لتخبرنى أن عمال المطبعة رفضوا طباعة إحدى تلك اللوحات وطلبت لوحة بديلة حتى تصدر المجلة فى موعدها، وبالفعل لم أنم ليلتها وسلمت اللوحة المطلوبة فى السابعة من صباح اليوم التالى.


ومنذ تخرجى فى كلية الفنون الجميلة عام 1963 وكان فى دفعتى كل من محمود بقشيش وعز الدين نجيب ومحيى الدين اللباد والدسوقى فهمى مررت بمراحل فنية مختلفة متصلة من رسم البورتريه إلى رسم الريبورتاجات الصحفية الواقعية إلى الرسم السوريالى والرمزى لكن تجسيدى لأحلام فترة النقاهة كان نتاجا لتجربتى مع عالم الأحلام وقراءاتى العميقة فى تفسير الأحلام فى الثقافة العربية والعالمية وكان لنشأتى فى عالم الريف برحابته ومناظره وأساطيره وحكاياته دور كبير فى رسم «أحلام فترة النقاهة» التى قيمها نقاد الأدب والفن باعتبارها جزءا من النص المكتوب تكمله وتفسره وتفك طلاسمه ورموزه وأبعاده.