السينما والترام و ...... أشياء أخري

15/12/2014 - 2:59:49

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - يحيي تادرس

لا أدري علي وجه التحديد متي شهدت أول عرض سينمائي لكني أذكر جيداً أن هذا تم في مدينتي «بني سويف» وقد جذبني إلي مشاهدته.. الدعاية التي سبقته «عربة كارو عليها فرقة موسيقية وراقصة وأمامها رجل يزعق بأعلي صوت عن العرض الذي تقدمه سينما «فاروق» علي ما أتذكر.. وكان يوزع إعلانات صغيرة عن الفيلم المعروض.


كنت طفلا- وكان الإغراء قويا- وكان معي بالكاد ثمن التذكرة «9 مليمات».


وتسللت من البيت- وانطلقت مستتراً بظلام الشوارع إلي حيث تصطف عدة عربات كارو- لنقل الجمهور إلي ومن السينما لأن الدار كانت تقع خارج حدود المدينة.


قبل الفيلم تعرض جريدة سينمائية أو أجنبية وبها مشهد لا أنساه «قطار مندفع في اتجاهي بسرعة رهيبة صرخت وحاولت مغادرة السينما لكنني عدت مرة أخري بعد عبارات السخرية والضحك مني- لجهلي».


انتهي العرض- وركبت إحدي عربات الكارو في الطريق إلي البيت وهناك «هل لابد لي من ذكر ما تعرضت له من عقاب؟»


وفي سينما الأهلي كانت هناك شاشتان إحداهما لعرض الفيلم والأخري علي يسارها لعرض الترجمة «للأفلام الأجنبية »


وقد حكي لي أحد أعمامي أنه حضر في طفولته عرضاً سينمائياً في إحدي الدور فيلما صامتاً وكانت هذه الدار تستغل كمسرح- وعلي المسرح كان هناك أحد العاملين بالدار أمامه «طشت» ملئ بالماء وسلسلة حديدية وجردل وكان يستخدم هذه الأدوات كمؤثرات صوتية لمشاهد الفيلم- وبالطبع كانت هناك تلك الشاشة الصغيرة التي تعرض «جُمل» حوار الفيلم


المهم.. كانت الأبواب تغلق أمامي حتي لا أتسلل إلي السينما ولكن مع اقتراب الامتحانات «اخترعت» زميلاً لي متفوقاً كنت غالباً أحصل علي أدني الدرجات حيث تملكتني هواية أخري «قراءة كل ما يقع في يدي من كتب إضافة إلي ما كانت تحتويه مكتبة البلدية بالمدينة».


وادعيت أنني سألتقي أسبوعياً للمذاكرة.. استمعت لمدة أسابيع بما شهدته من أفلام وترددت علي دور سينما أخري أكثر رقياً كان ثمن التذكرة فيها «22مليم» بحالهم:


المهم.. ظهرت النتيجة مجموعة من الأصفار تدخل في موسوعة «جينس» وبالطبع تنكشف الخدعة


هل لابد أن أذكر ما حدث وقتها؟ أعتقد لا داعي!


مشهد رأيته يعني في سينما الأهلي ببني سويف يكشف عن مدي الفقر الذي كانت مصر وقتها تعاني منه.


أحد أبناء الفلاحين- اشتري من بائع السميط داخل الدرجة الثالثة بنصف قرش «سميطة» وبالنصف الثاني رغيفاً بلدياً وصنع منهما سندوتشاًَ كان يلتهمه بسعادة بالغة.


المشهد الثاني.. فتوة كانت وظيفته الأساسية إجلاس مشاهدي الدرجة الثالثة علي دكك «سعتها 10 أفراد» كان يأمرهم بإفساح مكان لعشرة أخري.. وكانوا يخضعون.


وفي الأفلام ذات الجماهيرية- كان رواد السينما «يزحفون» ويجلسون علي الأرض- بل يعتلون المسرح في أسفل الشاشة ويعتبرون أنفسهم سعداء إذ يرقبون الممثلين بشكل هائل ومكبر!


وكانت السينما تعمل بنظام «البوبيينات» كل فيلم كان يتكون من «8-10» بوبينات أو فصول وبين الفصل والآخر كانت السينما تضاء ويتعمدون إطالة أوقات الإضاءة لصالح عمال البوفيه!


أما إذا كان الفيلم يحتوي علي مشاهد ساخنة نقد كان هناك جمهور معين يدخل خصيصاً لمشاهدتها.. ويخرج.. وإذا حدث أي تغيير في وقت عرض هذه المشاهد كان الجمهور يصيح.


سيمة أونطة.. هاتوا فلوسنا....!


وكنا نحلم... بركوب الترام ذلك الذي نراه في الأفلام نضحك.. نبكي... نصفق


في هذه المرحلة.. من مراحل جيلي.. كنا نضحك بالطبع مع إسماعيل ياسين وبربري مصر الوحيد ونجيب الريحاني وبشارة واكيم وشكوكو إلي جانب «لوريل وهاردي» و«أخوان ماركس» بردابوت ولوكاستالو.


بالطبع شارلي شابلن ولا أنسي الياس مؤدب وشرفنطح والقصري وكنا نصفق لابطال أفلام رعاة البقر و«المسلسلات» ولمن لا يعرف كانت دور السينما تعرض إلي جانب جريدة مصر الناطقة. وأفلام الكارتون حلقات مسلسلة تنتهي دائماً بمواقف يتعرض فيها البطل غالبآً والبطلة لمخاطر أقلها الموت!


مثلاً ترقد البطلة مقيدة بجوار «برميل ملئ بالمتفجرات أو ممتلئ بالأفاعي الفتاكة مع شريط ممتد خارج الكوخ الذي ترقد بداخله ونلهث نحن لمعرفة كيف سيتم انقاذها وتنتهي الحلقة لتبدأ حلقة جديدة بعد اسبوع يتم فيها إنقاذ البطلة علي يد فارس يمتطي حصانآً أسود... وحين ينقذها نصفق في حماس ...


في مصر.. كنا نصفق لفريد شوقي حين يضرب الباشا أو رئيس العصابة الشرير محمود المليجي.


أما الفنانات فكان لهن في خيالنا مكانة خاصة:


فاتن حمامة.. كانت برقتها وضعفها «انا بنت ناس يا ناس» ودائما كانت تمثل أدوار البنت المغلوبة علي أمرها...


ليلي مراد.. كانت مثلاً أعلي للفتيات كانت بسمة «شفايفها» التي تشبه القلب- مودة.. وكانت الفساتين «الديكولتيه» لممثلة- دعوة لمئات الآلاف من الفتيات لتقليدها أما «أم كلثوم» فكانت حالة خاصة جداً «فساتينها- صيغتها/ وقفتها/ وشموخها/ جمهورها بالغ الإحترام/ الحانها/ قصائدها التي ربما لم يكن يعرف معناها الكثيرون- كانوا يتغنون بها..


الخميس الأول من كل شهر/ صوت المذيع الرائع «جلال معوض» و....


عفواً ارتفاع سعر «الحشيش» واللب السوداني «لزوم السهرة»


الشوارع- كانت تخلو من المارة حيث كان الكل يلتف حول الراديو «وشاع وقتها أن العرب تفرقهم السياسة وتجمعهم كوكب الشرق وفي صباح اليوم الثاني لحفلاتها كانت المناقشات تدور حول كل تفصيلة بها..


الربيع - كان يبدأ بأغنية فريد الأطرش الرائعة حتي ظهر شاب نحيل ويشكو من المرض« عبدالحليم» مع كتيبة من الفنانين الشبان محمد الموجي - كمال الطويل- بليغ حمدي- الابنودي-... كانوا بالفعل نقلة هائلة سحبت من كبار المطربين كثيرا من جماهيرهم عبدالوهاب- كنا ننتظر بلهفة اغنياته الجديدة نترنم بها وندندن مقدماتها الموسيقية.


الذاكرة تمتلئ بالشخصيات والاحداث والافلام لدرجة الزحام.. عذرا ان لم اذكر باقي القائمة الممتدة و.. يا ااه نسيت يوسف بيه وهبي و «شرف البنت زي عود الكبريت»


والرائعة صاحبة «ليالي الانس في فيينا»- اسمهان....


ولكن كما يقولون لكل حدث حديث


... كلاكيت/ اول مرة


... القاهرة...


كنت اظن بلا سخرية من فضلك ان القاهرة مدينة بالألوان اما مدينتي فكانت ابيض واسود كما افلام تلك المرحلة


القاهرة - الشوارع الفسيحة - العمائر - الضخمة - القصور- الباشوات والبكوات- الهوانم- العربات الفارهة- الاحاديث التي تتخللها عبارات بالفرنسية «كما في افلام ذلك العصر» والمصاعد الكهربائية «الاسانسيرات» و.. الترام.


معلومة


في أول أغسطس 1896 اجرت الشركة البلجيكية التي حصلت علي امتياز انشاء 8 خطوط للترام تبدأ من ميدان العتبة الخضراء حيث كانت مقابر قبل عصر الخديو اسماعيل الذي كان حلمه الكبير ان يجعل من القاهرة باريس الشرق.


وقد استطاع الخديو ان يحصل علي فتوي بنقل عظام الموتي الي مسجد في شارع متفرع من شارع عبدالعزيز لايزال يحمل اسم مسجد العظام.


وفي صباح هذا اليوم المذكور- ركب حسين فخري باشا ناظر الاشغال آنذاك ومعه بعض كبار موظفي النظارة قطارا اقلهم من بولاق مارا بميدان العتبة الي القلعة وقد اصطف الناس علي الجانبين ألوفا وعشرات الألوف ليشاهدوا اول مركبة سارت في العاصمة بقوة الكهرباء والاولاد يركضون وراءها وهم يصرخون.. العفريت.. العفريت.


وتستكمل جريدة المقطم في 15/8/1893 وصف ماحدث:


تسرع حتي تسابق الرياح متي خلت الطرق وتارة تسير رويدا رويدا أو تقف بغتة عند اعتراض الاولاد والسابلة في طريقها وقد وقف سائقها ووضع يده علي ميزان تسييرها وايقافها ويصل بينها وبين السلك فوقها عمود من الحديد لاتمام الدورة الكهربائية.


وفي 12 من اغسطس المذكور - جري احتفال رسمي بتسيير قطارات الترام.


شهد أهل العاصة امس مشهدا قلما شهد مثله اهالي المشرق ولم يخطر علي قلب بشر منذ مائة عام وهو ان تجري مركبات كبيرة تقل المئات من الناس لابقوة الخيل ولابقوة البخار بل بالقوة الطبيعية التي تسبب البروق والرعود بقوة تتولد علي شواطئ النيل.


هذا هو الترامواي الكهربائي الذي احتفل بتسييره امس في العاصمة.


وغصت العتبة الخضراء بالمدعويين من الامراء والعظماء وكبار الموظفين والعيان وفي مقدمتهم النظار ومحافظ العاصمة وقناصل الدول ورجال القضاء وكان المسيو «لاهو» مدير شركة الترامواي يرحب بالوافدين.


وكان قد اقيم سرادق مدت فيه الموائد وقدمت المرطبات وكل مالذ وطاب.


وكانت اجرة الركوب ستة مليمات للدرجة الاولي وأربعة للثانية.


معلومة ثانية توجع القلب


في هذه الايام تنتزع قضبان الترام والمترو ويتم معها انتزاع تراث وذكريات وأحداث وملامح القاهرة بلا أدني احساس او اختبار لما نملك في حين ان معظم عواصم العالم لا يزال الترام يجري فيها.


أيها المسئول ايا كان موقعك او سلطانك ستمضي الي نسيان لكن الترام سيبقي في ذاكرة اجيال واجيال تبكي «بالفعل تبكي» علي مايتم بلا رحمة.


ايها الناس في كل مكان ادعوكم للدعاء.. ان يعود الترام قضبانه وعرباته وناسه.. يارب.


حادثه نشل رأس بقرة في الترام رقم5:


وركبت الترام «المفتوح» وهو ترام ليس له جوانب معدنية كما انه لايحتوي علي عربة خاصة «للحريم»


وكان هذا الترام مكانا مختارا «للنشالين» حيث سهولة ركوبه والقفز منه.


كما ان بعض الصبية كانوا «يركبون» علي الجزء المعدني البارز في ظهره


أما ان ضايقهم الكمساري فكانوا يجذبون «السنجة» التي تصل الترام بأسلاك الكهرباء فيتوقف الترام.


وكان بالمناسبة سائقو ومحصلو ومفتشو الترام يرتدون ازياء انيقة ومميزة «كل هذا ذهب مع الزمن الذي ساد فيه القبح».


المهم في الكنبة التي امامي «لم يكن في هذا الترام مقاعد» كان يجلس عسكري بوليس كان نائما وصوت «شخيره» كان يزعج الركاب.


العسكري كان يضع حذاءه الميري علي جريدة ملفوف بها رأس بقرة او جاموسة اخذها ولم يشترها بالطبع من المذبح»..


بعد دقائق يركب الترام احد الصبية من «الشمال» ويجلس علي ارضية العربة- بجوار تلك الرأس.


وبسرعة يتناول مطواة ويفصل تلك «الرأس» عن اذنها التي يضع عليها العسكري حذاءه الميري الضخم وفي ثوان يقفز هذا اللص الصغير من الترام ومعه «غنيمته» الثمينة تاركا اذنها.


ويصحو العسكري أخيرا ويمد يده ويكتشف «المأساة الذهول والاحساس بأن كرامته وسلطته وبذلته الميري قد اهينوا.


وأخذ يصيح


يعني ماحدش فيكوا شاف «ابن...» وهو بيسرقني لم يجبه احد واعترف اننا استمتعنا وضحكنا مما ضاعف من ثورته!.


كانت التذكرة في ذلك الوقت قد اصبحت بـ «8 مليمات- الجنيه للاجيال الجديدة- كان يحتوي علي «1000» مليم- الف - وكل مليم كانت له قيمة خاصة في «مقالي» بيع اللب والسوداني..


وبالمناسبة غني شكوكو للترام:


علي سلم «الاترماي» شعطبني يا بوي


لا الراكب عارف يركب ولا النازل عارف ينزل


وتنتهي رحلتي الاولي بالترام ولكن الذكريات لم تنته


والي لقاء في رحلة أو حلقات قادمة عن السينما والقاهرة وشارع محمد علي و ...