فراشة الفلوت

18/12/2014 - 11:18:03

رئيسة التحرير رئيسة التحرير

كتبت - ماجدة محمود

  عندما تطأ قدماك دار الأوبرا تشعر وكأنك في مسجد او كنيسة ، ترانيم ، تواشيح ، صلوات بكل المعاني والكلمات ، جامعة شاملة ، كاملة ، كل ألوان وأنواع الفنون تدرس وتمارس داخل هذا الصرح بل قل محراب العلم الذي ينهل منه الصغير قبل الكبير منذ فترة ونتيجة لإنشغالى بالعمل لم اذهب الى دار الأوبرا ، وبدعوة كريمة من الفنانة الدكتورة رانيا يحيي لحفل خاص بها ذهبت بعد تردد، فيوم الجمعة هو اليوم الذي أفضل فيه البقاء في المنزل طلبا للراحة والإستجمام بعد أسبوع حافل بالعمل ويوم عائلي في نهايته يتطلب تلك الراحة الإجبارية استعدادا لإستكمال المسيرة مع كتابة إفتتاحية العدد الإسبوعي قبل الدوران في طاحونة العمل بالعدد الجديد والذي غالبا ماقد اضطر نظرا لظروف الأحداث المتلاحقة ان أعود لكتابة افتتاحية جديدة وهكذا يمر أسبوع تلو الآخر مع العمل متناسية او ناسيه ان لبدنك حق عليك ، الى ان هاتفتني فراشة الفلوت د. رانيا لحضور حفلها وكم كنت سأندم لو طاوعت نفسي وتكاسلت ولم آلبي الدعوة ، فقد عشت ساعتين بعيدا عن الأرض محلقة في سماء النغم الجميل مع العزف الراقي  حيث اختيارات رانيا يحيي سواء لأغنياتها ، او من استضافتهم لمشاركتها العزف والغناء .


المفاجأة الأولي في الحفل كانت عندما أطل علينا طفل في العاشرة عزف على آلة الهرميل بمهارة وثقة كبيرتين فاقتا عمره بكثير وتساءلنا هذا الفتى من يكون ؟ اكتشاف الدكتورة ام احد تلاميذها ؟ وتوالت المفاجآت عندما هلت عليناالميتزو سوبرانو نورستاالميرغني والتى شدت بأغنية love story " قصة حب " وغنت بصوت أوبرالى ذكرني بالراحلة رتيبة الحفنى، واسعدتنا بأغنية احتفالا بأعياد الكريسماس ، ثم قدمت المايسترو عاشق الجيتار المتميز حسن فكرى الذي ابدع في العزف الصولو بمقطوعة  لعبد الوهاب ، او عندما شارك رانيا عزف أغنيات عبد الحليم " أهواك " وأم كلثوم " امل حياتي " ومحمد فوزي " طير بينا " ، وكان مسك الختام  مفاجأة بكل المقاييس ، عندما أطلت علينا الشابة رحاب مطاوع التى شدت بأغنية عليا التونسية ، يا حبايب مصر ، وكم كانت رائعة صوتا وصورة ولا أبالغ ان قلت ان صوتها أقوي وانقي من عليا ،وصورتها سبحان الخالق فيما  خلق ، أيضاً أنشدت في حب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام مع قرب ذكري مولده الكريم " نبينا هادينا " شاركها العزف كل من د. رانيا والمايسترو حسن والطفل يحيي ، وكما سألنا عن رحاب  وعرفنا انها عضو بدار الأوبرا ، علمنا ايضا عندما استأذنت رانيا يحيى في عزف اغنية وحياة قلبي وأفراحه ، للعندليب الراحل عبد الحليم حافظ إحتفالا بفوز نجلها بالمركز الثالث في مسابقة " شوبان "وهي مسابقة مفتوحة لكل الأعمار وبدأت في مصر منذ اربع سنوات فقط ، ونظرا لوجودها خارج البلاد اثناء المسابقة  لم تتمكن مشاركته فرحة الفوز ، ان نجلها هو يحيي هارميل العازف الصغير الذي أبهرنا بعزفه بداية الحفل ، وكم كانت مدهشة رانيا الأم وهي تعزف احتفاءً بصغيرها. 


لقد شاهدت وانا أتابع وحياة قلبي وأفراحه ان قلبها يرقص فرحاً ولا أبالغ ان قلت أننى سمعت دقاته تتعالا مع نغمات الفلوت وفور انتهاءها من العزف أشارت ليحيي كى يخطو نحو المسرح حيث كان يقف فى الكواليس خجلا من الجمهور ، وبمجرد ان جاءها أمسكت بيده الصغيرة وقبلتها في مشهد إنساني تفوقت فيه الأم علي العازفة ، وكيف لا ، وجميعنا يعلم ان للأمومة مشاعر عظيمة تفوق اى مشاعر أخري ، بالإضافة الى ان الفن يرقي ويهذب النفس والسلوك وكم كانت راقية ومحلقة في السماء بأدائها   الفنى والإنساني ، لقد أشعلت رانيا المسرح الصغير بعزفها ولما لا وهى التى صدر لها منذ شهرين كتابا بعنوان " عليّ صوتك بالغنا " عن جمعية كتاب ونقاد السينما بمهرجان الإسكندرية ، وقد تعالى عزفها وتمايلت علي نغماته واسعدتنا جميعا. 


ايضا كنت سأندم كثيرا علي عدم الذهاب ، حيث كنت سأحرم من مشاهد غاية في الأهمية والإبداع ، فالمسرح المكشوف كان يستضيف حفل لفرقة نوبية قدمت عزفا جميلا جعلنا نقف مشدودين أمامه ، متمايلين مع أنغامه ، والمسرح الكبير اكتظ بالمشاركين في المهرجان القومي للسينما في دورته  بعد غياب دام لأكثر من عاما ، وامام مسرح الهناجر شهد الشارع حفلا شبابيا لفرقة بمشاركة شبابية كثيفة ، ألم أقل ان الأوبرا جامعه شامله ، وهذا يتطلب من المسئولين وخاصة وزارة الثقافة زيادة الإهتمام بها ووضعها نصب أعينهم حفاظا علي شبابنا وجذبهم الى  مناطق الاتفاق لا الاختلاف ، وليعلم المسئولين ان لغة الفن أقوي واكثر تأثيرا علي العقل والقلب معا ، فمن منا لا يذوب عشقا وحبا حتى وان هرم مع أغانى فنانو الزمن الأصيل ومن منا لا يهتز وجدانه وتجري الدماء في عروقه غزيره وهو يسمع الأغاني  الوطنية في المواقف المصيرية ، ومن منا لا يتأثر بريشه فنان رسم لوحه حتى وان كانت علي الجدران.


لقد رسمت رانيا وضيوفها لوحات ولوحات ذاب معها الوجدان ونقت مشاعر الحاضرين فعادوا الى منازلهم وكأنهم قد ولدوا من جديد ..