شعرية النهايات .. قراءة فى ديوان تمارين لاصطياد فريسة

20/12/2014 - 1:50:43

ديوان تمارين لاصطياد فريسة ديوان تمارين لاصطياد فريسة

كتب - د. محمد السيد إسماعيل - ناقد مصرى

ربما كان من المفيد أن نبدأ من هذا العنوان "تمارين لاصطياد فريسة" ليس فقط لأنه يعد علامة أولى على عالم هذا الديوان بل لأنه يعكس- فى تصورى- مفهوماً جمالياً جديداً لشعر ينتقل به من شعرية -الإلهام- الوحى، الهبة التى تلقى فى روع الشاعر الذى لا يملك- بدوره- سوى التعبير عنها والإفضاء بها للقارئ بغرض التأثير عليه، وإشراكه- وجدانياً- مع تجربة القصيدة، دالة "تمارين" توحى بالانتقال من هذه الشعرية إلى شعرية أخرى مغايرة يمكن أن نطلق عليها شعرية المجاهدة التى تتأكد فيها فاعلية المبدع بحيث لا يكون مجرد متلق لما "يملى" عليه، وشعرية المجاهدة تختلف عن شعرية "الصنعة" لأنها لا تشترط- كما فى شعر الصنعة- الاحتفاء باللغة ،المجاز، ،المحسنات اللفظية، هناك مجاهدة حقاً، ولكن لكى يبدو الشعر أقرب إلى اللغة الشفاهية وأشبه بالتجربة اليومية المعيشة، وليس طرحاً فوقياً من قبل الشاعر العليم المدرك ليواطن الأشياء وظواهرها.


القصيدة- فى هذه الشعرية- ليست تعليقاً على ما حدث بتعبيرات أمل ونقل بل هى ما حدث ويحدث بالفعل، ما تقع من الذات فى شراكه وتستسلم له أو تجهد فى الخلاص منه.


هذا الابتعاد عن الطرح الفوقى معرفياً وجمالياً يوحى بعدم الرغبة فى استلاب القارئ أو الهيمنة عليه، ومن ثم فقد سعت هذه القصيدة إلى التخليص من الفنائية (الأداة الأولى لمثل هذه الهيمنة) والخيال الذى يقوم على الإدهاش والغرابة، والاعتماد- فى مقابل ذلك- على الرد الذى يبدو محايداً، ففى قصيدة "مشهد أخير" التى يمكن أن نطلق عليها تجاوزاً قصيدة "رثاء" لا نجد أثراً لسمات هذا النوع الشعرى المعتادة نجد- فقط- بنية سردية يتخللها الوصف التقريرى المحايد تأملته من ظهره (بدا لى أطول من المعتاد) كان يسير بآلية لم أعهدها فيه من قبل لـ "تمارين لاصطياد فريسة" على عطا الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013.


إن القصيدة على عكس ما هو متوقع قوة هذا الرجل فى مشهده الأخير، وكأننا أمام صراع بين الموت وإرداة الحياة التى بدأت أكثر قوة وحضوراً: "خرجت من باب المستشفى إلى الشارع دون أن يخطر لى أننى لن أراه ثانية"


إن شاعرية هذه القصيدة تكمن فى استبدالها ذلك الحزن العميق الأكثر إيلاماً الذى يقوم على مفارقة "الحياة والموت" بالحزن الفاجع الذى كان تبدى على سطح القصيدة التقليدية، وأعتقد أن هذا الحزن العميق الغائر يتوازى مع سرد إبراهيم أصلان الذى أهدى الشاعر ديوانه إليه فى دلالة واضحة على المشابهة فى التعبير بالمشهد بديلاً عن العبارة الصريحة.


هذا الموت الفجائى يعد من التيمات الرئيسية فى هذا الديوان، الموت الذى يأتى دون تمهيد أو علامات مسبقة، ولعل هذا سر إيلامه، وعيشيته الظاهرة لأنه يسقط فجأة على أصدقاء يتصرفون وكأنهم ليسوا على وشك الغياب.


إن الحديث عن هذا الموت الفجائى يعد تمهيداً لما أسيمته بشعرية النهايات التى تشمل كل شئ بدءا من العلاقات الفردية وانتهاء بالقضايا المصيرية، فهو يتحدث عن "لهفة" للقاء التى تبديها صاحبته بأنها "حتما ستبرد ، التصبح مثل جثة تتلهف، على من يواريها الثرى، فقد شاع فى قصيدة الريادة التفعيلية وجيل الستينيات تشبيه الحب بالطفل، لكننا مع السطور السابقة نجد تشبيهاً للهفة، علامة الحب بالجثة التى تتلهف- فى قلب ، واضح للدلالة- إلى من يواريها الثرى، والأمر نفسه ينطبق على القضايا المصيرية التى تتحول إلى أطلال يرقص فوقها الشاعر وصاحبته رقصة عبثية: هل تصدقين أن غرفتى بالفندق الذى استضاف قادة العرب بعد مولدى بعام واحد واسعة بما يكفى لنرقص معاً على أطلال القضية، ويتحول "الجنس" فى هذا السياق- إلى حيلة هروبية من واقع كابوسى يتحول من الشىء إلى نقيضه، ويتحول من الشىء إلى ما يوازيه ويترتب عليه ويرتبط به ارتباطاً سببياً.


فالجمود الفكرى الذى أوحى به الشاعر والذى يستلزم البحث فى سبل تجديد الخطاب الإسلامى ترتب عليه فعل الهيمنة الخارجية والاستباحة التى يحثها الإسكندر الأكبر الذى كان يتأمل مفاتن "إيزيس" و "أثينا" فى ساحة تختنق برائحة حريق قديم، لعلنا سوف نلاحظ أن "الجنس" يأخذ دلالته من السياق الذى يرد فيه حيث جاء مرة موحياً بالهروب والاكتفاء بالذات بوصفها اليقين المحسوس، ومرة كما فى السطور السابقة موحياً بالهيمنة والقوة، وقد يوحى- مرة ثالثة- بازدواجية الشخصية وانشطارها وتوزعها بين الروح والجسد، كما يبدو فى سلوك هذه المرأة التى هتفت: "أنا زوجتك أمام الله" ثم ذابت فى صمت اللذة، وحين أفاقت همست: "إنى بريئة من ذنبك"، كما يبدو ذلك الانشطار بوضوح فى قصيدة "مرسومة بدقة" بين الوجدان والجنس وهى صورة أخرى من ثنائية "الروح والجسد" : ستقول ذات دردشة : "أنت شخص وجدانى أعرف أنها ستقول ذلك لأصحح الاعتقاد المرسوم بدقة وأقول بوضوح : أنا شخص حسن" فتفرح فى صمت إن ما أقترحة- هنا- من ثنائيات ضدية لا ينبغى أن يفهم على أنه نوع من الصراع الحاد الذى نلاحظه- مثلا- فى الكثير من نماذج القصيدة الرومانسية، فالاختيارات كما يبدو فى النماذج السابقة كلها محسومة لصالح "الجسد" فالوصف الذى تطلق المرأة فى النموذج الأخير على الشاعر بأنه "شخص وجدانى" لم يكن سوى "شرك" مرسوم بدقة لتدفع الشاعر للاعتراف بأنه "شخص حسى" الذات إذن بهواجها وخيالاتها وحسها الشبقى هى الملاذ الأخير فى وجه العالم وهو ما يتوازى مع تفعيل "الخيال" فى وجه حقائق العالم ليس أمامك سوى الاستغناء لى عن العالم القاسية الحقائق يلزمها بعض التخيل كأن نكون معاً فى نهر ينحدر من أعلى وينساب مركبنا مع ذلك فى سلامة وقد انعكست هذه الرؤية الحسية على رؤية الشاعر لطبيعة العلاقات المادية فيما يحيط به، كما يبدو فى هذه الصورة لكل من المدينة والبحر: " لم نتأمل من شرفة الفندق تقوس المدينة على البحر وتقوس البحر على المدينة فى مضاجعة ممتدة منذ أكثر من ألفى سنة".


يمكن تقسيم "المكان" فى هذا الديوان إلى أربعة أنماط رئيسية: مكان مغلق ثابت (غرفة داخل البيت مثلاً) ومكان مغلق مؤقت (غرفة داخل فندق) وهو الأكثر شيوعاً، ومكان مفتوح (المدن- الشواطئ)، ومكان افتراضى، وقد يطيق المكان المغلق المؤقت فلا يتسع سوى لغرفة مصعد أو زاوية فى غرفة مكتب أو مقعد سيارة من هنا يصبح اللجوء إلى العالم الافتراضى ضرورة لأنه يجمع بين صفات المكان المغلق والمكان المفتوح، ولهذا فقد كثرت التأويلات لهذا المكان الافتراضى فقد رأى البعض أنه من سمات ما بعد الحداثة التى ساعدت على "عزلة" الإنسان، ومنع إمكانية التواصل الإنسانى المباشر، على غير ما يقال عنه من أنه قد جعل العالم "غرفة" وليس قرية واحدة.


إن إنسان هذا العالم الافتراضى خاصة تقنية الماسنجر التى يتساوى بها البعد والقرب وتلغى المسافات ? هذا الإنسان يبدو كمن يطارد فريسة وسط ظلام دامس. إن الصورة السابقة تحمل بعض الدلالات على وضعية الشاعر الحديثة الذى يبدو كمن يطارد فريسة وينوى فى ذلك أن تكون هذه الفريسة القصيدة أو الأنثى أو قليمة مفتقدة وسط ظلام العالم الدامس.


يتكرر دال اللغة فى أكثر من موضع بالديوان، بوصفها أداة التقارب والتوحد، حيث تصبح غاية الشاعر البحث عن "لغة مشتركة" بينه وبين صاحبته، ولمعرفة سمات هذه اللغة يمكن أن نتأمل هذه السطور: "ستقول لك: أحبنى من دون أن تقول : إنك تحبنى، ستعلمك هى ما تحب أن تسمعه منك بلغتها مفردات لا تتجاوز عدد أصابع اليدين وربما تعلمها أنت كيف تنطق المفردات نفسها بلغتك". يمكن تحديد هذه السمات فيما يلى: التعبير بالموقف أو الصورة الكنائية مثلاً بدلاً من التعبير الصريح المباشر (أحبنى من غير أن تقول إنك تحبنى)، الاختزال والإيجاز والإشارات الدالة الموحية، فهى لغة لا تتجاوز مفرداتها "عدد أصابع اليدين"، تأكيد الطابع الشفاهى بتلويناته الدلالية المختلفة.


وفى سياق هذه السمات يمكن الإشارة إلى ما يسمى بـ "الانحراف" على مستوى التركيب اللغوى، حيث يبتعد الشاعر عن التراكيب اللغوية المسكوكة المعتادة وينحرف عنها من خلال تغيير أحد دولها ومن ذلك استخدامه لتعبير "يعتصر أرضاً" بدلاً من "يغتصب أرضاً" كما هو شائع.


وقد يستخدم الشاعر ما يعرف بالصورة الكنائية للتعبير عن ثنائية "الفقر والثراء"، وهو ما أبعده عن الأسلوب المباشر الذى اعتدنا عليه فى هذه الموضوعات الاجتماعية، ولنتأمل هذه السطور التى تقول كل شىء عن هذه الثنائية الاجتماعية دون تصريح مباشر بها: أحياناً كنت أختلس برتقالة من القفص الذى تقطعت يدى وأنا أشد حبالاً خشنة على جوانبه حتى لا يتفسخ من تزاحم الحبات فى جوفه .


ومن السمات الأسلوبية التى يمكن أن نشير إليها ما يعرف بالمفارقة الساخرة من خلال وضع الخاص الفردى فى سياق العام: أصدق بالطبع ما تتوليه عن ضرورة تأجيل بلوغ "الأورجازم" إلى أن يفرغ المفكرون القدامى والجدد من البحث فى سبل تجديد الخطاب الإسلامى .


هذه بعض الملامح العامة التى تميز هذا الديوان الجديد للشاعر على عطا، وهو الثالث فى مسيرته الشعرية التى أثبتت- من خلالها- تميزه وقدرته على الإبداع المتجدد والمغاير.