قانون (25/30) الخطوة الأولى على (الطريق الثالث) .. عصا السيسى تبتلع ثعابين مبارك ومرسى !

15/12/2014 - 11:08:49

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - أحمد النجمى

وسط كل ما قام به الرئيس السيسى خلال الشهور الماضية ، من افتتاح لمشروعات قومية كبرى كقناة السويس الجديدة ، وحضوره لدورة الألعاب الأولمبية الخاصة، والذى كان له تأثير شعبى إيجابى ملحوظ ، يبدو المشهد الذى نحن بصدده بالغ الأهمية ، ذلك المشهد الذى ضم السيسى وعدداً من شباب الصحفيين والإعلاميين قبل 8 أيام ، والذى أعلن فيه السيسى أن قانوناً سيصدر قريباً لتجريم التعرض السلبى لثورتى الشعب فى يناير 2011 ويونيه 2013 ، كان السيسى فى الحقيقة - بهذا القرار - يشق طريقا ثالثا ، طريق الشرعية الثورية ، معتمداً على مايقرب من 30 مليوناً من «المصريين الحقيقيين» الذين أعطوه أصواتهم فى الانتخابات الرئاسية ، وبعيداً تماما عن فلول مبارك وأذناب مرسى ..!


قامت الدنيا ولم تقعد..!


فلول مبارك جن جنونهم، شنت صحفهم الخاصة والمواقع الإلكترونية التابعة لهم وفضائياتهم التى تملأ الدنيا صخباً ليل نهار، هجوماً حاداً.. على من؟ على الرئىس نفسه، السيسى الذى ادعى هؤلاء جميعاً تأييده، منذ بداية حملته الانتخابية فى الربيع الماضى، مروراً بانتخابه، وصولاً إلى الأسبوع الماضى.. انطلقوا يهاجمونه، قالوا له: لقد أخطأت ياسيادة الرئيس! إعلاميون - حسبهم البسطاء أنهم من أنصار ثورة يونيه - انقلبوا على الدولة المصرية، مع قرار الرئيس السيسى الذى أعلنه عن تجريم إهانة الثورتين.. ظهر هؤلاء الإعلاميون كمؤيدين حقيقيين للمخلوع مبارك، وقال متنطعون منهم: القرار ضد حرية الرأى والتعبير..! وقال متنطعون آخرون: القرار يستهدف 90 فى المائة ممن شاركوا فى ثورة يونيه! وزعموا - بتبجح شديد - أن ما فعله السيسى باعتزامه إصدار هذا القانون (انقلاب) ومعظم الشعب غاضب منه..!


هؤلاء هم الفلول، أخيرا تكلموا عن حرية الرأى والتعبير التى طالما حاربوها ولايزالون، فى عصر مبارك المخلوع وفى العصر الذى أعقبه، ترصدوا دائماً الرأى والتعبير ووقفوا ضدها، وهم فى تشدقهم بها يكذبون.. كذبوا أيضاً حين زعموا أن 90 فى المائة من المشاركين فى ثورة يونيه هم أنصار مبارك، ووصلوا إلى (الفجر) - بضم الفاء - حين زعموا أن هذا انقلاب.. انقلاب على من؟ ولصالح من؟ نسى من قال هذا، ومن جرى على رأيه من الفلول، أن الدستور - بنصوصه - يوفر احتراماً هائلاً للثورتين معاً.. الدستور الذى اقترع عليه المصريون فى يناير الماضى، مبدين موافقتهم بأغلبية كاسحة!


أما أنصار «المحظورة» والإرهابيون الموالون لها، فلم يأتوا بجديد.. هذا أن مواقعهم الإلكترونية وفضائياتهم الحقيرة ومنابرهم الإعلامية - الجزيرة، وغيرها - تهاجم ثورة 30 يونيه أصلاً، وتناصب الدستور الجديد العداء، وتحرض على الرئيس والدولة المصرية - ليل نهار، ثمة عداء مكشوف بين المصريين وبين الإخوان وإعلامهم، هذا العداء شيد سداً عالياً بين المصريين وما تقوله (المحظورة)، التى لن تكف عن تشويه ثورة 30 يونيه المجيدة.. التى أطاحت بمرسى ونظامه الإرهابى، وإن كان المشروع الذى تعتزم الدولة إصداره، والذى بشر به الرئيس السيسى، قد أصبح «لقمة فى الحلق» بالنسبة لهم، ليس لأنه يجرم التعرض بالسلب لثورة يونيه، ولكن لأنه يجرم التعرض بالسلب لثورة يناير، تلك التى يتاجر بها (المحظورون) ويرفعون قميصها على السيوف.. ويدعون أن الدولة تنصلت منها.. وهاهى الدولة ممثلة فى أعلى سلطاتها - رئيس الجمهورية - تعلن تجريم من يشوهون يناير.. ويونيه.. سواء بسواء!


كان قرار السيسى مثل عصا موسى التى ابتلعت أفاعى الكهنة، كهنة نظام مبارك وكهنة نظام مرسى سواء بسواء، والمتباكون على (الحريات) يعلمون أنهم أول من وقف ضدها، سواء (المباركيون) أو (الإخوان).. إنهم يريدون أن يقولون للسيسى: كيف تمنعنا من سب ثورة يناير التى أطاحت بمبارك؟ وآخرون منهم يقولون: كيف تمنعنا من سب ثورة يونيه التى أطاحت بمرسى؟


الحق أن قرار الرئيس السيسى، والذى بدأ المختصون بالصياغة الدستورية فى الاشتغال عليه، يؤسس لطريق ثالث، هو - فى تقديرى - الطريق الأكثر اتساعاً، فهو طريق الأغلبية الكبيرة من هذا الشعب، يدعى أنصار مبارك أن هذه الأغلبية معهم.. فمن إذن هؤلاء - الذين بلغ عددهم 15 مليوناً - الذين خرجوا ثائرين ضد مبارك فى يناير 2011؟ ويدعى أنصار مرسى أن هذه الأغلبية معهم.. فمن إذن هؤلاء الذين بلغ عددهم 30 مليوناً الذين خرجوا ثائرين ضد مرسى فى يونيه 2013؟ لقد دأب الفريقان على (ادعاء الأغلبية) وأنهم هم الذين يمثلون الشعب المصرى.. بينما هذا الشعب خرج من دون أن يخرجه أحد ثائراً ضد مبارك ثم ثائراً ضد مرسى، وخرج موافقاً بأغلبية ساحقة على الدستور فى يناير الماضى، وخرج ينتخب السيسى رئيساً بأغلبية غير قابلة للتكرار فى أى انتخابات حرة فى العالم، أى أن هذه الأغلبية، تؤيد السيسى، وتدعم دولته، وتكرس لحياة سياسية جديدة تخلو من فلول المخلوع والمعزول سواء بسواء..!


اتخذ الرئيس السيسى القرار الصواب، شق طريقاً ثالثاً.. يكرس شرعية الثورتين، يستلهم المفهوم المصرى لهذه الشرعية، الذى يتأسس على: لا شرعية ليونيه دون يناير.. ولولا هذه لما كانت تلك!


ضرب الرئيس السيسى هذه المعادلة الجهنمية التى تهدم وعى وطن، وتجرح كبرياء مواطنيه، كان فلول مبارك - فى الفترة الأخيرة - قد شحذوا أسلحتهم ليجهزوا على الثورة ذاتها - ثورة يناير - ويجرموها بصورة مباشرة عبر الفضائيات والصحف الخاصة، تلك التى باتت تمارس «غسيل أدمغة» للمصريين البسطاء، لتوهمهم بأن ثورة يناير كانت فعلاً فاضحاً فى الطريق العام، ولو استمر هذا النمط المتدنى من الإعلام، لكنا قد وصلنا الآن إلى برامج فضائية تحمل شعار «آسفين ياريس»، فبرامج هؤلاء الفلول لاتبتعد كثيراً أو قليلاً عن هذا الشعار البشع.. ولو استمر هذا النمط المتدنى من الإعلام، لكنا قد وصلنا الآن إلى مجموعات من «مغسولى الأدمغة» ترفع شعار: آسفين يامرسى! الثورات وما تنشئه من أنظمة، لها آليات سياسية غير تلك الآليات النمطية، نعم.. الدعوة إلى صيانة حرية التعبير حق، والحرية هى ركن من ثلاثة تأسست عليها ثورتا يناير ويونيه: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.. لكن، الديمقراطية لها آلياتها التى تفض الاشتباك بين «النقد البناء» وبين الهجوم القذر، الذى لايهدر فقط دماء الشهداء الذين سقطوا فى الثورتين، ولكنه - وهذا أخطر - يعطل خطوات إعادة بناء الدولة، تلك التى يسعى المصريون مع رئيسهم السيسى لبنائها، والأخطر - على الإطلاق - أنه يفكك هذا التحالف الكبير بين جموع المصريين ضد الإرهاب.. ذلك الذى لايفرق بين المصريين على أساس معاركهم السياسية، فجميعهم أعداؤه..!


الحق أننا كنا ننتظر هذه الخطوة من السيسى منذ شهور، فهو يعتمد على الشرعيتين، يناير ويونيه اللتين اعتمد عليهما الدستور السارى الآن، فضلا عن أن هذه الخطوة - بالذات - تؤسس للسير على «الطريق الثالث» المنتظر، الذى يجب أن يسير عليه المصريون.. هذا الطريق ليس بالطبع طريق نظام مبارك، الذى يعنى السير فيه العودة لأوضاع ماقبل 25 يناير 2011، وهذا الطريق ليس بالطبع طريق نظام مرسى الإرهابى، الذى يعنى العودة لأوضاع ماقبل 30 يونيه 2013، إن هذا القرار الرئاسى هو - من دون مبالغة - أول قرار يتخذه السيسى من (منطلق ثورى سياسى)، بعد مشروع (قناة السويس الجديدة) الذى يؤسس لأوضاع اقتصادية - اجتماعية أفضل كثيراً..!


والحرية - التى يبكى عليها أنصار الديكتاتورين السابقين مبارك ومرسى - لن تتحقق بترك الثورتين المجيدتين اللتين أطاحتا بهما.. نهباً لأعدائهما، الطرفان يريدان فتح الباب لضرب الثورتين.. أنصار مبارك يريدون ضرب يناير، وأنصار مرسى يريدون ضرب يونيه.


الحرية تتأسس الآن بشكل جاد، ففى كل مجتمع ثمة ضوابط مهما تكن درجة الحرية فيه.. فى أقدم الديمقراطيات الأوربية، يجرم إنكار محارق النازية لليهود، ويجرم الانتماء للنازية أيضاً.. فلماذا يغضب المتشدقون بالحريات - هذا إن صدقوا فى تشدقهم! - من منع التعرض لثورتى يناير ويونيه بالسب والقذف والتجريح؟!


هذا كله يفتح الباب واسعاً أمام سؤال أهم: إن كان قانون منع التعرض لثورتى (25 يناير و30 يونيه) يمثل حجر زاوية فى الانتصار لثورتى الشعب ضد طاغوت (الوطنى) وطاغوت (المحظورة)، فهل بهذا القانون وحده.. يتحقق حلم المصريين فى إقامة الدولة المرجوة، تلك التى ثاروا مرتين لإنجاز حلمهم بها؟!


بالطبع لا.. لقد احتاج «جمال عبدالناصر» - مثلاً - لحزمة من الإجراءات والقوانين لتأسيس (دولة الثورة)، احتاج نحو عشر سنوات بدءاً بالإصلاح الزراعى ومجانية التعليم وقوانين العمل التى انتصرت للعمال والموظفين، وحققت آمالهم فى رواتب عادلة ومعاشات مضمونة وتأمين وحوافز وعضوية مجالس الإدارات، ثم تأميم قناة السويس، وإنشاء السد العالى، وتأميم الرأسماليين الكبار، ومحو دولة الألقاب - الملك والباشا والبك - بالتوازى مع نمو دور مصر الإقليمى والدولى، وانتصارها على قوى العدوان الثلاثى (1956)، ودعمها لحركات التحرر العالمية فى شتى قارات العالم.. كان هذا كله يحدث بالتوازى - أيضاً - مع إعلان «القوانين الاشتراكية» فى مطلع الستينيات.. ومع تأسيس جيش حديث قوى، ومشروع وحدوى عربى.


ليس المطلوب بالطبع أن يخطو السيسى نفس الخطوات.. جرت مياه كثيرة فى النهر، وتغيرت الحال تماماً.. ليس مطلوباً من السيسى أن يعيد إنتاج تجربة عبدالناصر كما هى.. لكن المطلوب - فقط - أن يستلهمها.. نجح السيسى - حتى الآن - فى استلهام هذه التجربة نجاحاً ملموساً، فى أكثر من مشهد: يوم وقف ينتصر لثورة الشعب ضد نظام المعزول والإرهابيين (3 يوليو 2013)، ويوم وقف يفتتح الحفر فى قناة السويس الجديدة أغسطس الماضى.. تلك التى اكتمل تمويلها الضخم من جيوب الشعب المصرى فقط، دون استعانة بجنيه واحد من الأجانب، ويوم اجتمع بشباب الصحافة والإعلام الأسبوع الماضى ليعلن تجريم التعرض بالسلب لثورتى يناير ويونيه.


كل هذا يبدو رائعاً.. لكن الطريق الثالث الذى يسير عليه السيسى، وتشتاق الجماهير إلى السير عليه معه، طريق طويل.. ينبغى أن يكون له إطار سياسى، لا نطالب السيسى بإنشاء حزب أو جبهة، بل نطالبه بالابتعاد تماماً عن ذلك.. لكن المطلوب هو إعلان انحيازه النهائى لفقراء ومتوسطى الشعب المصرى، لا نقول إن المطلوب معاداة الأغنياء، لكن المطلوب هو الانتصار للطبقتين الوسطى - التى توشك على الاندثار - والفقيرة التى توشك على الهلاك.. بمشروع سياسى شامل.. يتضمن خطاً واضحاً يجمع بين الديمقراطية وبين الانحياز الاجتماعى لهم، بمشروعات قومية جادة فى التعليم والصحة والإسكان، بتشكيل نخبة جديدة من الشباب الواعى الوطنى المنتمى تحيط بالسيسى، بإبعاد الوجوه القديمة، والعقول القديمة، والآليات القديمة..! على (السيسى) ألا يخشى أحداً، نعلم أنه لايخشى إلا الله، لكننا نقصد أنه عليه ألا يمضى الوقت فى (الحسابات)، فالشعب فى انتظار خطوات جديدة أشد ثورية، وأكثر فاعلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وسيكون الشعب - المصريون الحقيقيون - أكبر داعم له..!