.. وهل يعود البصَّاصون إلى دواوين الحكومة؟

15/12/2014 - 11:33:40

فريدة الشوباشى فريدة الشوباشى

تحقيق - صلاح البيلى - وليد محسن - هانى موسى

مفاجآت ومفاجآت حملها مشروع قانون الخدمة المدنية الجديد الذى طرحه الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط ، التى شهدت هبتين عظيمتين فى 25 يناير 2011، و30 يونيه 2013، فأصبح الأطفال قبل الكبار يتكلمون فى السياسة، ليل نهار، خرج علينا وزير التخطيط والإصلاح الإدارى بنص فى مشروع القانون المذكور، يمنع العمل الحزبى أو الترويج لأفكار حزبية أو سياسية بين الموظفين فى دواوين الحكومة .


النص غريب جدا، وهو أثار غضب كثير من السياسيين والخبراء والموظفين حتى أن بعضهم رآه "فوبيا مرضية"، وآخر قال إنه ينشر القلاقل والفتن بين الموظفين، الذين يتحدثون كل يوم عن أسعار "الطماطم" والفاكهة، والسكر والزيت وتعريفة ركوب المواصلات العامة والميكروباص، وكلها أمور تندرج فى باب الحديث والكلام فى السياسة .. إلا أن د. أشرف العربى لم يقصد كبت حرية التعبير داخل الجهاز الحكومى شريطة ألا يؤثر على العمل، وألا تكون هناك حوارات سياسية بين الموظفين وبين المواطنين الذين يرتادون الأماكن الحكومية لقضاء خدمات .


"المصور" استطلعت وسألت : هل هذا القرار واقعى ؟ . وكيف يمكن تطبيقه؟ ولمصلحة من يتصاعد هذا الجدل.


l بداية يقول القيادى الناصرى أحمد حسن أمين عام الحزب العربى الناصرى: إن منع الكلام فى السياسة تماماً بأماكن العمل اتجاه خطر وخاطىء ولا أحد يقبله ولا يوافق عليه. وبغض النظر عن أن المصرى سياسى بطبعه من عدمه فلا أحد يستطيع أن يحجر على المواطن فى الكلام فى شئونه ومصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وشئون البلد وحياته ، كيف أمنعه. ولا أظن أنه سيصدر عن الدولة كلام من هذا النوع فى قانون. حتى ولو صدر فى أسوأ الأحوال لن يطبق على أرض الواقع لأنه لن يستطيع أحد منع أحد من الكلام فى كل شىء. والسياسة تعنى الكلام فى مصالح الوطن والشعب وليس مجرد فضفضة فارغة .


«فوبيا مرضية1»


l ويرى د. وحيد عبدالمجيد أستاذ العلوم السياسية والقيادى الوفدى أن هذا المنع فوبيا مرضية تنتاب البعض فى لحظات كأن يصيبهم فيروس يجعلهم فى حالة (فوبيا) من السياسة وهذا أمر شيطانى ينبغى تجنبه وهى حالة مرضية تحتاج لعلاج سياسى ونفسى . وتفاقمها قد يهدد المجتمعات والدول بمخاطر هائلة وينتج عنها تدمير لمعنويات المجتمع وإضعاف لقدراته فى التطور وتجميد له فى الثلاجات فيصبح عاجزاً عن الحياة . وهى حالة مرضية خطيرة نرجو أن ينتبه إليها رئيس الجمهورية.


ويضيف : أن يتصور أحد أنه يستطيع قطع ألسنة الناس بالقانون فهو واهم ويعانى من فوبيا ومرض نفسى لأن السياسة تدخل فى كل شىء بما فيها مشكلة ارتفاع الأسعار ومعظم كلام الناس سياسة .. فلو ركبت المترو ووجدت عطلاً وانتقدته فأنت تتكلم فى سياسة النقل والمواصلات، ولو ذهبت مريضة لمستشفى حكومى فطردتها واعترضت فهى تتكلم فى السياسة الصحية للدولة، وإذا جاء ابنك من المدرسة يشكو قهر المدرس له ليأخذ درساً خصوصياً فهو يتكلم فى السياسة التعليمية.


«مناعة المجتمع»


وتساءلت الكاتبة اليسارية فريدة الشوباشى : إذا منعنا الكلام فى السياسة فى أماكن العمل فهل سنمنع المشاعر والرفض الصامت، الأجدر من المنع عدم قيام الحكومة بأى شىء سلبى من الأساس . إننا بذلك نضحك على أنفسنا. كمن يزعمون أنه لم تكن هناك ثورة 25 يناير وأنها مؤامرة! كيف وقد أودى مبارك بحياة ثلاثين مليون مواطن ما بين الفشل الكلوى والسرطانات والإصابة بفيروس سى والفيروسات الكبدية. كما أن حرية الرأى والتعبير أكبر ضمان ومناعة للنظام والدولة ولتحصين المجتمع وأقرب مثال على ذلك ما حدث مع عبدالناصر بعد هزيمة 5 يونيه 1967 كان السيناريو الأمريكى والإسرائيلى أن يذهب ناصر بلا رجعة فنزلت الجماهير تطالبه بالصمود والعدوان فقلبت الموازين العالمية وتبخرت أحلام أمريكا وإسرائيل. والسيسى جاء بعد 30 يونيه فى ظروف عصيبة واستلم وضعاً صعباً ومبارك منع الكلام 30 سنة فاندلعت ثورة 25 يناير 2011 أما لو كان استمع للناصحين له وأخذ برأيهم بدلاً من قولته الشهيرة "خليهم يتسلوا" ما قامت الثورة. إنه أغلق قلبه وأذنه وعينه فذهب مع الريح. أما ناصر فقد حاولت أمريكا وإسرائيل خلعه فلم تفلحا لأن الشعب تمسك به فصنع المعادلة لصالحه. والشعب يدرك أن السيسى معه وله ولذلك لا تمنعوه من الكلام فى العمل وإلا تكلم فى المواصلات أو فى البيت.


مصيدة جديدة


ويؤكد باسل عادل البرلمانى السابق أن منع الموظف العام من الحديث فى السياسة داخل المؤسسات الحكومية قرار يحتاج إلى مناقشة كبيرة قبل إقراره حتى لا يكون المقصود بهذا الأمر تكميم الأفواه وتقييد حرية التعبير عن الرأى، وهذا سيكون باباً لفتح التوتر بين الزملاء داخل المؤسسة الواحدة.


ويشير إلى أن هذا البند فى قانون الخدمة المدنية الجديد إذا كان الهدف منه هو تضييق الحريات فالجميع سيكون ضده، ولكن لا مانع من تطبيقه لبعض الوقت نتيجة للظروف التى نمر بها من حالة الانشقاق الموجودة بين الفئات المختلفة من المجتمع المصرى، وبالتالى فإن تطبيقه سيكون فقط مراعاة للانشقاق الاجتماعى ما بين تيار 30/6 والتيارات الأخرى، فقد أصبحنا نرى جدلاً كبيراً بين الأفراد فى أفكارهم السياسية داخل مؤسسات عملهم وبالتالى فإن تضييع الوقت فى النقاش فى الأمور السياسية سيأتى على إنجاز الأعمال بها.


l ويشدد على أنه لا يمكن أن يكون الهدف من وراء هذا القانون هو التضييق على حرية الرأى والتعبير، لأن الشعب المصرى قام بثورتى "25 يناير و30 يونيه" من أجل الحصول على حريته وبالتالى فإذا كان تطبيقه تقييداً للحرية والتعبير عن الرأى فالجميع ضده، وأنا ليس ضد فكرة المراقبة من الحكومة على العاملين فى الجهاز الإدارى لها لإنجاز أعمالهم المكلفين بها وعدم الانشغال فى المناقشات السياسية ولكن دون أن يكون ذلك تقييداً للتعبير عن آرائهم وتأجيل تلك المناقشات بعيداً عن ساعات العمل الرسمية لهم.


صعوبة التطبيق


l ويؤكد د. جمال زهران رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة بورسعيد أنه لا يمكن منع الموظف من الحديث فى السياسة لأن الشعب المصرى عقب ثورتى 25 يناير و30 يونيه أصبح لا يشغل باله سوى الحديث عن الأمور السياسية وهذا يعد أمراً جيداً لأن ذلك يزيد من الوعى السياسى لدى الشعب.


ويرى زهران أن هذا النص يعد نوعاً من تكميم الأفواه، متوقعاً أنه لن يمكن تمريره بالطريقة التى تريدها الحكومة، مشيراً إلى أنه إذا كان الغرض من هذا القانون هو زيادة طاقة الموظفين فى الإنتاج والعمل وعدم تضييع ساعات العمل من المناقشات والجدل فى الأمور السياسية فهذا الأمر لن يتحقق إلا من خلال قانون عمل صارم ولابد أيضاً من إعادة تأهيل الموظفين، وكيف تعمل الحكومة على منع الحديث فى السياسة ونحن مررنا بثورتين ولا يوجد بيت فى مصر إلا ويتحدث فى السياسة.


القضاء على المعارضين


ويشير د. مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية إلى أن تطبيق هذا النص سيكون بمثابة الإعدام لموظفى الحكومة، ويندرج تحت إطار القضاء على حرية الرأى والتعبير الذى خرج الشعب المصرى كاملاً فى ثورتين من أجل الحصول على هذا المطلب، وتطبيقه يعنى القضاء على المعارضين لقرارات الحكومة فى الجهاز الإدارى للدولة لأنه لن يطبق على من يوافق على قرارات الحكومة وبالتالى فسيكون الغرض منه القضاء على المعارضين لسياسة الحكومة أو قراراتها.


ويشدد على أن تعريف الحديث فى السياسة تعريف واسع مثل تعريف كلمة الإرهاب، ولذلك لابد من بنود محددة فى القانون توضح ما هى الأمور السياسية التى يمنع حديث موظفى الحكومة فيها، وإلا سيكون الغرض من هذا القانون هو القضاء على معارضى سياسات الحكومة أو قراراتها أو القضاء على حرية الرأى والتعبير التى يكفلها الدستور والقانون، وتطبيقه مخالف لمبادئ ثورتى 25 يناير و30 يونيه اللتين كانتا أحد إنجازاتها هو الحرية.


ويؤكد سمير صبرى المحامى بالنقض أن مشروع قانون الخدمة المدنية الذى سيتم طرحه فى الفترة القادمة والخاص بموظفى الحكومة وما يتفرع عنها من هيئات وإدارات هو مشروع صائب ولابد أن يتم الإسراع فى إصداره حيث إن مجالات العمل تخصص وقتها للعمل فقط. أما الحديث فى السياسة أو غيرها التى تعطل عجلة الإنتاج والتى تبدأ منذ وصول العامل أو الموظف إلى مقر عمله حتى موعد انصرافه فهو يتحدث فى أمور كثيرة وكلها مضيعة للوقت.


فإصدار مثل هذا القانون طبقاً لرأيه جاء فى وقته ووفقاً للدستور الذى احترم حقوق العامل وحق الدولة فى تأدية واجبه وتفرغه لأداء المهام المكلف بها. بالقانون يصادف صحيح الدستور ولا يتعارض مع الحقوق التى منحها للأفراد جميعاً حيث إن إبداء الرأى والفكر يكون خارج إطار العمل وليس تعطيله ولا يمكن أن يطعن على هذا القانون بعدم الدستورية


آراء الموظفين


وبالنسبة لآراء الموظفين يقول محمد تمام (محامى 47 سنة) إن مشروع القانون بمنع الحديث فى السياسة داخل المصالح الحكومية سوف يطعن عليه دستورياً لأن هذا الإجراء مخالف لكل الأعراف والحقوق الإنسانية لأن الدستور أعطى الإنسان حرية الكلام وارتداء الملبس وتناول الطعام، وأما إن يفرض عليه أن يتكلم فى موضوع معين دون غيره فهذا مخالف لحقوق الإنسان وأن قانوناًمثل هذا لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع لأن ذلك سوف يؤدى إلى مراقبة الموظفين لبعضهم البعض ولابد من مراجعة ودراسة القوانين قبل إصدارها كما يجب طرحها للنقاش المجتمعى.


ويضيف جابر خاطر (موظف 30 سنة) أنه لابد من تطبيق القانون على الجميع دون استثناء حيث إن مصر تحتاج للكثير وخاصة فى ظل الأحداث التى شهدتها على سنوات وأؤيد تطبيق قانون الخدمة المدنية حيث إن العديد من الموظفين خاصة فى الحكومة يقومون بحساب عدد الساعات دون النظر إلى محصلة الخدمات التى قدمها خلال ساعات العمل وهناك أعداد كبيرة من المواطنين تحتاج إلى هذه الخدمات التى يتطلب إنهاؤها من القطاع الحكومى كما أن تطبيق القانون لابد أن يكون وفق ضوابط معينة وليس عشوائياً .


ويقول محمد سعيد (37 سنة موظف) إنه فى حالة تطبيق هذا القانون فسوف تحدث مشاكل كثيرة وأنه ضد هذا القانون جملة وتفصيلاً لأن ذلك يؤدى إلى تجسس موظفى الحكومة على بعضهم البعض وبالتالى لن يتم تقديم خدمات جيدة للمترددين على المصلحة بل سيقوم كل موظف بتسجيل كل ما يدور داخل مقر عمله ونقله إلى المسئول عن جمع المعلومات .